الاتحاد

الملحق الثقافي

الغواص.. يخاف من النوخذة أكثر من سمك القرش

غواص يستعد لرحلته نحو أعماق البحر (من مجموعة رونالد كودراي)

غواص يستعد لرحلته نحو أعماق البحر (من مجموعة رونالد كودراي)

هذا الشق، يمزق ثوب الليل الأسود بنصل غناته السجي، يتحسس أصابعه فيلمس أعوادها الطويلة، كفروع الشجر. في الليل يكون حصير البحر، مداه أطول من رؤيته في النهار.. والساحل يمد لساناً رطباً، ويرقب خرير الماء، عن كثب ولوعة أشياء كثيرة تتحرَّك في أعماق البحر، الأسماك الكبيرة تناوش الأسماك الصغيرة، تلاحقها وتستغل ضآلة زعانفها، فتسحقها عندما تجوع..
أنت وحدك كنت تسبح في الماء كسمكة تائهة، فرَّت من العتمة. وحدك تبحث عن الصدفات وتلملم شتاتها بين يديك، كأنها حبَّات مسبحة ضائعة في الخضم الرهيب.. وعلى ظهر المركب، تشعر أنك تمتطي سنام كوكب نزل على الصحراء باحثاً عن نجمة، خانت العشرة الطويلة، منبهرة بضوء صدور النساء، الوارفات، بالزهو، والكعوب العالية، لحيتك البيضاء مخضلة بالقطرات كأنها أنجم مهزومة، وعيناك تشعان بالرقيق كسحابات استحمت في حوض السماء ثم نزلت عارية تتدلى خصلاتها على الرمل مشاعر امرأة انثالت في ليل اللوعة.
الغوَّاص.. هنا، في المسبح الكبير، تمر ذراعيك باتجاه الأعماق، والبحر يغسل شعيرات صدرك، بنعيم ملوحته، يطهرك من صهد الأفكار وأنت المتذكر دائماً، تلك التي غفت على الوسادة، وتلعق ريقها الناشف، وتلمس شفتين خاصمهما الرضاب الدافئ، تغوص ممعناً في إثبات الوجود، الوجود مجرد، طائرة بلا جناحين، ذراعاك يحملان الطائرة إلى الأعماق ترفس سمك قرش اقترب من أصابعك، تفر السمكة، ولا يفر خوفك، تتصاعد الفقاعات إلى سطح الماء، كأنها حشود محتجة على اعتداء سافر، تخرج من الماء كسيف منزوع من جسد ما زال ينتفض، تنتفض أنت، ويهتز جذع المركب، تنزل على عينيك دمعة، تغلق البريق، تغلق الطريق إلى المدى البعيد، والليل لم يزل يؤزر المكان بقماشة داكنة، تلتف أنت كرضيع تحت القماشة.

