الاتحاد

عربي ودولي

لورا بيرت.. أعمال تركيبية وموسيقى بيضاء

حوارـ إبراهيم الملا:

يكشف المعرض الإستعادي الأخير للفنانة العالمية'' لورا بيرت'' الذي افتتحه مؤخرا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة عن ولع خفي بروحانيات وأسفار ورؤى·· ولع معني في الأساس وفي العمق بتأصيل اللقاء بين الشكل والمعنى، من دون استرسال وشرح وإفاضة بصرية، تعالج'' بيرت'' الحدود المؤطرة للشكل، ولكنها تبوح أيضا باللامرئي والمضمر خلف هذا الشكل، ومعرضها الأخير في متحف الشارقة للفنون هو احتفاء بانورامي لمحطات شاسعة قطعتها هذه الفنانة في ردهات ودهاليز الفن المعبدي والطهراني، كما لو أنها مغرمة بالسكنى في محراب كوني، وفي قبب سماوية تحمي فكرة الإيمان بالآخر، وبما يمثله هذا الآخر من خصوصية مسافرة نحو جذور أرضية شفيفة ومتاحة أمام الغريب المُحِبْ و الزائر المُلْهَم·
تستعين ''بيرت'' في جل أعمالها بالورق على اختلاف مصدره، فتارة تجلبه من الصين والنيبال وكوريا، وتارة أخرى تلجأ لورق ''البردي'' من مصر، وعندما يلاحقها هوس الشرق الأقصى تجد في الورق الياباني ما يرضي غرور النعومة والموسيقى البيضاء لملمس الغيم، والندف النازلة ببطء من سلالم الأثير·
وفي هذا المعرض بالذات كان الأبيض هو سيد المكان ومعراج العين، وكان الكولاج الورقي المرهف يبث هالات نورانية للشعر والحكمة والفلسفة، تحضر البنائيات الهندسية أيضا من خلال الهرم والدائرة والمثلث ولكنها الهندسة الصوفية، المتكئة على جلال مبهم وفيض مترفّع وسكون رجراج·
يحضر شعراء مثل ''دانتي'' و ''ريلكة'' وعلماء وفلاسفة مثل ''كوبرنيكوس'' و ''كانت''، وتحضر كل الرياح الوافدة من شرق عتيق وحاضن لخرافات ملموسة، كي يتلاشى الصخب المادي في وداعة التأملات وحنان الأسطورة، إن الحضور الجرافيتي للكتابة العربية والآسيوية ومرافقاتها من الأرقام والتعازيم والرقى السحرية، تبدو وكأنها متلازمات للمتع البصرية في عصر النهضة، وهي مدينة أيضا لجماليات ''قوطية''، ومعمار كنسي، وبهاء تزييني لكاتدرائيات منسية، فكل هذا الإيقاع الديني واللاهوتي إنما يجترح حضوره من مجازات فطرية وبدائية، وهو سليل تجاذبات ناطقة بالرموز والمنمنمات والشواهد والنصب، وهو أيضا نتاج الدقة الفوضوية للقدر، والانضباط المبعثر للأزمان البشرية·
وبمناسبة هذا المعرض الإستعادي المرصود كمحطة لافتة في تجربتها الطويلة، التقت ''الإتحاد'' بالفنانة الألمانية ''لورا بيرت'' في متحف الشارقة للفنون وكان هذا الحوار:
بين الرصد العابر والتحليلي

