الاتحاد

الملحق الثقافي

الذاتية لتسد الثغرات

مع التقدير لكثير من المنجزات الأدبية التي حملت السيرة الذاتية بشكلها المتعارف عليه، لكن يبدو أن العرب لم يكتبوها بشكلها الواضح، بل آثروا الغموض، من خلال روايات حملت دلالات عن ذاتهم وشؤونهم وبعض مواقف حياتهم، لكنهم دوما يفرون من السؤال: هل روايتك هي سيرة ذاتية؟ وهذا الفرار هو الذي يجعل هذا الفن يترسخ في أذهاننا بأنه فن فضائحي لا أكثر.
بين يدي رواية لمؤلفة إماراتية هي مريم مسعود الشحي، تحمل عنوان: “أنثى ترفض العيش”، جاءت في نحو مائة صفحة من القطع الصغير، وقسمتها المؤلفة على شكل فصول، الأول تحت عنوان: مع الاعتذار إلى السيدة فيروز، والفصل الثاني: أنت يا من يتأمل قصة حب لمثل هذا خلقت الروايات، والثالث: هكذا وجدني... وهكذا لم أفعل أنا، أما الرابع: كيمياء الذكرى وتلك المدينة البائسة، وحمل الفصل الخامس: وجه العملة الآخر، والسادس: الأبيض لون الأكفان وغوغائية الفراق، وجاء الفصل السابع تحت عنوان: اتكاء على رماد الذاكرة، بينما الثامن: شكرا لـ ريم بنا، وكان الفصل التاسع بعنوان: الرحيل الآخر، واختتمت الرواية بالفصل العاشر تحت عنوان: الترهب في دير العطاء.
والذي يلفت الانتباه من خلال هذا العمل الروائي هو أنه حمل روح السيرة الذاتية، لأن المؤلفة تحدثت بصوت عالٍ وواضح بالأنا، وكانت مقنعة، مقنعة لأن أفكارها كانت واضحة، فلا مجال لإنكار الحدث أو ضبابية فيه، ببساطة كانت الراوية على علم واطلاع، فالصوت الروائي كان عالماً ومطلعاً، وليس ابن الخيال. وضوح الفكرة الجسيم في هذا العمل الروائي، يجعلها تحمل ملامح السيرة الذاتية، لكن كل من يقترب من حياة المؤلفة، يلاحظ اختلاف تفاصيل كثيرة عن حياتها الواقعية مما جاء في ثنايا روايتها، وهو ما ينفي إسقاط الذاتية عنها، أو أنها تحكي عن نفسها.. إذن ونحن أمام هذا العمل نصاب بالحيرة، وينبع تساؤل: كيف تمكنت المؤلفة من جمع كل هذه التفاصيل الدقيقة الواضحة دون أن تكون قد سبق وتعايشت معها، وقررت فيما بعد سردها في عمل روائي؟
بحروفها تقول المؤلفة: “ثمة قلم نحيل يئن بين أصابعي لأكتب إليك ملحمة حياتي بعدك. أكتب محاولة ألا أقحم سؤالا تافها صغيرا في بداية سطوري. سؤال كان يلح على خاطري هل أنا أكتب لك لأستحضر مآسي حياتي وأحزاني أم ماذا؟ هو سؤال متثائب وثقيل ينظر بخجل من خلف السطور ليزج نفسه في كتاباتي”. وبرغم أنه يمكن الإفلات من مثل هذه الذاتية بتعليل وشرح وتفصيل واستطراد لكل كلماتها، بل وإسقاطها على أحداث ومقاصد متنوعة وكثيرة. إلا أننا لا يمكن أن نهرب من عدد من الدلائل الأخرى.
من الدلائل التي حملتها الرواية ما ذكرته المؤلفة في صفحة 20، حيث تقول: “فالتمريض مهنة ترهقني وقد نذرت ذاتي لها...”، وكذلك ما جاء في صفحة 42 من روايتها: “سيطلب من مهندس (شاطر) كما كان يقول، أن يصنع لي مرسماً كالذي لدينا...”، وفي صفحة 46 تقول: “وأحكي لك عن رسم البورتريهات الذي بدأ يجتذبني أكثر ويشدني...”. وأخيرا ما جاء في الصفحة الأخيرة 110 من الرواية عندما قالت: “التمريض مهنة ترهق روحي رغم اختياري لها منذ البدء...”، وعلى الغلاف الأخير من الرواية جاء تعريف بالمؤلفة بأنها فنانة تشكيلية، وبأنها تعمل حالياً في مجال التمريض.
رواية “أنثى ترفض العيش” قصيرة، لكنها حزينة عن فتاة لم تستفق من رحلة وفاة والدها الذي فارق الحياة وهو لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر، لتنتقل للعيش في بيت جدها، وخلال رحلتها في الذاكرة الحزينة تأخذنا لتجربة حب مع شاب اسمه خليفة، انتهت الرواية ولم ندرك نهاية قصة العشق هذه، لكن روح نورة الحزينة ـ نورة بطلة الرواية ـ تفجع بوفاة جدها.. أيضاً، لتأخذنا في سرد مضنٍ لكنه جميل، سرد أشبه بالبوح... تمكنت مريم الشحي، من الكتابة بلغة قوية، ورسمت جملاً بلاغية تستحق التوقف عندها كثيراً.

اقرأ أيضا