الاتحاد

الملحق الثقافي

اللّهُمّ اسْقِنَا غيثاً ثَرِيّا··· مُجَلجِلاً سَحّاً سَفُوحاً غّدّقاً

خلق الله عزّ وجل الماء وجعله سبب الحياة والأرزاق·· فالماء سبب كل شيء حي، لابد منه، ولم تبدأ الحياة على سطح الأرض إلا بعد وجود الماء: ''وجعلنا من الماء كلّ شيء حيٍّ''· (سورة الأنبياء/ 30) وقد تكرر حديث القرآن الكريم عن الماء حتى بلغ ثلاثاً وستين مرّة· والماء نعمة الله الكبرى، وعلى العباد أن يقدروا هذه النعمة حقّ قدرها، ويرعوها حقّ رعايتها·· وليس عبثاً أن يغطي الماء أربعة أخماس سطح الأرض، بل هو: قصدٌّ وتقديرٌ من الجليل العليم· ولم ينزل الماء على سطح الأرض مصادفة، بل أنزله عز وجل ''بقدر'' أي بالقدر اللازم للحياة، وإن قلّ كان الجدب والمَحْلُ، ولو نزل الماء في غير أوانه لذهب بدداً دون فائدة· والماء المُنهمر الهاطل والشجر الناميّ من مشاهد هذا الكون الفسيح، فيه الآيات الدالة على عظمة الخالق والنعمة الإلهيّة والعلم والتدبير·


الماء سرّ الحياة·· بعد موات، والعربي يألف الماءُ لأنّه ابن بيئة صحراويّة تضنّ عليه بِجُودِ السماء، وهو يستظل بالسماء لحافاً وبالأرض بساطاً· والشعراء العرب قبل الإسلام هُم من اكثر النّاس الذين أرّخوا للمطر وجُوْدهِ على الصحارى المُقفرات، كذلك عنوا بالمطر بإكبارٍ وتقديسٍ، فرأوا فيه مادة الحياة التي خُلِقَ منها كُلُّ شيءٍ، وأُغْرِمُوا بمراقبتهِ ومُلاحظتِهِ، فسهروا اللّيلَ وأُرِّقُوا، وقد تتبّع الشعراء نزول المطر تتَبّعاً غريباً ووصفُوا بَرْقَهُ اللامع، ورعده القاصف وسُحُبه الحَافِلَة، ورياحَه المُتَناوِحَة، ورسموا صورةً رائعةً لمناظِرِهِ وهو ينثالُ كاللؤلؤ مِن قُبّة السماء الخَيِّرَة إلى قيعَانِ الصحارى الظَمأى، وأِشارُوا إلى السّيُول والغدران والآبار، وما يُحْدِثْهُ مِن انقلابٍ في الحيّاةِ العاديّة فالحيوانات تَفِرُّ مذعورةً، والضفادع تَنشقُّ نشوةً، والطيور صُبِحْنَ سُلافاً مِن رحيقٍ مُفَلْفَل، والتّلاَلُ العاليّة تُعَمَّمُ بالزّهرِ والنباتِ، والأغوارُ تَطْفَحُ بسيولٍ جارفة بقول الدكتور أنور أبو سويلم في ''المطر في الشعر الجاهلي''·
المطر في القرآن الكريم
فقد استخدم كتاب الله العزيز صور المطر والسحاب والماء والرّعد استخداماً دقيقاً لأنّه حياة ومادة للحياة والموجودات على الأرض، وهو الرحمة والطّهور والغيث والبركَة، ومنه خلقَ كلّ شيء حيٍّ· ووردت آيات بينّات عديدة لذكر المطر والرياح نشير لبعضها للتمثيل لا الحصر كقوله تعالى: ''وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ''· سورة الأعراف/·57 وقال عزّ وجلّ: ''أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ''· سورة النمل/·63 أو كقوله الحقّ: ''اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السماء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ''· سورة الروم/·48 وكقوله سبحانه الجليل: ''إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السماء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السماء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ· سورة البقرة/·164
