شدد ملتقى إعادة هيكلة النظام الرقابي في القطاع المالي الذي نظمته هيئة الأوراق المالية والسلع أمس على أهمية منع تداخل الاختصاصات والصلاحيات بين الهيئات الرقابية المختلفة وإعطائها الصلاحيات الكافية للقيام بدورها الإشرافي والرقابي. وأكد عبدالله الطريفي الرئيس التنفيذي للهيئة في الكلمة الافتتاحية للملتقى أن النموذج الرقابي في القطاع المالي بالدولة أظهر فعاليته، ولكن لا يمنع ذلك من الاطلاع على تجارب الدول الأخرى ودراسة التحولات الجارية على أنظمتها للاستفادة منها في إعداد أنظمتنا وتشريعاتنا. وبحث الملتقى الذي أقيم تحت رعاية معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد، رئيس مجلس إدارة هيئة الأوراق المالية والسلع بحضور عدد من المسؤولين عن الأجهزة الرقابية في أسواق قطر والكويت والعراق تجارب عدد من الدول المتقدمة بشأن الرقابة على أسواق المال، منها تجارب الولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزيلندا. وبينت التوصيات التي خرج بها الملتقى في ختام أعماله أن اختيار نظام رقابي بعينه يعتمد على الطبيعة الاقتصادية والسياسية لكل بلد، كما أكدت أن المسألة الأساسية التي ظلت في كثير من دول العالم هي أنه لا يمكن تحقيق إصلاحات رقابية إلا بإرادة قوية، وقادرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، بالإضافة إلى اتباع معايير الشفافية بالنسبة للهيئات الرقابية، لا سيما المتعلقة بأعمال السوق. وأكدت عدم النظر لأي نظام سواء تكاملي أو رقابة مزدوجة على أنه غاية بعينه، وإنما يجب النظر إليه على أنه اختياري، وبينت التوصيات أن كفاءة أي هيكل رقابي يعتمد على قرارات ذات جودة عالية. وشددت على أهمية التعاون الدولي، مع الأخذ بالاعتبار أن تطبيق الأنظمة يجب أن يتم على المستوى المحلي، حيث يجب على كل دولة أن تطبق الإجراءات النظامية المناسبة لظروفها، ما يعني ضرورة التنسيق بين الجهود المحلية والدولية. وقال عبد الله الطريفي إن الهدف من انعقاد الملتقى إلقاء الضوء على المتغيرات العالمية فيما يخص الدور الرقابي الذي تؤديه الهيئات الرقابية بما يجعلها أكثر فاعلية في مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية. وأكد أن دولة الإمارات تراقب عن كثب التغييرات التي تجري على الأنظمة الرقابية بأوروبا وأميركا وتدرس إيجابياتها وسلبياتها، وإن كانت تلك التغييرات مازالت في مراحلها الأولى، لكنها جديرة بالدراسة والمتابعة، مشدداً على أن لكل دولة مبرراتها لاختيار النموذج المناسب، وأن الكثير من الدول لا تتبنى نموذجاً بعينه، ولكن تأخذ ما يلائمها وقد تضيف له أو تجري تعديلات عليه”. وأوضح أن النموذج الرقابي المالي الحالي لدولة الإمارات أظهر فعالياته وإيجابياته، ولكننا لسنا بعيدين عما يجري في العالم؛ لأننا نستعين بتجارب الدول الأخري ومن ثم فإننا نهتم بدراسة التحولات الجارية على أنظمة الدول التي استفدنا من تجاربها في إعداد أنظمتنا وتشريعاتنا. التجربة الأميركية وفي الجلسة الأولى التي رأسها السير أندرو لارج النائب السابق لمحافظ البنك المركزي البريطاني، رئيس المجلس الاستشاري في هيئة الأوراق المالية والسلع تناول بول التجربة الأميركية بشأن مواجهة تداعيات الأزمة المالية، وذلك من خلال تقرير بولسون الذي صدر في مارس 2008، والذي تضمن قواعد لاستقرار الأسواق. كما تعرض إلى قانون “دود فرانك” الذي يعتبر إطار عمل يحتاج لإجراء دراسات وإصدار قواعد تفصيلية من الجهات التنظيمية المختلفة التي ينظم أعمالها، وهو بمثابة الاستجابة التشريعية الأميركية للأزمة المالية العالمية، حيث تضمن القانون