الاتحاد

الملحق الثقافي

سنة الرسوخ

مشهد من مسرحية “الشحاذ” لبرتولد برخت وإخراج حسين جاسم

مشهد من مسرحية “الشحاذ” لبرتولد برخت وإخراج حسين جاسم

ثمة عادة عربية، بامتياز، يمكن لأي متابع للمهرجانات الفنية أن يرصدها في الردهات وأطراف الصالات والمقاهي الملحقة بمقرات الضيوف وسواها؛ إذ يجد بعضهم المجال هناك رحباً لبث التعليقات السلبية والمتذمرة حول مستوى التنظيم أو رداءة العروض المقدمة أو نفخة الادعاء لدى هذا أو ذاك من المشاركين والفاعلين في المناسبة؛ ورغم أن هذه العادة تمارس في نطاق ضيق، إلا أنها تصل طبعاً لمن يُراد له أن يسمعها!
اختلف الحال في الدورة الثانية من مهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة الذي تنظمه إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بالمركز الثقافي لمدينة كلباء، فلقد كثر الحديث “الإيجابي” بين الألسن، سواء حول نوعية العروض أو فكرة المهرجان أو مكانه وبالضرورة طريقة تنظيمه وأسلوب الإعداد له. ساد مثل هذا الكلام ليس فقط في تلك الأمكنة “الضيقة” ولكن حتى في الندوات النقدية “المسجلة”، والتي اعتمدت صيغة حوارية قائمة على “المواجهة” بين الصالة، حيث الجمهور، والمنصة، حيث يجلس مخرج العرض ينتظر تلقي الأسئلة والملاحظات.
هنا، غلبت تعبيرات المدح والإشادة والدعم على كلام المتداخلين دائماً، فمنهم من امتدح اعتماد اللغة العربية، وبينهم من تحدث عن ثراء تجربة التعاطي مع نصوص مسرحية عالميّة كما سمعنا من تكلم عن غنى الرؤى الإخراجية التي قاربتها العروض.
قدم المهرجان ثمانية عروض مسرحية قصيرة (ما بين 25 و30 دقيقة) جاءت متفاوتة في مستواها الفني ولكنها اشتركت في كونها صادرة عن تجربة إعداد شبه أكاديمي، تحت إشراف مختصين من داخل وخارج الدولة، واستمر هذا الإعداد، الذي شمل تقنيات الإخراج المسرحي، وقتاً ليس بالقصير (ثلاثة شهور) وفي مدينتي الشارقة وكلباء وبمشاركة أكثر من 60 متدرباً ومتدربة من جنسيات مختلفة.

رؤية
كتب أحمد بورحيمة، مدير المهرجان، في نشرة ورقية وزعت في حفل الافتتاح أن الفكرة الأساسية وراء إقامة المهرجان نتجت عن طموح محدود هدف إلى تنشيط المنطقة الشرقية مسرحياً من خلال إقامة مجموعة من الورش التدريبية لاكتشاف وتحفيز الوجوه الجديدة التي تزخر بها المنطقة، وذلك تجسيداً لرؤية صاحب السمو حاكم الشارقة، ومع مرور الوقت قال بورحيمة: لمست إدارة المسرح إقبالاً معقولاً من الشباب للانخراط في الدورات التدريبية ولأجل متابعة التجربة وترسيخها، وللمحافظة على إقبال الشباب كان لا بد من التطوير والإضافة على فكرة الورش والدورات؛ وبعد نقاشات ومشاورات عدة برزت فكرة أن يصار إلى اختبار سنوي يخضع له المتدرب ليظهر كيف استفاد مما تعلمه في تلك الورش والتدريبات عن التمثيل والإخراج والسينوغرافيا وغير ذلك من عناصر العرض المسرحي.
لذلك يمكن القول: إن المهرجان هو بمثابة امتداد لكل تلك البرامج التدريبية التي نظمتها إدارة المسرح منذ بداية السنة، كما قال مدير المهرجان، موضحاً أن اعتمادهم على نصوص من “مكتبة المسرح العالمي” جاء استنادا إلى حقيقة أن هذه النصوص التي يصفها البعض بـ”النموذجية” تنطوي على خيارات أكثر لصقل مهارات المتدربين بخاصة في جانب الإخراج، وليس أقلّ تلك الخيارات بالطبع أن كل تلك المسرحيات متاحة باللغة العربية وتتوافر حولها في الغالب الأعم العديد من الدراسات النقدية، كما تتوافر حول كتّابها قراءات ومراجعات وثمة ما هو غير ذلك مما يمكن أن يكون مفيداً للمتدرب لإنجاز تجربته المسرحية الشخصية.