المطر في العربية
وللمطر في لغتنا العربية تسميّات وافرة تدلّ على سِعَة العربية وشموليتها للمفردات، وإنّ المعنى يدل على المبنَى· فمن تسميات المطر عند العرب قولهم: ''الرَّذاذ السَّاكن الصَّغير القطر كالغبار، والطَّلُّ: أخفُّ المطر وأضعفه، والرَّشّ والطَّشّ: أول المطر، والدِّيمة: المطر الذي يدوم أياماً في سكون بلا رعد وبر، والمُزْنَة: المطْرة والنَّضْح والبَغْش والدَّثُ والرَّكّ والرِّهْمَة: أقوى من الرذاذ، والهَطْل والتَّهْتَان: المطر الغزير السُّقوط، والغَيْث: الذي يأتي عند الحاجة إليه، والحَيَا: الذي يُحيي الأرض بعد موتها، والعُبَاب: المطر الكثير، والوَابِل والصَّنْدِيْد والجَوْد: المطر الضَّخم القطر الشَّديد الوقع، والوَدْق: المطر المُستمر، وحَبُّ المُزن وحبُّ الغَمَام: البَرَد الحميم: المطر الصيفي العظيم القطر والشديد الوقع، والوليّ: المطر بعد المطر·
كيفَ تَرونَ بَرْقَها؟
كان النبيّ الأكرم محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام رضيّ الله عنهم غالباً ما يتناقشون في أمرّ الماء والمطر لأنّهم أهل صحراء ولا حياة بدونهِ· وقال حبيب بن المُهلّب عن موسى بن إبراهيم التيميّ عن أبيه عن جدّهِ، قال: بينَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم جالساً مع أصحابه إذ نشأت سحابةٌ، فقالوا: يا رسولَ الله، هذه سحابةٌ، فقالَ: كيفَ ترونَ قَواعِدَها؟ قالوا: ما أحسنَهَا وأشدَّ تمكنُّها! قال: وكيف تَرونَ رَحَاها؟ قالوا: ما أحسنها وما أِدَّ استدارتَها! قال: كيفَ ترونَ بَواسِقَها؟ قالوا: ما أحسنَها وأشدّ استِقَامتِها! قال: كيف تَرونَ بَرْقَها: أومِيْضَاً أم خَفْوَاً، أم يَشُقُّ شَقّاً؟ قالوا: بَل يَشُقُّ شَقّاً، قالَ: فكيفَ ترونَ جَوْنَها؟ قالوا: ما أحسنُهُ وأِدَّ سَوَادَهُ! فقال صلّى الله عليه وسلّم: الحَيَا، فقالوا: يا رسولَ الله ما رأينا الذي هو أفْصَحُ مِنْكَ، فقالَ: وما يمنعني، وإنّما أُنْزِلَ القرآنُ بلسانيّ لِسَانٍ عربيٍّ مُبين·
وصف المطر
عقد ابن دريد اللغويّ كتابه ''وصف المطر والسحاب وما نعتتهُ العربُ الرّوّاد من البقاع''، ليروي فيه حكايات ماتعة عن المطر والسحاب والسحاب والبروق ويذكر نماذج من أشعار العرب التي قيلت فيه· فيذكر المؤلف: أنّ عبدالرّحمن بن عبدالله ابنُ أخي الأصمعي أخبره عن عمّه قال: سُئِلَ أعرابيّ عن المطر فقال: ''إسْتقلَ سَدٌّ مع انْتشارِ الطّفْلِ فشصَا وأخْزَأَلَّ، ثم أكفهرَّت أرجاؤُهُ، واحمَوْمَت أرحَاؤُهُ، وابدَعَرَت فَوارقُهُ، وتضاحَكَت بَوَارِقُهُ، واستطارَ وَادِقُهُ، وارتَتَقَتْ جُوْبُهُ، وارثْعَنَّ هَيْدَبُهُ، وحَشَكَتْ أخلاقُهُ، واستَلّتْ أرْدَافُهُ، وانتشَرَت أكنافُهُ، فالرّعْدُ مُرْتَجِسٌّ، والبَرْقُ مُخْتَلِسٌّ، والماءُ مُنْبَجِسٌّ، فأتْرَعَ الغُدُرَ· وأنْبَثَ الوُجْرَ، وخَلَطَ الأوْعَالَ بالآجَالِ، وقَرَنَ الصِّيْرَانَ بالرِئَالِ، فَلِلْأودِيَةِ هَدِيْرٌ، وللشِرَّاجِ خَرِيْر، وللتِّلاعِ زَفِيْر، وحطّ النَّبْعَ والعُتْمَ مِن القُلَلِّ إلى البقِيْعَانِ الصُّحْمِ، فلَم يبقَ في القُلَلِّ إلأّ مُعْمٌ مُجَرْنْثِم، أو داحِضٍ مُجَرْجَم، وذلك مِن قضاءِ ربِّ العالمينَ على عبادهِ المُذِنْبِيْنَ''·
اللّهُمّ اسْقِنَا غيثاً···
كما يروي ابن دريد عن الأصمعيّ أنّه قال ذات يوم: وقف أعرابيّ على أبي المكنُون النّحويّ وهو في حلقتِهِ، فسألَهُ فقالَ: مَكانَكَ حتّى أفرغُ لكَ، فدَعَا واستسقَى فقال: اللّهُمّ ربّنا ومَولانا، صلِّ على نبيِّنا مُحمّد، ومَن أرادَنا بسُوءٍ فأحِط ذلكَ السّوءَ بهِ كإحاطةِ القلائِدَ بترائبِ الوَلائِدِ، ثُم ارسَخْهُ على هامَتِهِ كرُسُوخِ السِّجِيْلِ على أًصحابِ الفِيْل، اللّهُمّ اسْقِنَا غيثاً ثَرِيّا طَبَقاً مَرِيْعَاً مُجَلجِلاً مُسحَنْفَراً، هَزِجاً سَحّاً سَفُوحاً غّدّقاً مُثْعَنْجِراً، قالَ: فَولّى الأعرابيّ مُدْبِراً، فقال لهُ: مَكانَك حتّى أقضيَ حاجَتكَ، فقالَ: الطُّوفَانُ وربُّ الكعبة! حتّى أُأْوِي عِيالِي إلى جبلٍ يعْصِمهُم مِن الماء!
والغَيْمُ كالثّوبِ···
وهذا العَالِمُ أبو هلال العسكريّ في ديوان المعاني يقول إنّ: مِن أجود ما قالهُ مُحدَثٌ في وصفِّ السحابِ والمطر والرّعدِ والبَرْقِ ما أنشدناهُ العسكريّ عن نفطويه للعَتّابي قولهِّ:
أرقْتُ للبرقِ يَخْفُو ثُمَّ ياتَلِقُ
يُخْفِيهِ طَوراً ويُبْدِيْه لنا الأُفُقُ
كأنّهُ غُرّةٌ شَهْبَاءُ لائِحَةً
في وجهِ دَهْمَاءَ ما في جِلْدِها بَلَقُ
أو ثَغْرُ زنجيّةٍ تَفْتَرُّ ضاحِكَةً
تبدُو مَشافِرُهَا طَوْرَاً وتَنْطَبِقُ
أوسَلَّةُ البيضِّ في جأواءَ مُظلِمَةٍ
وقد تَلَقّت ظُبَاها البَيْضُ والدّرَقُ
والغَيْمُ كالثّوبِ في الآفاقِ مُنتشِرٌّ
مِن فوقِهِ طَبَقٌ مِن تحتِهِ طَبَقُ
تظنهُ مُصْمَتاً لا فَتْقَ فيهِ فإنْ
سالَت عَوالِيْهِ قلّتَ الثوبُ مُنْفتِقُ
إنْ مَعْمَعَ الرّعْدُ فيهِ قُلْتُ: يَنْخَرِقُ
أو لألأَ البَرْقُ فيهِ قُلْتُ: يَحْتَرِقُ
تَسْتَكُّ إن رَعْدِهِ أُذُنُ السّميْعِ كما
تَعْشَى إذا نَظَرَت مِن بَرْقِهِ الحَدَقُ
فالرّعْدُ هْلَقٌ والرِّيْحُ مُنْخَرِقٌ
والبَرْقُ مُؤتَلِقٌ والماءُ مُنْبَعِقُ
قَدْ حالَ فوقَ الرُّبَى نَوْرَاً لهُ أرَجٌ
كأنّهُ الوَشْيُّ والدِّيْبَاجُ والسّرَقُ
مِن صُفْرَةٍ بينَها حَمرّاءُ قانِيّةٌ
وأصْفَرٌ فَاقِعٌ أو أبيَضٌ يَقَقُ
بينما أنشد الشاعر أوس بن حجر قائلاً:
يا مَن لِبَرْقٍ أبيتُ اللّيلَ أرقُبُهُ
في عارض كمُضيء الصُّبْحِ لَماّحِ
دانٍ مُسِفٌّ فُوَيْقَ الأرضِ هَيْدَبُهُ
يكادُ يدفَعُهُ مَنْ قامَ بالرَّاحِ
سعد المطر
يورد الجاحظ والثعالبي لحكاية واحدة هي ''سعد المطر'' بقولهما: إنّما قيل ''سعد المطر'' لأنّه كان يُرى مُلقى في المطر وهو الذي يقول في ذلك:
دَع المواعيد لا تعرض لوُجهَتها
إنّ المواعيدَ مقرونٌ بها المَطرُ
إنّ المواعيدَ والأعيادَ قد مُنينا
منه بأنكد ما يُمنَى بهِ بَشَرُ
أما الثيابُ فلا يغرُرْك إنْ غُسِلَت
صَحْوٌ قديمٌ ولا شمسٌ ولا قَمرُ
وفي الشخوص له نوء وبارقة
وإن يبيت فذاك الفالج الذكرُ
والفالج الذكر هو الذي يهجم على الجوف قال: ولما دها المطر المحلول مولى آل سليمان جلس على طريق الناس وقد رجعوا من الاستمطار وقد سقوا فهم ضاحكون مستبشرون فأقبل على صاحب له وقال ليس بي إلّا سرورهم بالإجابة وإنّما مُطِروا لأنّي غسلت ثيابي اليوم ولم أغسل ثيابي قطُّ إلاّ جاء الغيم والمطر فليخرجوا غداً فإنْ سَقوا فإنِّي ظالم! ولبعضهم في معناه:
وما خفت إنِّي غسلت ثيابي
سوى أنّ يومي يعود مَطيرا
الثعالبي والآثار العلويّة
بينما تناول الثعالبي في ''ثمار القلوب في المُضاف والمنسوب'' في الباب الثامن والخمسين في الآثار العلويّة طائفة من الموضوعات الخاصّة بالغمام والبرق والمطر والسحاب وغيرها· حيث يقول في ''مرّ السحاب''، يتمثّل به في السرعة· قال بعض الحكماء الفرص تمرّ مرّ السحاب قال الشاعر:
الدهر أقصر مدة
من أن يمحق بالعتابِ
فتغنّم الساعات منه
فمرّها مرّ السحابِ
وقد شبّه به الشاعر الأعشى مشي المرأة حيث قال:
كأنّ مشيتها من بيتِ جَارتها
مرّ السحابة لا ريثٌ ولا عَجلُ
أمّا ظلّ الغمام: يضرب مثلًا لِما لا يدومُ بل يسرع انقضاؤه قال كُثير عزّة:
وإني وتهيّامي بعزةَ بعد ما
تخليت عما بيننا وتخلتِ
لكالمرتجى ظلّ الغمامة كلما
تبوأ منها للمقيل اضمحلتِ
كما يُقال برق خُلّب فيقول الشاعر:
لا يكن وعدك برقا خُلّبا
إنّ خير البرق ما الغيث معه
والبرق الخُلّبُ هو الذي لا غيث معه يضرب مثلاً لمن يخلف كما يخلف ذلك البرق، والخلب من الخلابة قال الليث عن الخليل: البرق الخلب الذي يومض ويطمع في المطر ثم يعد ويخلف، وللصاحب من رسالة وعدة برق خلب وروغان ثعلب·
مطر الربيع
يقولون مطر الربيع ماء كله أي نفع كله وذلك أن الماء حياة كل شيء فمطر الربيع هو الماء الذي تحيا به الأرض بعد موتها ولا يضيع منه شيء كما تضيع أمطار سائر الفصول وقد أحسن من قال لشارب دواء:
وجال نفع الدواء فيك كما
يجول ماء الربيع فى المطر
مَطَرُ مِصْر
ولعلّ حكاية ''مَطَرُ مِصْر'' التي يرويها الثعالبي فإنّها يُضربُ بها مثلاً للشيء النافع يُتضرر منه: لأنّ من عيوب مِصْر أنّها لا تمطر فإذا أمطرت كَرِهَ أهلها ذلك أشدّ كراهة· قال الله تعالى في سورة الأعراف/57: ''وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ''· يعنى المطر فهذه رحمة موجهة لهذا الخلق وهم لها كارهون وهي لهم غير مُوافقة ولا تزكُو عليها زروعهم قال الشاعر:
يقولون مِصْر أخصب الأرض كلها
فقلت لهم بغدادُ أخصب من مِصْر
وما مِصْر إلا بلدة مثل غيرها
تعاقبها الأيام بالعسر واليسر
ولكنكم تطرونها بهواكم
ولم تخل أرض من محب ومن مطر
وإلّا فأينَ الخصب من مَعشر بها
يقاسون أنواع العذاب من الفقر
وما خير قوم تجدب الأرض عندهم
بما فيها خصب العالمين من القطر
إذ بشروا بالغيث ريعت قلوبهم
كما ريع في الظلماء سِرْب القَطا الكدر
الجاحِظ وريح الجنوب؟
بينما أوضحّ لنا الأديب الجاحظ عن ريح الجنوب بأنّها تلك الرّيح التي هبت بها الريح المريسية وهى ريح الجنوب ثلاثة عشر يوماً تباعاً اشترى أهلها الأكفان والحنوط وأيقنوا بالوباء القاتل وريق المزن يدخل في باب الاستعارات قال بعض أهل العصر:
ريق الحبيب بريق المزن والعنبِ
أذاقني ثمرات اللهوِّ والطربِ
وقد سرقت من الأيام صفوتها
فكيف أهربُ منها وهى في طلبي
أما غيث الغيث فيضرب مثلّا لما يعمّ خيره ويخصّ شرّه وذلك أنّ الغيث على إغاثته الخلق وإحيائه الأرض بعد موتها ربما ضرّ الخلق بهدم البيوت وتخريب العمران وتعويق المواعيد وإيذاء المسافرين وقد أنشد الشيخ أبو الفتح البُسْتِى:
لا ترج شيئا خالصا نفعه
فالغيث لا يخلو مِن الغيثِ
الاستحمام لاستنزال المطر؟
هل يمكن للإنسان أن يستحم لينزل المطر المِدرار؟ هذا ما أشار إليهَ جيمس فريزر في كتابه المعروف ''الغصنّ الذهبيّ'' إلى بيانِ طقوس عرب أفريقية في الاستسقاء حيث: يلجأ عندهم النّاس إلى الاستحمام وسيلة سحريّة لاستنزال المطر، وقد يلقون بأحد رجال الدين في أحد الينابيع للتغلّب على الجدب! كما أشار المؤرخ اليونانيّ ''ديوكاسيوس'' إلى طقوس صانع المطر عند الرّومان، بأن يستحمّ في العراء، وهذا الطقس يُمارس إلى اليوم· وهناك الرُّقى السحريّة من قبيل السِّحر ''التشاكي، أو التشبيهي'' وهي عادة مازالت مُتبعة في أوروبا على أيام صاحب ''الغصن الذهبيّ'' نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، من أجل استنزال المطر، بأن يُكْسَى أحد الأشخاص بأوراق الشّجر ثم يُصبّ الماء عليه، وهذا الشّخص يُمثل الزرع، كما أنّ عادة صبّ الماء على آخر ما يُحْصَد مِن سنابل يُقصَد بها استنزال المطر على الحقول في السنّة التاليّة· وفي بعض قُرى ألمانيّة يُعْمَل لأحد الرِّجال عنقود ذرَة دُميّة في هيئة امرأة ثُم تُغمر بالماء كما لو كانت تُبلّل بالمطر، وهذا الرّشُ بالماء في اعتقادهم هو نوعٌ مِن المطر السحريّ· أما في أمريكا الوسطى فيقترن إله المطر أسطوريّاً بالنّمر الأمريكيّ الموجود في غاباتها، وهناك العديد مِن التماثيل الصغيرة التي تُمثل هذا الاقتران· وعندما تُسقط المرأة جنينها تتوقع ''قبائل النباتو'' أن تهبّ الرِّيح العاصف المُدمِرّة، ذات الحرارة العاليّة، وتنقطع الأمطار عن السقوط، ويسودُ الجفاف، وربّما كان هذا ما يُشير إليه الشاعر خفاف بن نُدبَة السُّلَمِيّ في قوله:
إذا الحسناءُ لم تَرْخَص يَدَيْها
ولم يُقْصَر لَها بَصَرٌ بِسِتْرِ
قَرَوا أضيَافَهُم رَبْحَاً بِبُحٍّ
تجِيىْ بعبقرِيِّ الوَدْقِ سُمْرُ
هُم الأيْسَارُ إنْ قَحَطَتْ جُمَادَى
بكُلِّ صبيرِ ساريّةٍ وقَطْرِ
وهناك قصيدتان أثيرتان لشاعرين من العراق هُما نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، هُما من دُرر وعيون الشعر العربي الحديث، ندرجهما في اختتام حديثنا عن المطر المُنهمر·








أنشودة المطر






بدر شاكر السياب









عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء·· كالأقمار في نهر
يرجه المجداف وهنا ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم
وتغرقان في ضباب من أسى شفيف
كالبحر سرح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف
والموت والميلاد والظلام والضياء
فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر
كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم
··وقطرة فقطرة تذوب في المطر
وكركر الأطفال في عرائش الكروم
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر
مطر
مطر
مطر
تثاءبي المساء والغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه ـ التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لج في السؤال
قالوا له: ''بعد غد تعود'' ـ
لابد أن تعود
وإن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشربي المطر
كأن صيادا حزينا يجمع الشباك
ويلعن المياه والقدر
وينثر الغناء حيث يأفل القمر
المطر
المطر
أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟
و كيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟
بلا انتهاء ـ كالدم المراق، كالجياع
كالحب كالأطفال كالموتى ـ هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروق
سواحل العراق بالنجوم والمحار
كأنها تهم بالبروق
فيسحب الليل عليها من دم دثار
أصيح بالخيلج: ''يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى
كأنه النشيج:
يا خليج
يا واهب المحار والردى
أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
ويخزن البروق في السهول والجبال
حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال
لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من اثر
أكاد اسمع النخيل يشرب المطر
واسمع القرى تئن، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع:
عواصف الخليج والرعود، منشدين
مطر
مطر
مطر
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحى تدور في الحقول··· حولها بشر
مطر
مطر
مطر
وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
ثم اعتللنا ـ خوف أن نلام ـ بالمطر
مطر
مطر
ومنذ أن كنا صغارا، كانت السماء
تغيم في الشتاء
و يهطل المطر
وكل عام ـ حين يعشب الثرى ـ نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
مطر
مطر
مطر
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي واهب الحياة
مطر
مطر
مطر
سيعشب العراق بالمطر
أصيح بالخليج: يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى
كأنه النشيج:
يا خليج
يا واهب المحار والردى
وينثر الخليج من هباته الكثار
على الرمال، رغوه الاجاج، والمحار
وما تبقى من عظام بائس غريق
من المهاجرين ظل يشرب الردى
من لجة الخليج والقرار
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يربها الرفات بالندى
واسمع الصدى
يرن في الخليج
مطر
مطر
مطر
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
وكلّ دمعة من الجياع والعُراة
وكلّ قطرة تُراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي، واهب الحياة
ويهطل المطر

اقرأ أيضا