الاتحاد

الملحق الثقافي

ابن اللبانة.. الشاعر العصامي

ما تركه الشاعر المعتمد بن عبّاد من شعر، ومن سيرة حياة جعلنا لا نذكر الأندلس إلا وظهرت صورته على شاشة الفكر وتجمعت حروف اسمه على اللسان، وكأنه اختصار لتاريخها وعنوان لمجدها وبؤسها معاً.
وحتى شعراء الأندلس بمن فيهم ابن عمار الذي اتهمه المؤرخون بخيانة ولي نعمته، كان لهم وقفة على بابه وأغنية في عرس سؤدده ومأتم سقوطه.
وإذا كنا في الحلقة الماضية قد صدمنا بما فعله ابن زمرك بأستاذه لسان الدين بن الخطيب، حيث تنكر له وساهم أو قام بتصفيته وإنهاء حياته بطريقة بشعة، فإننا اليوم سنتناول شاعراً أندلسياً ظلَّ وفياً حتى اليوم الأخير من حياته لذلك الشاعر الملك الذي كان سقوط مملكته بداية السقوط الكبير للأندلس العربية.. ألا وهو المعتمد بن عباد.. أما الشاعر فهو ابن اللبانة المداني..
ومن اسمه نعرف أن ذلك الشاعر كان من عامة الناس تبيع أمه اللبن لتعيله وتعيل أسرتها.
أما اسمه الحقيقي فهو أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي الداني.
أما لماذا كانت أمه تبيع اللبن، فلأن زوجها والد الشاعر توفي بعد ولادة ابنه بزمن قصير، فعاش شاعرنا يتيماً، ولم تجد أمه من سبيل لإعالته سوى بيع اللبن والاهتمام بولدها فهو عماد مستقبلها بعد وفاة الزوج ومعاناة الوحدة.
وكان ابن اللبانة في طفولته وفي شبابه نحيف البنية قصير القامة، ولكنه كان متوقد الذكاء، مشتعل الهمّة، أدرك منذ تفتحت عيناه على الحياة، أن تحقيق المجد يتطلب الجد والاجتهاد وسهر الليالي...
ومن طلب العلا سهر الليالي، والسهر لم يكن في اللهو والشراب كغيره من أبناء العائلات الغنية، بل كان في القراءة والتحصيل العلمي الذي كان متاحاً في تلك الأيام في بلاد العلم والمعرفة، الأندلس.
اتخذ ابن اللبانة من الكلمة سلاحاً ومن الشعر خبزاً يعيش عليه في زمن كانت تحكمه الصراعات الداخلية بين ملوك الطوائف والذين كانوا يتنافسون على شعراء يتحدثون عن أمجادهم وانتصاراتهم.
ولد ابن اللبانة في مدينة أندلسية تسمى دانية ولم تذكر المراجع سنة مولده ولكنها ذكرت سنة وفاته وكانت عام 507 هجرية الموافق لـ 1113 ميلادية وفي مدينة ميورقة.
ورغم ازدحام مجالس الملوك والأمراء بالشعراء المبدعين في ذلك الزمن إلا ابن اللبانة تميز بشعر جزل، قريب من إدراك عامة الناس.
عانى ابن اللبانة كثيراً قبل أن يصل إلى ملوك الطوائف ليمدحهم وينال عطاءهم.
أول مدينة هاجر إليها بعد مسقط رأسه دانية كانت بطليوس والتي كان عليها الأمير المتوكل بن الأفطس، ورغم قصائد المدح التي نظمها فيه، إلا أنه لم يكن موفقاً ولم يجد في الأمير ضالته المنشودة، وفكّر ابن اللبانة بذلك الملك الشاعر المعتمد بن عباد، والذي تزاحم الشعراء في بابه ولم يكن الوصول إليه من خلالهم ممكناً إلا لفطحل يتفوَّق عليهم ويتميز عنهم.
لبى ابن اللبانة هاجس فكره ورحل إلى إشبيلية جامعاً أقصى ما وصلت إليه طاقته الشعرية في قصيدة أسرت قلب المعتمد، وشنفت سمعه والتي يقول فيها.
تخللت حتى غابة الأسد الورد
وأنزلت حتى ساكن الأبلق(1) الفردِ
وجردت دون الدين سيفك فانثنى
من النصر في حلي من الدم في غمدِ
بصيرٍ بأطراف المؤثلة الشبا(2)
سميع بآذان المسوّمة الجرد
وحسب الليالي أنها في زمانه
بمنزلة الخيلان(3) في صفحة الخد
بهذه الأبيات الرائعة دخل ابن اللبانة على المعتمد بن عباد لا ليكون شاعره المفضل فحسب، بل ليصبح أعز صديق لديه، فمنذ تلك اللحظة توطدت عرى الصداقة بين الملك الشاعر والشاعر البسيط الوفي المخلص.
عندما فتحت صفحات ديوان ابن اللبانة تخيلت صورته، ذلك الوجه الملتحي، والعينين اللتين يشع فيهما الذكاء وتتوقد فيهما حرارة الشعر.. ووجدت نفسي أسأله:
? أيضايقك لو ناديتك بابن اللبانة..
نظر إليَّ بمودة وابتسام وقال:
ـ نسيت الناس اسمي، ولم تتذكر إلا أمي التي كانت تبيع اللبن.
