الاتحاد

عربي ودولي

الراحل تركي علي الربيعو.. توظيف التراث لتنوير الثقافة العربية

دمشق ـ عمّار أبو عابد:

عندما نعت الصحف السورية إلى قرائها بداية هذا العام المفكر والباحث تركي علي الربيعو، اكتشف السوريون أنهم فقدوا مؤلفاً وكاتباً لم يكن معروفاً على نطاق واسع في سوريا، وإن كانت له شهرته الأكبر في الدول العربية، لا سيما الخليجية منها·
غير أن الراحل كان معروفاً في الوسط الثقافي السوري والعربي كواحد ممن أسهموا في تأسيس مشروع ثقافي عربي معاصر يجمع بين لغة العقل والحوار، ويحاول أن يرسم واقع الأمة ويستشرف مستقبلها· كما عرف عنه اعتداله السياسي، واحتفاظه بمسافة في منتصف الطريق بين (الرسمي) و(المعارض)، ويعزو إليه كثيرون أنه أسهم في تأسيس أول مدرسة عربية في مجال الميثولوجيا من خلال العديد من كتبه، لا سيما كتابيه (العنف المقدس) و(من الحجر إلى الطين) وغيرهما من المؤلفات، بحيث بدا كمن يكتب سيرة ذاتية للمجتمع من خلال قراءة أساطير المجتمع نفسه·
وصف الراحل تركي من قبل معارفه وأصدقائه بأنه (البدوي الأنيق)، فهو ينتمي إلى قبيلة (طي) العربية العريقة، وهو ولد عام 1951 في القامشلي في الجزيرة السورية، وكان يعد لإصدار كتاب عن قبيلة (طي) لكن الموت لم يمهله فرحل شاباً لم يتجاوز الخامسة والخمسين من عمره إثر مرض عضال·

من آثار الراحل كتبه التي حملت عناوين: أزمة الخطاب التقدمي العربي، الإسلام والغرب، الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر، العنف المقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية، إضافة إلى مقالاته وأبحاثه التي نشرت في الدوريات والصحف العربية، لا سيما الخليجية منها·

التالي شهادات عن الراحل لعدد من المثقفين السوريين: قيم عربية منفتحة

الدكتور أحمد حلواني الأستاذ الجامعي والإعلامي قال: ما أنجزه تركي علي الربيعو من كتب ودراسات تشكل مراحل من اهتمامه وتطوره في الدراسات الأنثولوجية والأنتروبولوجية، لا سيما في منطقة سوريا وبلاد الرافدين باعتبار أنه ينتمي إلى إقليم الجزيرة السورية الذي يشكل منطقة وصل بين سوريا والعراق، وصولاً في المرحلة الأخيرة إلى دراساته عن الأكراد، بحكم جيرته ومعايشته لهم كأبناء وطن واحد وثقافة وتقاليد مشتركة، ووقوفه ضد مفاهيم التعصب القومي الضيق التي ظهرت في الفترة المتأخرة·
وإذا كانت كتاباته الأولى قد شكلت انفتاحاً على أهم الثقافات الغربية حداثة، فإن كتاباته الأخيرة قد أثارت الكثير من الإشكالية لدى أصحاب الاتجاهات الأيديولوجية والحزبية الضيقة·

ترك فراغاً في الساحة

يقول الصحافي والشاعر والروائي (خليل صويلح): اقتحم تركي علي الربيعو المشهد الثقافي السوري في مطلع التسعينيات مثقلاً بتراثه البدوي وانتسابه إلى قبيلة عربية أصيلة هي (قبيلة طي)· وكان كتابه (الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة) (1992) مدخلاً لاهتماماته الفكرية والبحثية· وجاءت كتبه اللاحقة استكمالاً لمشروعه في بلورة رؤية عربية لقضايا الإسلام والأصولية والإرهاب· لاشك في أن رحيل هذا المثقف باكراً،سيترك فراغاً في الساحة الفكرية السورية على نحو خاص،والعربية عموماً، خصوصاً أنه اشتغل على مرحلة واسعة من القضايا الفكرية الراهنة والتي كان من المتوقع أن تؤكد حضوراً أكبر للباحث الراحل، فقد كانت الكتابة والسجال هما بوصلته نحو الآخر·