عدة عناصر تتعلق بإنشاء المجلس الرقابي للاستقرار المالي الذي يضم في عضويته رؤساء أو ممثلي الجهات الرقابية كافة في القطاع المالي والذي يتولى تشخيص المخاطر التي قد تهدد الاستقرار المالي والحفاظ على نظام السوق. وأوضح أن القانون وسع من صلاحيات البنك المركزي وهيئة التأمين على الودائع لتشمل الإفلاس المنظم، وإصدار قاعدة “فولكر” التي تحظر على المؤسسات المصرفية التداول لحسابها أو التملك في صناديق التحوط أو صناديق الملكية الخاصة، وتوسيع نطاق متطلبات رأس المال للبنوك لتشمل الشركات الكبرى التي تقدم خدمات مالية غير مصرفية، وإصدار قواعد جديدة للمشتقات وتوسيع نطاق حماية المستثمر لدى هيئة الأوراق المالية، وتطوير لوائح تنظيم أعمال وكالات التصنيف الائتماني، وتسجيل مديري صناديق التحوط، وإنشاء مكتب الحماية المالية للمستهلك. وتعرض بول للاعتبارات الواجب مراعاتها في منطقة الخليج والهدف من إعادة هيكلة النظم الرقابية، ومنها تجنب التعارض في أدوار ومهام الجهات الرقابية والتنظيمية، منوهاً بأن وجود عدة جهات رقابية قد يؤدي لحدوث تداخل بينها إلى وقوع ثغرات تشريعية، وهو ما قد يؤدي للتهرب من الرقابة، وتوافر السلطات الكافية وأنواع الموارد كافة لتحقيق أفضل النتائج للجهات الرقابية، وأن تحقيق الاتساق ما بين التشريعات المتعارضة سيكون مهماً في إعادة هيكلة النظم الرقابية. وقدم بول كوستر من سلطة دبي للخدمات المالية تجربة هولندا في الرقابة على القطاع المالي من خلال نموذج الرقابة الثنائية، حيث تم فصل المسؤوليات إلى مسئوليات احترازية ومسؤوليات عن قواعد لممارسة الأعمال، ويناط بالبنك المركزي الرقابة الاحترازية للمؤسسات المالية كافة، بينما تم استحداث هيئة الأسواق المالية لتتولى التركيز على قواعد ممارسة العمل وحماية المستثمرين، كما تم دمج الجهات المنظمة لأعمال التأمين وصناديق التقاعد في البنك المركزي الهولندي في عام 2004. وأشار كوستر إلى أن الاقتصاد الهولندي نجا من الأزمة المالية بصورة أفضل من بعض الدول الأوروبية الأخرى، وأن تقرير صندوق النقد الدولي أثنى على الخطوات المتخذة من الهيئات الرقابية في هولندا بشأن ترشيد وتطوير ممارساتها في مجال الرقابة والإشراف. النماذج الرقابية وعرض كوستر لوجهات النظر المختلفة حول النماذج الرقابية، وأكد أن الأزمة المالية لم تقدم دليلاً على النظام الرقابي الأمثل، وأن تركيز الرقابة الاحترازية من خلال البنك المركزي يجعله قادراً على النظر بعمق للأنظمة في جوانب النظام المالي كافة، وأن النموذج الأمثل لأية دولة يعتمد على عدة عوامل تشمل الحجم وطبيعة القطاع المالي. وعرض تشارلز تايلور المدير التنفيذي بالمركز الدولي للأنظمة المالية للتجربة البريطانية، وذلك من خلال نموذج الرقابة المزدوجة، حيث يناط بالبنك المركزي من خلال لجنتي السياسة النقدية والسياسة المالية وهيئة الرقابة الاحترازية مسؤولية الرقابة الاحترازية الكلية والجزئية، بينما تنشأ هيئة يطلق عليها هيئة الأسواق وحماية المستهلك تتولى قواعد ممارسة الأعمال وحماية المستهلك، وذلك بهدف تحقيق العديد من الأهداف منها تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي. الإقراض المفرط وفي الجلسة الثانية التي ترأستها مريم السويدي نائب الرئيس التنفيذي للشؤون القانونية والإصدار والبحوث بهيئة الأوراق المالية والسلع، أكد اندرو لارج عضو المجلس الاستشاري في الهيئة أن أحد أفدح الأخطاء في الأداء الرقابي في الأسواق العالمية هو الفراغ والخواْء في السياسات من حيث تصميم الهيكل التنظيمي وتنفيذ السياسات، ولذلك كما أوضح فإن تفادي الأزمة