الأمنيات الهاربة
مقمط بالأمنيات الهاربة، تحاول أن تجد أصابعك، لكن الليل يلتهم الأشياء، ويتمدد مسترضياً كبعير أسود ضخم نام على كثيب الماء، وحدك تعاين سطح الماء، تحملق في النجوم، تعد الفقاعات المتطايرة كأنها طائرات ورقية، انفلت زمامها من بين أصابع لاعبين صغار، تنزل إلى الماء ثانية، قاع البحر كشرفة مزروعة بأعشاب الزينة، الأسماك الصغيرة تمارس لعبة الكر والفر، وأنت تحدق بلا استمتاع لأنك تحلم فقط بالدر النفيس، ولا شيء يملأ يديك سوى عظام أصداف خاوية، وأجواف قواقع نام في أحشائها الرمل الكثيف، حتى الرمل يختبئ في العتمة عندما يبدو الفراغ مرعباً، وعندما تكسو شحمة الماء فقاعات إثر مداهمة غاشمة..
وحدك تغوص وتجوس، وتنبش في أمعاء البحر، مفتشاً عن نقطة ضوء تتماشى بها، زجر الواقف عند سطح المركب، وحرمانه لك من وجبة الطعام الوحيدة.. ترفع بصرك، تسحب الحبل، الحبل لا ينقطع لكنه يقطع قلبك عندما يهزمك الخوف من ملاحقة سمك القرش.
الغوَّاص.. أنت مثل أي كائن، تخاف، لكنك تخاف من النوخذة أكثر من خوفك من سمك القرش، لأن هُناك في البيت لن تغفر لك أفواه الصغار، عودتك بخفي حنين، ولا عيني امرأة تألقت بشيمة أنثوية رائعة في بث الشكوى كأنها حفيف الورق، عندما يغزو الهواء الجاف أطرافها، فتعجف ويستخف بها الخوف، من انسحاب السماء وتركها الأرض للسياط اللاهبة..
تخرج من الماء، ثم تضطجع على معطفك الصوفي، ينفضك البرد، ترتجف لا أحد هنا يصحو سواك لأنك لم تزل تلتقط أنفاسك المرتجة من رئتيك، بصعوبة جمّة.. تتذكر المرأة الوفية، تتذكر أنفاسها المهفهفة في أذنيك، وأنت تسترخي كبعير منهمك، وتمد يدك في جنح الليل نحو سماوات بعيدة تشعر بالدفء، تشعر بكون جديد يحتويك يعصر جسدك بعنف أنثوي رهيب، يعيدك إلى مراحل متأخرة من الطفولة تشتاق إلى الطفولة كما يشتاق أي رجل، إلى التنهيد والتسهيد تحلم وعيناك، نجمتان تخران من السماء، تلتقطها الأرض، تسبحان في التراب، ككرتين زجاجتين تلمعان في الليل، شمعتان توقدان لسانين من شعاع، تحلم بالمرأة العاشقة، تخرجك من خوفك تؤازرك بقصائد الليل، وما شدا به الطير، ساعة الالتحام ما بين الوادي والشجر، لحظة الالتئام ما بين الغصن والمطر. وأنت.. أنت تغوص في عينيها، كما تغوص في الماء، وتسأل الله ألا يطفئ النور في مقلتيها، تسأل قلبك، يا ترى عندما أغيب هل ستذكرني هذه الحمامة، ويصير قلبها، قارباً صغيراً يحفظني من الزوال؟
في الليل تأتيك وبين أضلاعها يسكن الدر، تمد يدها إلى حيث عشب الروح تغمض عينيها على نفحة إلهية، رهيبة، تطهرك، بالنون والقلم، تعبقك بزعفران الأمان، تطوقك بالحنان، وتسافران في مهجة الوجود، هناك في الأبد حيث تلتقط الروحان حبات الحياة، تلتقطان أنتما قطرات الندى، من أوراق اللوز، وشدو طائر، يمزق سكون الليل، ورخاء الجسدين المنعمين برعشة الانتماء، ورجفة الأحلام الزاهية..
في الليل، تغوص أنت في بحار وأنهار، وتخب نوقك عند الكثبان الندية، ويُغني الليل، وترقص السجادة القديمة، متألمة من خوف فراق قد يأتي مفاجأة، وتخون أنت العهد والوعد، والوعد، وتسرج خيلك باتجاه المركب إيّاه، منزوعاً من سلاح الوله، ولا يبقى للمرأة غير الرائحة تسوم أنفها، سوط عذاب تتذكرك فتختال أنت جاهماً مرغماً على الرحيل، لأجل درة استقرت في غيبوبة القيعان البعيدة، لأجل ابتسامة شكر من نوخذة، لا يحلم إلا باليوم المبهر، بحصيلة الماء، والأعماق الغائرة.. فتغوص ثانية، تغوص في البحر، وعندما تلفك الملاءة الدافئة تشعر أنك الحاضن للوجود تشعر أن الوجود جنين، ينطوي داخلك يؤجج فيك الشوق إلى امرأة غفت وما سكنت مهجتها عن بث لواعج، طالما، استيقظت كلما جن الليل، واشتد لحافه يطوي الجسد بأنامل أشبه بسيقان الشجر عندما تلوي أذرعها على وريقات لم تبزغ بعد من براعمها.. تنشد أنت تغني للفراق المرير، صوتك أشبه بخرير الماء، وهو يلطم خشب المركب، تحاول أن تستدعي ذاكرة تصون وحدة المصير، تحاول أن تشتري، المكان الذي غادرته تاركاً على فراشه نداوة العرق، ورائحة الجسد المطلي بالأمل، تحاول أن تفترش الأحلام سجادة وردية، لكنك تهزم أمام حشد من الصور المتلاطمة، موجات عارمة، حازمة تقضم قلبك بأضراس مسننة، وتضع يدك على صدرك، جهة القلب، تضع قلبك في يدك يخال إليك أنه درة سخطها الماء فاستحالت مضغة مضعضعة واستملت أنت نطفة ضائعة في ظلام القدر وحملقات النوخذا ووجهه الجاهم، المفعم بغضون أشبه بندوب البحر على خشب السفينة..

