الاتحاد

الملحق الثقافي

بين القراءة والمسرح

صدر عن دار سنابل للكتاب بالقاهرة الترجمة العربية لكتاب “الدراما والزمن” للباحث المسرحي الإسباني خوسيه لويس جارثيا بارينتوس الذي يعد من أبرز الباحثين بالمجلس الأعلى للبحوث العلمية بمدريد، وترجمة الدكتور طلعت شاهين. يقع الكتاب في 302 صفحة من القطع المتوسط، وكما يقول مؤلفه في الجزء الأول من الكتاب: إنه يهدف إلى وضع أسس للكتابة الدرامية كمفهوم لنظرية طريقة تقديم عرض مسرحي، وهي مهمة يمكن فهمها على أنها محاولة تطوير لأحد المظاهر الأقل اهتماماً في فكر أرسطوطاليس في كتابه “الشعرية” والتي حددها بشكل “المحاكاة” الذي عرّفه بأنه تقديم كل من يجري محاكاتهم كمشاركين وممثلين، أي، أنه الشكل الذي يجري من خلاله تقديم العرض المسرحي.
وللوصول إلى هذه المفاهيم التي يعرضها الباحث يتحدث أولاً كمدخل للموضوع عن الأنواع الأدبية للتفرقة بين مفهوم النص المسرحي المكتوب والعرض، فإذا كان النص المكتوب يعتمد الكلمة كأداة فإن العرض المسرحي تضاف إليه عناصر أخرى كثيرة تضاف إلى المملثين المؤدين لأدوار العرض محاطين بعناصر أخرى كالديكورات والاكسسوارات والإضاءة والموسيقى، وفي بعض الأحيان اللوحات الراقصة، وكل هذا يجب أخذه في الاعتبار عند الحديث عن الدراما، فالدراما المكتوبة نصا شيء والدراما التي تجري على خشبة المسرح بكل ما تتطلبه المسرحة من إضافات تعد شيئا آخر، رغم اعتماد كل منهما على القواعد الأرسطية، لذلك يمكن الحديث عن النص الدرامي كنص مكتوب، وعند عرضه على خشبة المسرح يجب الحديث عنه كنص العرض. في الجزء الثاني ينتقل الباحث إلى دراسة درامية الزمن، بشكل تراتبي لكنه ليس محدداً، الهدف منه قبل كل شيء “تنظيم” الإطار التقني للعلاقات بين الزمن والمسرح في مظاهره المختلفة، دون أن تتناول الدراسة، التي يطرحها الباحث في كتابه، “العمل الدرامي” لمؤلف محدد تجنباً، حسب قوله، لاعتبارات تاريخية خاصة بالأشكال الدرامية. وهذا يعني أن تلك الدراسة تطلعت إلى عمل مستويات أكثر عمومية واختارت أكثرها قدرة على تحمل التغيرات التاريخية والثقافية، وإن كان هذا لا يعني البحث عن نسق عام، لأن التخلي عن وجود عمل يستخدم كمثال للبحث لا يعني أنها تبحث عن شكل استنتاجي خالص.
في هذا الفصل يفصل لنا الباحث الإسباني المسرح كعرض خلال تحديد معنى العرض ومفاهيمه المتعددة لدى عدد من المبدعين والنقاد والباحثين، ليعرج على الفوارق التي يمكن أن تكون بين الكتابة والتمثيل، سواء في السينما أو المسرح، محدداً معنى الوضع المسرحي الذي لا يقتصر على الممثل كجزء من العرض، بل كعنصر يضاف إلى كل العناصر الأخرى التي يتحول إليها العرض بعد وضعه على الخشبة اعتماداً على نص ما ليصبح هذا النص في النهاية كأساس أو سيناريو، وحسب الباحث فإن المسرح بلا جمهور محدد ليس مسرحاً، لوجود المسرح لا بد من وجود جمهور، وهنا لا بد وأن يتم تحديد معنى الجمهور، حسب الباحث، والعلاقة بين هذا الجمهور والعرض بكل أدواته، ليصل إلى ما يسميه الإقناع المسرحي: المحاكاة الأدائية المسرحية. ثم ينتقل الباحث بعد ذلك إلى الدراما كمسرح، محدداً معنى الدراما وكذلك النسق الدرامي، ثم المسرح المكتوب والتعامل مع النص المسرحي المكتوب كوثيقة، منتقلاً إلى الحديث عن الزمن في المسرح الذي يعد الهدف الأساس في هذا البحث، فالزمن في المسرح ليس مسألة عابرة، بل مسألة أساسية ومعقدة إلى حد بعيد وعلى رجل المسرح، خاصة المخرج، أن يكون على وعي بهذا التعقيد، فهناك حاضر زمني، وهناك أزمنة شفوية لها علاقة بالكتابة، أو ما يسميها الاستعارية، وهناك أزمنة مسرحية لها علاقة باللغة، إضافة إلى تحديده إلى عدة أزمنة، نظراً لمستويات الزمن في المسرح: زمن كلامي، وزمن سينوغرافي، وزمن درامي. وحسب المؤلف فإن التركيب الزمني للدراما له علامات كثيرة تلعب في كيفية تطور وجوده أو عرضه على خشبة المسرح: الصمت، التوقف، التلخيص، الحذف، وكذلك إعادة تركيب المشهد.
ويؤكد الباحث على أنه هناك مظاهر معروفة للزمن المسرحي: مظاهر داخلية، ومظاهر خارجية، متحدثاً عن استعادة الزمن وكذلك امتداده داخل العرض، متحدثاً عن تلك المظاهر ودورها في تقديم العرض المسرحي.
يجب أن ننتبه إلى أن الباحث مؤلف “الدراما والزمن” قد وضع منذ البداية لكتابه هدفاً واضحاً بقوله في المدخل إلى هذا البحث: هناك طموحان سيطرا على كتابة هذا العمل: الحذر في طرح الأفكار والوضوح في الطرح. دون أن يؤثر في ذلك أي هجوم يمكن أن يطلقه ضد أحد أو آخر، واضعاً الذكاء قبل الحذر، للهروب من الوقوع في شراك المصطلح والتعبيرات الغامضة التي توجد عادة بكثرة في مثل هذه الدراسات النظرية، وتعتبر من ملامح أعمال مثل هذه الدراسة، ولكنها لا تهمل جهداً في استخدام أسلوب يمكن أن يضاف إلى جهد البحث ويمنحه قيمة.



الكتاب: الدراما والزمن
المؤلف: خوسيه لويس جارثيا بارينتوس
ترجمة: د. طلعت شاهين
الناشر: دار سنابل ـ القاهرة

اقرأ أيضا