الاتحاد

تقارير

اليونان والنمسا: صعود التطرف

هناك شيء واحد على الأقل مشترك بين النمسا واليونان غير العضوية في منطقة اليورو: فكلاهما يواجه صعوداً واضحاً للحركات القومية المتطرفة. ومن المدهش أن البلد الجنوبي الفقير أظهر نجاحاً أكبر في التصدي لهذه الحركات.
ويحاول «هاينز كريستيان شتراخه» زعيم حزب الحرية في النمسا أن يخفي آراءه السياسية، فعندما انتشرت صورة على نطاق واسع يظهر فيها، وهو يقدم التحية بأصابعه الثلاث على طريقة النازيين الجدد- وهي طريقة تحية محظورة في ألمانيا، لكنها ليست كذلك في النمسا- زعم «شتراخه» أنه كان يطلب ثلاثة من أكواب العصير وكان الناخبون يعلمون أن التفسير غير صادق في الوقت الذي كان يحاول فيه «شتراخه» نفي تقارير عن علاقاته الوثيقة مع المتشددين من الجناح «اليميني»، ورغم هذا فاز حزبه بنسبة 21.4 في المئة في الانتخابات العامة في 29 سبتمبر.
وفي اليونان، أدى «نيكولاوس ميخالولياكوس» زعيم حزب «الفجر الذهبي»، مراراً ودون اعتذار، التحية النازية، وهي غير محظورة هناك. وقال في إحدى المناسبات «على الأقل، فإن الأيدي التي تؤدي تحية على هذا النحو لا تسرق». وشعار الحزب يبدو كما لو أنه صليب معقوف صيغ على شكل زينة يونانية تقليدية. وحصل الحزب على سبعة في المئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 2012.
وكل من «شتراخه» و«ميخالولياكوس»، يكره أموال الإنقاذ للدول الأضعف في منطقة «اليورو»، ويرفضها الزعيم النمساوي لأنها مرهقة لدافعي الضرائب في بلاده، والزعيم اليوناني يرفضها بسبب ما تنطوي عليه من إجراءات تقشف. وكلاهما يعتقد أن بلديهما يغرقها المهاجرون من الدول الإسلامية الذين لا يتكيفون مع الثقافة المهيمنة، ويلقون بعبء ثقيل على شبكة الضمان الاجتماعي في البلاد.
والسياسي النمساوي يسجل موسيقى الهيب هيب بدرجة ترقى إلى الاحتراف، وينشر تعليقات من حين إلى آخر على «فيسبوك» على صفحته التي بها أكثر من 172 ألف معجب. والسياسي اليوناني القومي المتطرف خطيب مفوه ونبرة صوته المميزة الحادة تبعث على النوم واليقظة بشكل ما في آن واحد.
ويوجد بالطبع بعض الاختلافات وهي سطحية وعميقة. فقد استعرض «شتراخه» الشاب الوسيم ممشوق القوام جسمه في أحدث جولة انتخابات. و«ميخالولياكوس» أكبر سناً وقصير القامة وبدين وهيئته تثير الضحك تقريباً. ويعرض «شتراخه» قلادة تلقاها من رئيس بلدية مدينة إسرائيلية في مسعى واضح، ليبدو أنه ليس معادياً للسامية. لكن «ميخالولياكوس» ينفي صراحة وجود غرف الغاز في معسكر «أوشفيتز» فيما عرف بمحرقة النازية لليهود أو الهولوكوست.
وهناك اختلاف وحيد فحسب يفسر سبب أن «ميخالولياكوس» موجود في السجن الآن ومتهم بتشكيل منظمة إجرامية بينما «شتراخه» يحتفل بانتصار انتخابي. فـ«الفجر الذهبي» لجأ إلى العنف، وهاجم اليساريين والمهاجرين في الشوارع. واحتجزت «أورنيا» ابنة «ميخالولياكوس» بعد أن هاجمت بائع كباب في العاصمة اليونانية أثينا. وفي 18 سبتمبر طعن أحد أنصار حزب الفجر الذهبي مغني الراب بافلوس فيسوس، وبعد احتجاجات لآلاف اليونانيين شنت الحكومة حملة مشددة على «ميخالولياكوس» وحاشيته.
وتوخى «حزب الحرية» النمساوي في المقابل الحذر، ليبتعد بنفسه عن صور العنف، وهو يريد أن يكون جزءاً من التيار السياسي الأوروبي الرئيسي.
واليونانيون أسعد حظاً بطريقة ما من النمساويين. فبفضل همجية «الفجر الذهبي»، فقد تلقى اليونانيون تحصيناً ضد التطرف القومي. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو ستة في المئة فقط من اليونانيين يدعمون القوميين المتطرفين مقارنة بنحو 12 في المئة قبل أحداث العنف. وفي النمسا السعيدة التي بها أقل معدل بطالة في الاتحاد الأوروبي تصل نسبة من يدعمون «اليمين المتطرف» إلى 4.8 في المئة.


‎ليونيد بيرشيدسكي
صحفي وروائي


ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا