الاتحاد

الملحق الثقافي

وعد عند المقبرة

لوحة بريشة روبرتا كليز دور

نبيه إسكندر الحسن*

الشعاع يترنح، يتطاول فوق الجدار المتصدع، دفع الباب الخشبي دون جدوى، وثب إلى فسحته، بحث في زوايا الغرف، لم يبق سوى شجيرات تأملها دون ضجة، هبت عاصفة في داخله أضاءت خلايا دماغه، لاذ بالصمت، تأتّى لسمعه نداء:
ـ من؟
نظر من النافذة، تولته الدهشة، فوجئ برجل عركته الأيّام، جمع الجمر من تحت رماد الذاكرة، يستعيد شتات صورة طوتها الأيّام، قبل أن يقول: إنه صاحب الوجه المثلثي.
قال الرجل: للبيت حرمته.
انتظر ليسمع الجواب، غاص في الصمت أملاً أن يحدد الصورة من نبرات الصوت، تلألأت في ثنايا دماغه أسماء كل من وليد والأستاذ عصام ودلال، بعدت الصورة عن مخيلته، جاذبت الرعشة جسده، وبدا الغبش يلف العالم. أبحر في الماضي، أدرك ما أزعجه ذات ليلة ماطرة حين جاء إلى هذا البيت سراً: “نعم، هنا كنت أقابل الفدائيين من الشباب هؤلاء حملوا أرواحهم على أكفهم. يرسمون مخططات للقيام بعمليات جريئة”.
سأله أحدهم: لا نعرف الطريق.
كان يحضر لهم اللباس، يستطلع الظروف، يسير أمامهم والحلكة يرعشها الريح، تتعثر قدماه في الطريق الوعرة، ظن أنه أحد أولئك بصوت متعب خفيض:
ـ لا عليكم... مهامكم صعبة.
ثمة أسماء تهمس في أذنه فقال لذاته: “لعله ابن أحد هؤلاء”.
ظهرت أسماؤهم كحلم يرقص في داخله:
ـ ما اسمك؟.
ـ وعد.
ـ حقاً؟ ابن المرحوم عصام.
ـ أجل...
حاول أن يقفز إليه، لكن وعد وفر على العجوز المشقة، طوقه بذراعيه مع بسمة متألقة على شفتيه، غاص في الماضي، هزّ رأسه متأسفاً: جئت متأخراً يا بني.
شعر من عبارات العجوز بوفاء كبير، أنساه ما جاء لأجله، قرأ في وجه الأستاذ الذي يخفي دموعه أشياء وأشياء، ليخفف عنه وطأة الألم، قال:
ـ كأنني أقف أمام معلمي عندما كنت في الصف الخامس.
ـ كنت متأكداً من عودتك. لكن تبدد شعوري بعد استشهاد والدتك.
مسح دمعة من على هدبه، عبق رائحة الورد بأنفه، قال:
ـ والدتك كانت تحب هذه الرائحة.
ـ تفضل.
وقدم الوردة للعجوز، أمسك بيده وسارا معاً حتى المقبرة، رسمت الشواهد ترسم ظلالاً تعانق الرياحين، شيع وعد القبور الراقدة، سار بحذر بين الممرات الصغيرة كي لا يزعج من في القبور، رفع الأستاذ القبعة عن رأسه ورسم إشارة الصليب، ووقف وعد أمام القبر قرأ الفاتحة. وجثا على ركبتيه، قبل التراب... ثم نهض:
ـ إنهم يقتلون.. هيهات أن ينتهي القرن على خير.
ـ لا وقت للبكاء هيا لنعود.
استقبلتهما زوجة الأستاذ، قدمت لهما ضيافة تليق بأم وعد.
قال الأستاذ: سأشرب... لعل الشرب يخفي الدموع.

* قاص سوري

اقرأ أيضا