متفائل تاريخياً

وعبر الدكتور أحمد برقاوي المفكر وأستاذ الفلسفة في جامعة دمشق عن تأثره لفقدانه صديقاً عزيزاً، فقال: كان دمث الخلق محباً لأصدقائه ورفاقه متفائلاً دائماً، ومجتهداً في تناول جملة من الموضوعات هي أقرب إلى علم الإناسة منها إلى قضايا السياسة، كان تركي مهتماً بما يمكن أن نسميه بالتاريخ الأنتروبولوجي للمنطقة، بعاداتها وتقاليدها وقيمها وبقبائلها وعشائرها، حتى أنه ذكر لي قبل أن يرحل عن عالمنا أنه بصدد تأليف كتاب عن قبيلة طي· وهي إجمالاً من الدراسات التي نفتقد إليها، فتاريخ المنطقة الأنتروبولوجي لم يكتب بعد· وأقصد تاريخ الإنسان بعاداته وقيمه وتقاليده وأفراحه وأتراحه· فمن هذه الزاوية باستطاعتنا أن نقول أن تركي الربيعو كان من القلائل الذين اهتموا بهذا الجانب من الموضوعات التي تشغل الكثيرين في الغرب، حتى ليمكن القول إنه انتروبولوجي بنيوي بهذا المعنى· وكان أيضاً ناقداً للأفكار في كثير من الأحيان، وهذه مهمة قام بها عدد كبير من المثقفين العرب· وهي تعطي حيوية للحالة الثقافية·

مثّل ضميراً حراً

الدكتور جورج جبور المفكر وعضو مجلس الشعب استذكر في شهادته معرفته للراحل منذ عشر سنوات، وقال: أعجبني فيه منذ البداية أنه طموح وأنه يرى في نفسه قدرة على معالجة المشاكل الكبرى في العالم وليس فقط في الوطن العربي، وحين سألته عن خلفيته العلمية، اكتشفت أنه درس العلوم الفيزيائية، وأن قدرته على معالجة الشؤون الاجتماعية والسياسية، إنما نتجت عن متابعة شخصية، فأعجبت به لأنني أحب أولئك الذين يأتون إلى العلوم الاجتماعية والسياسية بجهدهم الشخصي بعيداً عن شهاداتهم الأكاديمية· في إنتاجه كان دائماً حريصاً على قول الحقيقة كما يراها دون مجاملات·

حمل قضية الثقافة

الدكتور يوسف سلامة المفكر والأستاذ الجامعي عبّر عن خسارة الثقافة العربية لواحد من فرسانها، وقال: إن تركي الربيعو كان يحاول أن يوظف التراث في سبيل استكشاف طرق ومداخل جديدة من أجل إشاعة التنوير في الحياة العربية وفي الحياة الثقافية، ومن هنا كان تركي يستخدم مادة قديمة ويعيد تشكيلها وبلورتها واستعمالها لأغراض حديثة ومعاصرة، فهو من هذه الناحية كان حريصاً على أن يحقق نوعاً من التواصل بين القديم والحديث، وهو يعتبر في زمرة أولئك المثقفين الذين كانوا أقرب لفكرة الحداثة وأدنى إلى فكرة التحديث منهم إلى أن يكونوا منخرطين في زمرة المثقفين التقليديين والمقلدين الذين يميلون إلى اعتبار أن الماضي قد كان منطوياً على كل شيء، الأمر الذي يمنع المعاصرين من التفكير في عصرهم· لقد كان تركي حريصاً على أن يفكر في عصره وعلى أن ينظر إلى عصره باعتباره نقطة الانطلاق للفكر والثقافة، وأعتقد أن هذا الوعي بأهمية اللحظة الراهنة علامة جيدة على أنه مفكر يقظ وعلى أنه ابن عصره بالفعل·

مشروع ثقافي كبير

الدكتور علي القيم الباحث ومعاون وزير الثقافة السوري قال: تركي علي الربيعو كان دارساً متعمقاً في الانتربولوجيا ،ولذلك استطاع أن يشكل رؤى واعدة وكتابات مميزة في المجالات التي كتب فيها، ولذلك كان حريصاً على أن يكون مجدداً ومضيفاً لكل هذا الإرث الحضاري العظيم· من هذه الرؤى وهذه الزاوية نقول إنه كان يمكن أن يشكل بما له من جهد ودأب و نشاط قل مثيله مشروع مفكر كبير لا يقل سوية عن كبار المفكرين في العالم العربي·

اقرأ أيضا