سبعة أيام
إذاً، على تلك الخلفية الفنية والإدارية جاءت الدورة الثانية للمهرجان لتتأكد على خشبتها وتتبلور تجارب إخراجية شابة وجديدة ومفعمة بحرارة الإبداع وحريته مثل تجربة “سبعة أيام” التي قدمت مخرجاً ذكياً هو مهند كريم، الذي جمع شتيتاً من النصوص السردية وعمد إلى تلخيصها وتخليصها، بحيث تتلاقى في خطوطها الدرامية أو تتقاطع مع النص القصصي المعروف “فاوست” لجوته. لقد أظهر الشاب المتخرج حديثا من كلية الإعلام بجامعة الشارقة وعياً مسرحياً متقدماً وهو يقدم نفسه لجمهور المهرجان معداً للنص ومخرجاً يجيد ليس فقط تحريك سبعة ممثلين على خشبة المسرح، ولكنه أيضاً أفلح في إضفاء مسحة جمالية ملفتة، لاعباً بالضوء والعتمة والظلال والوسائط الحديثة والمؤثرات التي شاء أن يجعلها حية وصادرة من فريق العمل نفسه عبر الأصوات والطرقات والهمهمات وهو ما كان له أثره القوي في البعدين السمعي والبصري للعرض الذي قارب حالة “فاوست” وهو يجابه إشكالياته السيكولوجية والفيزيائية ويحاول أن يتغلب عليها ضعيفاً حيناً وقوياً في حين آخر وبين بين في أغلب الأحوال.

انزياح
بالطبع، لا يمكن تغطية جميع العروض التي قدمت في عرضنا هذا بمساحته المحدودة، بيد أن من الممكن الإشارة إلى ما نجحت في إحرازها بعض العروض وبدا ملفتاً أو متجاوزاً لسقف المتوقع ومستحقاً للنظر، كما ظهر في تجربة مهند كريم وثمة تجربة نور غانم، التي ظفرت السنة الماضية بجائزة أفضل اخراج عن عملها “المشهد الأخير من المأساة” لصموئيل بيكت، وقد توجهت في الدورة الحالية إلى يوجين يونسكو واختارت نصه الموسوم “تخريف ثنائي”، وبدا اختيارها ذكياً بالنظر إلى ما يعيشه العالم حالياً من أجواء مشروطة بالترقب والخوف والحرب، إذ يتأسس النص على حوار بين زوجين هزتهما الحرب وأربكت حساباتهما في الحب والحياة والعيش المشترك؛ فباتا على اختلاف وتبرم حول أكثر الأشياء تفاهة. اللعبة العبثية التي أفلح يونسكو دائماً في نسج خيوطها عبر نصوصه قدمتها غانم ببلاغة إخراجية لماحة وعبر وحدات شكلية بسيطة، ولكنها موحية ومشعة، فهي لم تنس أن تجعل من كل المرئيات على الخشبة دالة ومحيلة أو معبرة عن الحوار الملفوظ بين الزوجين وهو حوار مطبوع بالتناقض والتضاد! على أن غانم لم تغفل الحب الذي جمع الزوجين طيلة السنوات الـ 17التي مرت بينهما، حيث لم تكن الحرب قد حلت بعد، فسربت المخرجة الشابة بعض الإشارات واللمحات المذّكرة بأيام الغرام الأولى من دون أن تخل بالإيقاع الجنائزي والحربي الذي وقعته الطلقات والانفجارات في الفضاء خارج بيتهما؛ بحيث بدا فعلا أن العرض يحكي قصة (حب ملغم بالحرب).

ضوء
بالنسبة لعرض “قربان” الذي أخرجه سعيد الهرش عن نص بالعنوان نفسه للكاتب السوري أحمد إسماعيل فلقد جاء معبراً هو الآخر عن مهارة إخراجية واعدة بخاصة في توظيف الإضاءة؛ فلقد حضرت الإضاءة على نحو طاغ وبدت شخصية العمل الرئيسة وكان الهرش يقظاً وحاذقاً على مدار العرض في اللعب بدرجاتها المتفاوتة، بين السطوع والخفوت، وبألوانها المتنوعة تبعاً للحالات التعبيرية التي أرادها، معتمدا على الأسلوبين “الواقعي والتعبيري” في تقريب صورة النص شديد الرمزية، والذي يشبه كثيراً نص عزيز نيسين الموسوم بـ “أنت لست كارا”، ولكن في نص “قربان” تختلف القصة قليلاً، فالتمثال هنا يأبى على الوقوف وكلما ينجزه المثّال يسقط وهو ما يحمل الوالي، في نهاية العمل، إلى ذبح أحد المستضعفين قربانا حتى لا يسقط التمثال مرة أخرى.
المهم، هنا، أن المخرج الشاب سعيد الهرش بيّن تمثله للنص ونجح بقدر كبير في مقابلته بالصورة المسرحية المعبرة، التي استحقّ عليها مدحاً متصلاً من الندوة النقدية التي تلت العرض.

ريادة
وستحتفل ذاكرة المهرجان طويلاً بالحضور الذي شكله الفنان الرائد حسن مصطفى الحمادي في الدورة المنقضية، فالفنان الذي يعتبر من أبرز الوجوه الثقافية في خورفكان قدم لجمهور المهرجان سيرته المهنية الثرية بالكثير من العفوية والتلقائية واستقطب حضوره العديد من الفعاليات الفنية والمجتمعية في الشرقية.
وقد نظم المهرجان لقاء مفتوحاً حول السيرة المسرحية للحمادي (مواليد 1937) وقدّم للقاء وأداره إسماعيل عبدالله رئيس جمعية المسرحيين الإماراتيين والأمين العام للهيئة العربية للمسرح، وهو تكلم في البداية مشيداً باختيار المهرجان للفنان الحمادي، الذي أسهم بشكل مقدر في تطوير حركة الثقافة والمسرح على وجه الخصوص في مدينة خورفكان. وذكر عبدالله أن الحديث عن حسن مصطفى يحتاج لساعات وساعات لغنى تجربته الإبداعية والاجتماعية وتعدد مساربها ومداخلها، وتابع قائلاً: إننا أمام رجل من كوكب آخر، يتمتع بصفات إنسانية نادرة إلى جانب كونه قامة فنية سامقة في خورفكان..”. وأضاف عبدالله: إن الحمادي عرف بخلقه الكريم، المتواضع، والمحب والصادق، وأنه أخلص في حبه أهله بخورفكان “لم يغلق بابه في وجه مستجير أو طالب حاجة، فهو أكرم الكرماء مع الناس وأبخل البخلاء على نفسه، لأنه وهب نفسه لخدمة الناس ونسي نفسه”. وفي هذا السياق لفت المتحدث إلى أن الحمادي كان يلقب في مجتمع خورفكان بـ”العذوبي” وكان يقال إنه لا يريد أن يتزوج، وقال: “كنتُ أقول دائماً إن حسن مصطفى نسي أن يتزوج وهو شاب لأنه ابتلي بخدمة الناس، وهب نفسه لخدمتهم. فما تمر مناسبة في خورفكان وإلا كان مشرفاً عليها أو مديراً لها وبالذات مناسبات الأفراح، وكان يشعر أن هذا الزواج أو ذاك يخصه هو. لقد كان يسعى إلى تزويج الآخرين ومشاركتهم أفراحهم وينسى نفسه”. وتابع عبدالله حديثه عن الحضور الاجتماعي للحمادي، الذي كان حاضراً في كل المناسبات وتشعر به كأنه “مستنسخ” فهو لا يكاد يغيب عن مناسبة تقريباً على كثرة المناسبات في تلك الأيام التي كانت تتزامن مع فترة الصيف لضمان حضور المغتربين.
وتطرق عبد الله إلى سيرة الحمادي مع الاغتراب في الكويت ومن ثم عودته إلى خورفكان وتأسيسه أول ستديو للتسجيلات الموسيقية، وهو ما كان له كبير الأثر في ظهور العديد من المطربين الشعبيين في المنطقة، كما كان لتأسيس الحمادي “جمعية خورفكان للفنون الشعبية والمسرح” تأثيره المباشر في أن تعرف المنطقة حراكاً مسرحياً متميزاً لا زال ينبض بالحيوية والابتكار. وشهد اللقاء العديد من المداخلات المهمة من قِبل فناني المنطقة الشرقية الذين اتفقوا على ثراء تجربة الحمادي الفنية والاجتماعية وأعربوا عن امتنانهم وحبهم العميق له.

اقرأ أيضا