? أيضايقك ذلك؟
ـ كلا بالطبع.. بل إنني أعتز وأفتخر بتلك الأم التي استطاعت من خلال عملها أن تنشئني نشأة صالحة وتفتح لي أبواب المستقبل الزاهر.
? ولكن من كان يناديك بابن اللبانة، لم يكن يريد إلا الإساءة؟
ـ ليكن.. ولكن لا تسيء إلى الإنسان مثل هذه الحقائق.. فبائعة اللبن امرأة شريفة عفيفة.. بل وعصامية.
? ألم يقف هذا اللقب ابن اللبانة حاجزاً بينك وبين المعتمد بن عباد وهو ذلك الملك المرفه؟
ـ بالعكس.. كان المعتمد رحمه الله لا يضع الحواجز والجدران بينه وبين المبدعين.. لقد وصلت إلى قلبه بعد أن وصلت إلى سمعه.. وكانت لنا أيام من الود والإخاء لم تدخل أو تتدخل فيها المصلحة الشخصية. وصلنا معاً إلى الإنسان الكامن في أعماقنا. نسي هو الملك وصولجانه ونسيت أنا الفقر وأيامه.
? سجلت المراجع التي تحدثت عنك أنك بقيت وفياً لابن عباد حتى بعد سقوط إشبيلية ونفيه إلى أغمات في المغرب.
ـ بعد غياب ذلك الفارس، شعرت أن الأندلس كلها قد دخلت في مرحلة الغياب والسقوط.
? ولكنك بعد نفي صديقك عدت إلى الطواف في البلاد والبحث عن راعٍ جديد يتولاك..
ـ هذا صحيح.. ولكنني لم أجد بعد المعتمد بن عباد من يستحق مدحي أو صداقتي.
? حتى ناصر الدولة مبشر بن سليمان العامري ملك ميورقة؟
ـ حتى هو.
? ولكنك اخترت ميورقة للإقامة والاستقرار.. وفيها دفنت بجانب الشاعر أبي العرب الصقلي.
ـ بل ودفن إلى جانبي فيما بعد الشاعر ابن حمديس الصقلي ولكن قلبي رحل مع ابن عباد.
? وماذا قلت فيه؟
ـ قلت:
وقف الفراق أمام عيني غيهبا
فقعدت لا أدري لنفسي مذهبا
يا موقداً بجوانحي نار الأسى
رفقاً فماء الدمع قد بلغ الزبى
نبتَ الصبا في صحن خدك روضةً
لو لم يدبَّ الصدعُ فيها عقربا
ملك غدا معنى غريباً في العلا
وغدت به الأيام لفظاً معربا
جاورته فلقطت منه جوهراً
ونظرته فرأيت منه كوكبا
? هذا في أيام المدح.. أيام كان فيها المعتمد ملكاً.. ولكن ماذا قلت بعد سقوط مملكته ونفيه إلى أغمات؟
ـ رغم كرهي للمرابطين الذين كانوا سبب نكبة ذلك الملك العظيم المعتمد بن عباد وكرههم لي وحقدهم عليَّ، إلا أنني قمت بالسفر إلى أغمات وزرت المعتمد في سجنه في أغمات.. ولا أخفيك أن الحزن الذي شعرت به عليه فاق تلك الأبيات التي نظمتها بعد تلك الزيارة.
? أسمعني يا ابن اللبانة..
ـ قلت:
لكل شيء من الأشياء ميقاتُ
وللمنى من منائيهنَّ غاياتُ
والدهر في صبغة الحرباء منغمسٌ
ألوان حالاته فيها استحالاتُ
ونحن من لعب الشطرنج في يده
وربما قمرت بالبيدقِ الشاةُ
انفض يديك من الدنيا وساكنها
فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها السفليِّ قد كتمت
سريرة العالم العلوي أغماتُ
طوت مظلتها لا بل مذلتها
من لم تزل فوقه للعز راياتُ
من كان بين الندى والبأس أنصله
هندية، وعطاياه هنيداتُ
وكان ملء عيان العين تبصره
وللأمانيِّ في مرآه مرآةُ
أنكرت إلا التواءات القيود به
وكيف تنكر في الروضات حيّاتُ
دَرَوْه ليثاً فخافوا منه عاديةً
عذرتهم فلعدوى الليث عاداتُ
منه المهابات في الأرواح آخذةٌ
وإن تكن أخذت منه المهاباتُ
لو كان يفرج عنه بعض آونةٍ
قامت بدعوته حتى الجماداتُ
بحر محيطٌ عهدناه تجيء له
كنقطةِ الدّارةِ السبعُ المحيطاتُ
وبدر سبعٍ وسبعٌ تستنير به
السبعُ الأقاليم والسبعُ السماواتُ
لهفي على آل عبّادٍ فإنهمُ
أهلةٌ ما لها في الأفق هالاتُ
تمسكت بعرى اللذات ذاتُهمُ
يا بئس ما جنت اللذاتُ والذاتُ
بمغرب العدوة القصوى دجا أملي
فهل له بديار الشرق مشكاةُ
قلت: لم أشبع منك بعد..
قال: إذن.. لنا لقاءَ آخر..
قلت: أرجوك أن تحضر.. فابتسم واعداً.

معاني الكلمات:
1 - الأبلق: فيه سواد وبياض.
2 - الشبا: الفرس التي تقوم على رجليها.
3 - الخيلان: جمع خال، وهي علامة على الخد بلون بني أو أسود.
المراجع:
1 - ديوان ابن اللبانة الداني/ جمع وتحقيق الدكتور محمد مجيد السعيد
3 - أعلام النبلاء/ الذهبي

اقرأ أيضا