الاتحاد

الملحق الثقافي

البحث عن غيوم تشبه المظلات

يريدنا أن ننصت إلى الحواس دون ترتيب، وإلى العابرين باكتراث مطلق ودقيق، وإلى أسرارنا كأنها وقعت مصادفة في الجيب، أن نتمهل عند ملامحنا قليلاً كل صباح، وأن نعرف الطرقات مما تسره النوافذ وفنجان القهوة..
هو الشاعر محمد السعدي من السعودية في أولى تجاربه الشعرية “جغرافية شخصية” التي صدرت عن دار الغاوون في تسعين مقطعاً أطولها لا يتجاوز أربعة أسطر كقصائد مكتملة، زاهدة في اللغة المزخرفة وفي التفاصيل، وذاهباً إلى اللحظة الشعرية التي توجز وتضع أمام القارئ أن يتأمل ويقارب ويندهش وفق تصوره، لذا لا يقول كل شيء بل يفتح النافذة على اتساعها حيث يمكن توقع أي عابر يحمل الهواء أو الريح أو الأغنيات، يحاول أن يلفت نظرنا نحو الجهات المنسية، نحو الشعور المهمل، نحو ما نسيناه طويلاً على الرف وفي زحام الحياة: “كان يرمي أسراره في البئر،/ لذا.. كانت أشجاره غامضة لحد ما”، وفي مقطع آخر يقول: “عصفور طار وترك وراءه هواء مليئا بالثقوب والأغاني”.
لن يصعب تحديد آلية الشاعر الصديق محمد السعدي في كتابة نصوصه فهي تنطلق من تكثيف اللحظة وإنهاء المقطع الشعري بعبارة مقتصدة دون عبارات طويلة قد تسرق المعنى وتشتته في الهواء، وفي الوقت المناسب ومرتكزا على فكرة ما وسرد حكائي أحيانا يريد أن يرسم بها جغرافية محددة الملامح، كيف لا وهي جغرافية شخصية، وعليها أن تكون مرسومة بدقة سيما وأنها المصافحة الشعرية الأولى، لكن الملفت أن محمد السعدي لا يشبه الكثير من التجارب في بداياتها والتي تملأ الصفحات بمحاولة تعريف شخصي للشعر أو مراهنات كبيرة على اللغة والخيال أو استعراض إمكانياته، بل ينطلق فيما بعد إثبات هويته تلك إلى القصيدة/ الشعر.. تاركاً لنا أن نساهم في فتح النافذة وحضور القصيدة في عرضها الأكيد.
وهناك حيث فضاء الحرية والحب واليومي والمعاش والعابر بمضامين إنسانية رهيفة يدعونا السعدي لنتأمل ونقارب ونبحث عن منطقة جديدة لدهشتنا، ففي فضاء الحرية أو الحب يتمثل العصفور مثلاً كرمز لأكثر من مرة: “العصافير في العينين خضراء وتشبه الحنين”، ومحاولة تعريف لهذا العصفور في مقطع ثانِ: “العصفور: صوت الشجرة”، وفي آخر: “خلف العصفور فرت شجرة”. وبعيداً عن محاولة تفسير هذه الرمزية في نصوص السعدي نراه محتفياً بتفاصيل الطبيعة وموظفاً لها ومؤنساً ومقارباً لحالاتها، فالغيوم والشجرة والوردة والمطر والحجر والعشب وفضاء القرية، ثيمات لا يتخلى عنها السعدي في رسم جغرافيته بتضاريس ملونة. فهو كما يقول: “كثيراً ما يرجع إلى قريته، فقط ليسمع خرير المياه في الهواء”.
وأنسنة الجمادات بشكل لافت وتشخيصها في إشارة إلى جفاف العالم ولا إنسانيته أحيانا، وربما حالة من العزلة وزهدا في الاصطفاف مع المجموع، فالأرصفة والحجر والطريق والجدران والبيوت تحمل الكثير في طيات هذه الجغرافية، وعابراً بها كل المضامين، في مقطع: “ليتني الطريق كي أصل إليها”، وفي مقطع ثان: “كان الهواء يعبر شقوق الحجارة ويدخل البيوت ويعبر الأشجار والأرغفة والثياب ويعبر حتى الأجساد”، وفي مقطع آخر: “حصى ترتجف وشبابيك تدخل الغرف وطرقات تلتحف أرصفتها وأشجار تتزاحم على بقع الشمس المتناثرة”.
ولعل اللغة أو أدوات السرد التي وظفها وأفاد منها السعدي في بعض المقاطع تشي بقدرة مدهشة على التقاط الجوهر الإنساني من جهة وعلى فهمه واستيعابه للعبة ما هو بصدده في فن قصيدة النثر، حيث ثمة حد لا يتجاوزه ليرمي بتلك الحالات التي يقتنصها في سلة جغرافيته باعتداد: “ينامون على الأرض، لصق بعضهم البعض، وعند الفجر ينهض الأول على ساق الثاني، والثاني يستيقظ بعيني الثالث، والثالث يفرش أسنان الأول في فمه”، وفي مقطع آخر: “مع مرور السنين أخذ وجهه شكل مزرعة فإذا هب الهواء عليه، تناثر الغبار والدمع”. إنها الخفة التي تأخذ بيد النص بأي أداة كانت نحو عش القصيدة، الهواء الذي لا يستأذن الدخول من أي جهة وعليه تحمل عبء رفقته أو كما يقول كارل ساندبرج: “الشعر حقيبة التذكارات غير المرئية”، والسعدي من جهة أخرى ساخراً وثائراً على العادي في مضامينه يمرر الكثير مما نستشعره، موارباً مرة ويصرح أحياناً، لأن القصيدة لا تحتمل مع واقع جديد ومتشظ ومتأزم، وعلاوة على ذلك يشعر بقيمته كفنان يريد أن يلتقط ما يروق له أو ما يحوله إلى صورة جمالية: “رجل وامرأة.. وهواء يرتجف كعدسة المصور في ساحة المعركة”، وفي مقطع آخر: “رسم بنتاً وانتظرها”..
تلك الصور التي لا تخلو من حس ساخر يحاول قراءة النسق وتقليبه يمنة ويسرة: “تلك المئذنة كانت رجلاً، عندما مات قبل عشرات السنين رفعوه، على زاوية المسجد لقامته الفارعة وصوته الجميل”.
هكذا يريد الشعر أن يضيء برغم كل شيء، أن يظل وردة وإنساناً وجهة مثلى للأرواح وجغرافية بسيطة ومدهشة كأنها رسمت على الكف وفق ما نريد، رؤيته الخاصة للأشياء، وبصمته التي يريد أن تتضح أكثر ليس لتكون علامة عليه فقط بل وعلينا حين تتزاحم الأصوات يقول في مقطع 31 مثلاً: “أحدهم قال: ربما انزلقت على الحافة.. والآخر قال: ربما حاولت النجاة، والثالث قال: ربما انتحرت.. أما الشاعر فقال: ربما الظمأ”.
كتابة هذا الشعر الجديد تحتاج إلى تلك الرؤية الخاصة والناضجة بأبعاد هذه الجغرافية الشخصية وإلى هذه المغامرة الشيقة التي تحمل كما من التجريب والبحث عن نافذة وهواء جديد أو كما يعبر الشاعر الأميركي روبرت فروست قديما: “كتابة الشعر الجديد يشبه لعب التنس دون شبكة”.

اقرأ أيضا