المالية يكون عن طريق معالجة الخواء في السياسات والتطرق إلى دور الهيكل التنظيمي ودور الإشراف على البنوك الفردية. وذكر أن السبب الجذري للإجهاد النظامي كان الإقراض المفرط من قبل المصارف وشركات التأمين واستخدام المنتجات التي تحتوي على رفع مالي، وكذلك الاقتراض المفرط من قبل مستخدمي الائتمان مثل المستهلكين والشركات والحكومات والمؤسسات المالية مثل صناديق التحوط وصناديق الملكية الخاصة. وأوضح أن الحل لتخفيض مستوى الرفع المالي هو تعديل تكلفة توفير الائتمان ووضع قيود للمخالفين. وأكد أن الإفراط في السياسة الاحترازية الجزئية مثل مبادرات كل من بازل، ومجموعة العشرين ومجلس الاستقرار المالي والاتحاد الأوروبي التي اهتمت بالسيولة ورأس المال والمعايير المحاسبية والتصنيفات الائتمانية، لن تساعد في حل المشكلة بل تحتاج إلى مبادرات وطنية للتطبيق في كل دولة، كما أنها مهمة لكل الدول. وشدد أمادو سي مستشار الأسواق المالية والنقدية بصندوق النقد الدولي على الحاجة المتزايدة لتحقيق التوازن بين الاستقرار والنمو كما أن التنسيق التنظيمي والإشرافي ما زال يعتبر عملاً قيد التنفيذ، وأن العلاقات والمسؤوليات المتبادلة في التعاملات لم ترق إلى درجة عالية من التطور، وأن المؤسسات التي تضع المعايير العالمية قد تتسبب في بطء الاستجابة لهذه المعايير ورأى نييل أوتول من شركة كلايد أند كو في ورقته بعنوان الحاجة إلى تشريعات متكاملة في القطاع المالي أن هناك حاجة لوقت أطول لتحديد النموذج الأفضل في مواجهة الأزمة المالية العالمية والمقاييس التي يمكن استخدامها من مؤشرات الأسواق، ومستوى الدين الحكومي، وحجم ضخ السيولة. وقدم تقييماً للنموذج الذي يستخدم نظام فيه منظما واحدا مثل المملكة المتحدة وألمانيا وسنغافورة، وذلك الذي يستخدم نظاماً فيه عدة منظمين مثل الولايات، كما قام بتقييم بعض مواطن النجاح والفشل لبعض الأنظمة، ففي حين نجحت هيئة الخدمات المالية في المملكة المتحدة بالتطرق لحالات التداول على أساس المعلومات الداخلية، في حين فشلت في التعامل مع الأزمة المالية، كما فشلت الجهة المنظمة في ألمانيا في دق جرس الإنذار حول نسبة الالتزامات الائتمانية المبالغ فيها في بنك الصناعة الألماني. وأشاد أوتول بأحد النجاحات المتعلقة بقيام هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات، بخطوة إيجابية بتوقيع مذكرة تفاهم مع البنك المركزي بالدولة لتعزيز التعاون بينهما، واستعرض بعض المبادرات الإيجابية التي قامت بها الهيئات الرقابية في الإمارات مثل الترخيص للاستشارات المالية والتحليل المالي، وقيام البنك المركزي بحظر بيع المنتجات المهيكلة للمستثمرين الأفراد، وقيام سلطة الخدمات المالية في دبي بتعديل قوانين المستثمرين الأفراد وأنظمة ممارسة الأعمال. وشدد على التنسيق بين الجهات الرقابية في الدولة، مؤكداً أن دولة الإمارات تلعب دوراً في وضع المعايير العالمية من خلال عضويتها في منظمة “الأيوسكو” ودورها في لجانها الفنية مثل لجنة الدول الناشئة، مضيفاً أنه يجب أن تقوم كل دولة بالنظر إلى الظروف الخاصة بها وكيفية تطبيق المعايير بشكل فردي وعلى دولة الإمارات أن تختار النموذج الأكثر ملاءمة لثقافتها. وحضر جلسات الملتقى عدد من المسؤولين والوسطاء والخبراء من بينهم يونس خوري مدير عام وزارة المالية، وسعيد الحامز مدير تنفيذي رئيس بمصرف الإمارات المركزي، وناصر الشيبي الرئيس التنفيذي لهيئة قطر للأسواق المالية، وعبدالرزاق السعدي الرئيس التنفيذي لهيئة الأوراق المالية العراقية، والدكتور مهدي الجزاف نائب رئيس مجلس مفوضي هيئة أسواق المال بالكويت.