الفرح والدمعة
تغريك الصورة، تدفعك لتحتل الحالة الراهنة، ثم تغوص عينيك دمعة تخر على الخدين، تلحس أنت الملوحة، وتمص شفتيك في تلذذ كأنك في حالة سابقة على مجيئك إلى البحر كأنك ما بين ذراعين ثريين بالندى، والدفء.. تعود ثالثة إلى الماء، تغوص، ومعك تغوص صورة امرأة أنت على يقين أنها الآن تقف على الساحل، وتبلل ساقين لدنين بالماء، وتلون عينيها، بضوء الشمس، تزخرف قلبها بالأمل.. لكي تعود أنت لكي يزهر الوجود وتنام المرأة قريرة هانئة بلا خفقات الوحدة، ولا توحش العزلة المقيتة..
تبحث أنت في الأعماق عن الفرح، وعن رضا النوخذة، وعن ابتسامة امرأة تستقبل بشفافية ويداك مملوءتان، بمجد الحياة، وتحت الماء، هناك يلهث القرش، ويلعن سمكة صغيرة، فرّت بعيداً عن نصاله الحادة، ترمقه باستخفاف، لأنك وضعت الحرز على زندك، وقرأت المعوذتين، وحفظت قبلة الوداع على شفتيك.
أنت الآن تغسل يديك بالرمل، وتضع في السلة، حفنة الأصداف، ثم تسحب الحبل، إلى أعلى يبادر الرجل المترقب، بنزع الخوف، تخرج كأنك النصل، تخرج كأنك الجنين من رحم الماء، تصرخ الفقاعات في أعقابك، يخرخر الماء، ويميل القارب قليلاً ليرخي لك سبيلاً تقف على السطح، مؤزراً بالفرح لقد مد البحر يدك بالخير الوفير، النوخذة يضحك يصهل، يصفق، يسميك الرجل الشجاع تنظر إلى عينيه، ثم إلى يديه، لا يمد لك شيئاً سوى الفراغ والثناء المبطن بالسخرية..
تقف على البحر تنزع الحرز عن زندك، ولا تقرأ شيئاً، فقط، تنظر إلى صورة المرأة التي قالت لك في ذات يوم، عودتك سالماً ثمن كل عذابات الفراق، فلا تجزع سيدي، فأنت الدر.. ترفع بعدك في وجه الرجل الجاهم، تحدق تتسلق جبال الفراغ تطير على سطح المركب، تعانق صورة مثل امرأة، فاحت من شفتيها، رائحة الأشواق الصارمة، لحت أنت كقمر ضلع ثوب الغياب، فانثال يضيء عينيها بأحلام المجيء، جاءت معك كل القطرات التي كانت تسكن باطن السماء.. اغتسلت الأرض تطهرت بلوعة الجسدين، تماديتما في الاتحاد، وأجزلتما عطاءً لأجل إطفاء حريق المواقد، ولأجل تأكيد الوجود، ولأجل حدود عاطفة لا يملأ وعاؤها إلا الحضور باشتياق إلى الرائحة وملح الجسدين، عندما يكونا قمرين، على ظهر قارب يصطاد سمكاته من نبوع اللهفة.

اقرأ أيضا