الاتحاد

الملحق الثقافي

مجرى مائي صغير

لوحة بريشة كريستي  ليسبيرانس

لوحة بريشة كريستي ليسبيرانس

محمد خير عبدالله *

كعادته جاء السيد عبد الرحيم لمكتبه.. جلس على الكرسي متجهاً بكلياته نحو الباب في انتظار سكرتيرته الجديدة تحمل له كوب القهوة الذي يبدأ به يومه ليقابل زبائنه بهدوء وارتياح.. أو هكذا كان يقول، دخلت السكرتيرة فقابلتها ابتسامته النقية.. وأدهشها التنظيم والجمال الذي ينم عن ذوقه، فقد عرف عن السيد عبدالرحيم عشقه للنظام الذي يتناقض مع شكله الخارجي.. كرش مترهل كحكومة عسكرية في أواخر أيامها، وبنطال يتخاصم مع لون الحذاء، وقميص كمهرج في مجلس حكماء، وأطنان من اللحم تقاسمت جسده.. قبل أن تمتد يده لتناول القهوة، رن الهاتف فتوجس وانتبهت حواسه لهذا التوجس، فقد كان رنين الهاتف موسيقاه المفضلة، فعبره أثرى واكتسب مكانته كرجل أعمال مميز..
باضطراب رفع سماعة الهاتف فسمع: انظر من نافذة مكتبك عند العاشرة تماماً، ستأتي فتاة في العقد الثالث من عمرها، على جيدها عقد، ترتدي قميصاً أحمر، تحمل حقيبة جلدية.. انظر لها جيداً وانتبه. في العاشرة وخمس دقائق تأتي ثلة من الجند يركضون خلف صبي ناحل ليروها فتعيد العدل لقلوبهم، فينجو الطفل.. وفي العاشرة وعشر دقائق يظهر خمسة شبان تسترعي انتباههم وقفتها فتقفز من أفواههم أربعة أبيات غزليةـ لا تندهش ـ لأن خامسهم أبكم.. في العاشرة وخمس عشرة دقيقة تتحرك الفتاة من مكانها مقتربة من عمود كهرباء فتضيء لمبته.. وفي العاشرة وعشرين دقيقة ترى الفتاة شيئاً غريباً فتضحك.. وقبل أن تكمل ضحكتها تأتي عربة زيتية اللون يرى سائقها المخمور الضحكة الوضاءة فيرفع يده عن المقود ليزيل الدهشة التي لونت عينيه، فتفقد العربة تعقلها وتنحرف عن الطريق وتدهس الفتاة...
تدلت شفاه السيد عبد الرحيم واليد لا تزال تمسك بالسماعة وتضغط عليها كشيء مخيف وغطى جسده العرق رغم برودة المكتب، وجحظت عيناه وضغط جبهته ليتذكر هذا الصوت.. أعمل عقله وعاد بذاكرته لكل الأصوات التي سمعها في حياته، ولم يفلح في تحديد صاحب الصوت أو صاحبته، وتساءل: لماذا العاشرة؟ هل هذا الرقم مقدس؟ وبدأ في استحضار الديانات وأرقامها المقدسة، ولم يجد أثراً، فقد ارتبط هذا الوقت عنده بساعة الإفطار في كل مراحل التعليم، وفي هذا الوقت طلق والده والدته عندما تأخرت في إحضار شاي الإفطار وفيه ـ أي هذا الوقت ـ أتم أول صفقة تجارية في حياته.. فيه أنجب مولوده الأول.. ولم يتذكر شيئاً آخر مهماً، فضم يديه لبعضهما، فوقع بصره على الساعة في معصمه.. كانت العاشرة.. فاتجه نحو النافذة وطفق ينظر.. شاهد الفتاة بأوصافها التي سمعها بالهاتف.. تمعن فيها فرأى تقطيبة لا تخطئها العين على جبينها.. بل كاد يشاهد عينيها تذرفان دمعاً.. تصلب في وقفته تلك وطفق ينظر..
في العاشرة وخمس دقائق أتى الشبان الخمسة فارتفع ترمومتر يقينه.. وفي العاشرة وعشرين دقيقة أتت عربة الإسعاف فاكتمل إيمانه بما سمع وأحس بمسؤوليته أمام هذه الفتاة البريئة وقرر أن ينقذها من المصير الذي ينتظرها، ففتح باب المكتب وخرج مهرولاً وعيناه على الساعة يصيح: لا.. لا.. فوقع في مجرى مائي صغير حفر ذلك الصباح لينقل نفايات بعض البنايات.. رأت الفتاة منظره فضحكت وكانت الساعة العاشرة وخمسة وعشرين دقيقة..

* السودان

اقرأ أيضا