؟ كيف ساهمت زياراتك المتكررة للدول العربية ودول شرق ووسط آسيا في إضفاء نسق جديد ومختلف في سياق الأسلوب الرصين والمتماسك لتجربتك ؟
؟؟ أريد أن أؤكد هنا على أن زياراتي لهذه البلدان لا تدخل في نطاق السياحة العابرة والتقليدية، ما يهمني في البلد الذي أزوره هو إقامة حوار جمالي معه، وفهم مكوناته السوسيولوجية والثقافية والفنية المتشكلة من أسلوب حياة ومنطلقات وعي وتاريخ حقيقي ومتجذر، وانطلاقا من هذا الفهم المختلف فأنا أعتبر نفسي ''سائحة كونية'' وتشغلني كثيرا الأسئلة التي يثيرها الفهم الخاص والمعمق للديانات والآداب والصناعات والمعتقدات الشعبية لكل بلد، فرغم أهمية رصد المعالم فإن رصد المعارف وتشريحها هو الأكثر جدية بالنسبة لي للوصول إلى فهم مضيء ومستنير للبلدان الأخرى والبعيدة، واتضح هذا التأثير بشكل جلي في اعتمادي على ورق ''البردي'' المصري، والورق الآسيوي الأبيض في دول مثل ''النيبال'' و''الصين'' و''اليابان''، والذي يلخص تاريخا طويلا من الأسرار والتضحيات وجماليات الصناعة اليدوية·
كما أن تأثري بهذه المعطيات الغريبة عن ثقافتي الأصلية لا يلغي أسلوبي المعتاد وأفكاري اللصيقة بتجربتي·
؟وماذا عن الأرقام والحروف العربية التي يتضمنها جانب كبير من أعمال هذا المعرض؟
؟؟إن تعرفي على الأجواء الفنية العربية بدأ أولا في القاهرة قبل 11 عاما، ومن هناك تعرفت على هذه الأرقام والحروف، وشعرت بقرب روحي من مكوناتها التشكيلية والكاليجرافية، إن قوة الحروف والأفكار في الكتابة العربية جعلتني أسيرة ومنجذبة لوقعها المختلف، لذلك ضمنتها في أعمالي المكونة من وسائد ومنمنمات ورقية، وتعرفي على المساجد القديمة في القاهرة ساهم في اقترابي من هذه الأجواء الدينية التي تزخر بها الحياة في الشرق، وكذلك فإن الكتابات النحتية والجمالية المحيطة بدور العبادة هذه كونت قاعدة لأعمالي التي طورتها وطوعتها لخدمة أسلوبي الخاص، فأنا في النهاية فنانة ولست معمارية·
الانتقاء والتذوق الفني
؟وهل ثمة استلهامات فنية لوجودك في الإمارات وفي الشارقة بالتحديد؟
؟؟أن إضاءات النيون الزرقاء والمرافقة للأرقام توحي بتأثر ما تجاه البحر، واستخدامي للون الذهبي والترابي يحيل للون وتموجات الكثبان الرملية في الصحراء، وأنا لا أنقل هذه المكونات الطبيعية للإمارات بشكلها الانطباعي الصرف، ولكنني كما قلت لك أطوعها لصالح أسلوبي الخاص والمختلف والبعيد عن النقل والرصد المباشر، أعمالي هي نتاج فكر وعاطفة شخصية، لذلك لا يمكن أن تفرض الطبيعة حضورها الحيادي، بل إيحاءاتها وتعبيراتها المتبادلة مع ذات الفنان·
؟لاحظت وجود عمل بعنوان '' الولاء لدانتي'' وعمل آخر بعنوان: ''الاستماع والدهشة·· قصائد لريلكه''وثمة اقتباسات شعرية وفلسفية أخرى معلقة على أعمالك الورقية والكولاجية، أين يلتقي الشعر بالفن عند ''لورا بيرت''؟
؟؟معرفتي بقصائد ريلكة تعود لأواسط الأربعينيات، ومن هناك ومن غرف الدراسة بالتحديد تحول ريلكة بالنسبة لي إلى أيقونة شعرية أستمع إليها وأندهش على الدوام، أما ''دانتي'' فتعرفت على نتاجاته الشعرية من خلال تواجدي واشتغالي في الأستوديو الخاص بي في مدينة البندقية، كما أنني أعجبت كثيرا بآراء الفيلسوف ''كانت'' ونظرته التحليلية للزمن والأخلاق وعلم الجمال والانتقاء والتذوق الفني·
؟أخيرا·· ماذا يعني لك هذا المعرض بالذات مقارنة بكم هائل من معارض سابقة في أنحاء متفرقة من العالم ؟
؟؟أنا سعيدة بتواجد أعمالي في هذا المتحف الأنيق، وأنا ممتنة دون شك لرعاية واحتضان الشارقة وحاكمها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لمعرضي الإستعادي هذا، ورغم أنني عرضت أعمالي سابقا في أبوظبي وبينالي الشارقة، إلا أن هذا المعرض له وقع مختلف وخاص لأنه يشتمل على جل مساهماتي الفنية منذ التجارب الأولى والمبكرة التي تعود للأربعينيات والخمسينيات وحتى الآن، وأود أن أقول أن كمية الحس المشبع بالترحاب والضيافة في الإمارات لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر، لذلك ستجد أن هناك سبعة أعمال من مرحلتي الأخيرة مكرسة ومهداة لهذا البلد·

اقرأ أيضا

"قسد" تتهم تركيا بمنع انسحاب مقاتليها من "رأس العين"