الاتحاد

الملحق الثقافي

كان علي أن أكذب عليك مرتين

كان عليَّ أن أكذبَ عليكِ مرتين
قلتُ لكِ لا أحبُّ الصيف
يشتعلُ الصباحُ ولا أبحث عن أحد!
أمسك الجريدة بيدٍ وبالأخرى رغيفاً ساخناً
أبحثُ عن بائعِ اليانصيب وأوزع أحذية لتلك الأقدام التي تيبست من تسلق الجدران
كانت المصابيح أغنية الأجنحة
يؤلمني هذا الصباح أن أنظف مداخن المدينة
من حطب الغابة التي بنينا من أخشابها بيوتنا
وكم كانت تدفئ خبزنا الأسمر في فرن التنور وأيدي الضيوف قبل أن يضعوا القفازات
كان يجب أن أكذب عليكِ مرتين هذا الصباح
إنه نيسان والكذبة بيضاء بيضاء جدا كصحن مهلبية في الصالحية كالسحاب الذي مرَّ قبل قليل سريعاً
هل رأيته؟!.. افتحي النوافذ هل من مطر

2
تغلق السماء دكاكينها حين يغفو الصباح
في المساء حين تنتزع الضحكات كمسبحة فقدتْ أحجارها
يرسم الحزن وجه المدينة فأرسم وجهها
ويكتظ سوق قلبي بحكاياتها
تلك التي كيبنوع ماء متوج بالأزهار في أواخر الربيع
كنار دافئة في ليل الغابة

3
البطاقة التي سقطت مني في السوق ربما
أو في القميص الذي وضعته أمي في الغسالة في يوم جمعة ما
كانت تقص أخر حكاية قبل أن أقص قالب الحلوى
لا تسألي الدخان الممتد كالشرائط في الأسواق المكتظة
عن رائحة حطب القرى
ولا تسألي عن الذي مر عارياً في هذا الشتاء العاري
لمَ حدّق طويلاً في البطانيات الرمادية تلك
التي رسمت عليها النمور
لم تغره الشفاه الساخنة ولا جوارب المومس الطويلة في هذا الشتاء الطويل
هل قلت لك أني احب الحياة وحين أسهر مع الأصدقاء
أسرد ذكرياتي مع جارتي حياة
البطاقة التي سقطت منّي سقطت مني كما يسقط الجميع
لا تسأليني لمَ أضع يدي كثيراً عند عتبة الأبواب
ولا تطبقي الباب على أصابعي النحيلة حين تخرجين

4
للقمر الليلة حواجب غليظة
القمر الساهر كطفل لا يريد النوم في يوم العطلة
أجّل أحلامنا إلى وقت متأخر جدا
وزع عود ثقاب على المارة
هناك حيث تمسك الأم الإبرة وتغني
أغنية القمصان التي لم تكتمل
هناك
الثور الهزيل والعربة الفخمة
الليل يتوقف والطائرات لا تتوقف
ونساء القرية في المساء يحملن الوسائد الثقيلة إلى السطوح
لا أحد يلتفت إلى القمر وحدها
أصوات الخلاخيل تشغلهم
القمر الساهر الليلة وهسيس الشفتين
القمر المسرع كشاحنة مليئة بالقش
يمر على ذاكرتي الإسفلتية
لدي أغنية الآن ولي خلخالها الذي ضاع في مساء غجري
غامضة كالسكر واضحة كالسم هذه الليلة الجديدة
الغيم فيها قماط القمر

5
كلما تخطئ المدينة في دروسها
لا يعجبني حتى فستانها
أدير وجهي عن اللوح
أرسم على المقعد أو ظهر صديقي
يلتم الصعاليك من حولي
قرب الحائط البارد في الظل
أنا الطالب المنبوذ في المقعد الأخير

6
عندما غفا الليل الكاذب بعيداً
سرق القمر كحبة برتقال من بائع الليل المتجول
لم تعد المراكب عرس الغريب
للبحر فساتين عديدة والموج حافي القدمين يبحث
عن حذائه القديم
كان يلبس ثوباً أسود وكان البحر ضيقاً كضيف الليل
ما كان في جعبته حكايات عن الجن والحوريات
وما كان للبحر خبز
هناك ترك قبعته
ومضى مع الريح
المساءات الجميلة تقتلها قطعان القبعات

اقرأ أيضا