الاتحاد

الملحق الثقافي

الطب والدجل

لكل مجتمع تراثه ومعتقداته الشعبية الخاصة، وغالباً ما تكون مستمدة من العقيدة الدينية ومن تراثه الثقافي والتاريخي والحضاري. والمجتمع المصري واحد من أقدم المجتمعات، لذا لديه العديد من المعتقدات الشعبية، وقد حاول الباحث عبدالحكيم خليل تناول بعض جوانبها في كتابه “دراسات في المعتقد الشعبي” وهو لا يتناولها نظرياً فقط، بل عبر دراسات ميدانية، مثل دراسته عن أولياء الله الصالحين والتعلق بهم، وإقامة الموالد لهم، فقد تبين أن هناك من يولي هذا الأمر أهمية كبيرة، حيث يذهب إلى صاحب المقام ويسر إليه بهمومه ويتمنى عليه ما يريد وهناك من لا يتعلق بهم إلى هذه الدرجة وثمة من لا يعير الأمر انتباهاً ولا يعنيه في شيء ورغم ذلك يذهب إلى الموالد للمتعة فقط وممارسة بعض الألعاب أو اللهو.
ومن أهم الدراسات التي تناولها الكتاب ظاهرة العلاج بالقرآن الكريم، من واقع دراسة ميدانية في إحدى قرى بلبيس بمحافظة الشرقية، وقد اختار هذه القرية لأن هذه الظاهرة منتشرة بها ولأن هناك بعض الأهالي يساعدونه في أن يثق المواطنون والأفراد به كباحث ويدلون بما لديهم من تجارب وخبرات في ذلك.
الظاهرة ليست جديدة، بل قديمة، خاصة ما جاء في آيات القرآن الكريم من أن فيه شفاء للناس وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كثير ومهم، فضلاً عن كبار الصحابة رضوان الله عليهم، ويذهب المؤلف إلى أن العلاج بالقرآن الكريم التقى مع نزعة المصريين القديمة إلى التدين وما كان لديهم من طب شعبي يعود إلى عصر الفراعنة.
والعلاج بالقرآن الكريم أنواع، البعض يستخدمه في الرقية وهناك معالجون بها، وهناك من يستخدمون الآيات القرآنية في علاج السحر والجان، وهذا اللون ليس محبباً، لأن هؤلاء المعالجين يستخدمون القرآن الكريم في تمرير الدجل والشعوذة، فضلاً عن أنهم يأخذون كلمات من القرآن ثم يبنون عليها تعاويذ أخرى كثيرة وعديدة، وبعضهم قد يقرأ الآيات القرآنية من آخرها أو مقلوبة بدعوى أن تلك رغبة الجان، وهذا اللون مكروه ومرفوض، وهو محرم من بعض الفقهاء وعلماء الدين وقد حارب العلماء كثيراً هذا اللون من العلاج واعتبروه دجلاً وتطاردهم الشرطة في مصر.
ما رصده الباحث في دراسته أن العلاج بالقرآن قد ازداد في السنوات الأخيرة بين المصريين وفي الكثير من المناطق، وهذا الأمر ملحوظ بالفعل منذ سنوات، ويرجع الباحث ذلك الاتساع إلى ارتفاع تكلفة الطب والعلاج في مصر إلى الحد الذي لا يطيقه الفقراء، وهناك بعض الأمراض التي لم يتوصل الطب إلى علاج لها، مثل السرطان وغيره وعادة ما يلجأ المرضى وذووهم في هذه الحالة إلى العلاج بالقرآن الكريم، وفي بعض الحالات يؤدي إلى نتائج طيبة.
وقد يتصور البعض للوهلة الأولى أن العلاج بالقرآن يتم لبعض المرضى النفسيين، حيث يمكن مداواة الروح والنفس باليقين الديني والاطمئنان الإلهي، لكن امتد العلاج هنا إلى بعض الأمراض العضوية التي يصعب تشخيصها أو علاجها.
التكلفة المادية في هذه الحالة لا تكون كبيرة، وتصل إلى عشرات الجنيهات أو عدة مئات في الحالات القاسية وهذه المبالغ لا يكون صعباً تدبيرها، والأهم من ذلك أن أهالي المرضى والمرضي أنفسهم يكون لديهم اقتناع وثقة بكلام الله سبحانه وتعالى.
وهناك بعض الحالات للعلاج بالقرآن لا يكون دافع اللجوء إليها اقتصادياً، إذ يفعل ذلك بعض الأثرياء، وهؤلاء غالباً ما يعانون بعض الحالات النفسية أو أمراض فشل الطب الرسمي في التعامل معها، فلا يكون أمامهم بُد من اللجوء الى المعالجين بالقرآن الكريم.
الأمر يقتضي من المعالج حفظ بعض آيات القرآن الكريم، وأن يتمتع بقدر من الذكاء لفهم مزاج الحالة المعروضة أمامه، خاصة إذا لم تكن حالة عضوية، وبعض المعالجين يصف بعض الأدوية، مثل “ماء القرآن” يشربه المريض أو يغسل جسده به، وهو ماء يقدمه لهم ويكون قد تلا عليه بعض آيات القرآن الكريم أو ماء زمزم الذي يتفاءل به ويستريح إليه الكثيرون من المرضي وأسرهم.
وفي بعض الحالات يحقق العلاج بالقرآن نتائج إيجابية وهناك من نال الشفاء خاصة أولئك الذين يعانون القلق والأزمات النفسية، مثل الزوجة التي تعاني ويصيبها المرض من تجاهل الزوج لها أو شعورها بأنه تزوج عليها، أو إنسان أصيب بأزمة في عمله وحياته، هو في هذه الحالة يكون بحاجة إلى التهدئة النفسية والرضا بقضاء الله وبقدره، باختصار يزيد من الإيمان والصبر.
تحتاج هذه الدراسة إلى أن تكون نواة لدراسات أخرى ميدانية يواصلها الباحث أو يشكل فريقاً بحثيا لها، لدراسة هذه الظاهرة في مناطق الصعيد، وفي القاهرة والمدن الكبرى، حيث انتشرت الظاهرة وفي بعض مناطق القاهرة والجيزة صار المعالجون بالقرآن يضعون في الشوارع لافتات دعائية وإعلانية لهم، وبينهم من يمارس هذا العمل في أماكن ملحقة ببعض المساجد كما هو الحال في العمرانية وفي عين شمس، وبينهم من يمارس العلاج في مكتب أو شقة مخصصة لذلك، هل يمكن أن نقول “عيادة”، وبعضهم يفعل ذلك مجاناً وبعضهم يقوم به في مقابل مادي يزيد أو يقل حسب المنطقة السكنية وحالة المريض الاقتصادية هو وأسرته.أظن أن مثل هذه الدراسات سوف تكون مفيدة لمن يدرسون المجتمع وتفيد صناع القرار والتنفيذيين كذلك، كان العلاج بالقرآن معروفاً وموجوداً في مصر منذ دخول الإسلام إليها، ولكن نطاقه ازداد واتسع في العقود الأخيرة، هل بسبب الأزمة الاقتصادية وحدها، أم لسبب تغير المزاج الثقافي العام الذي صار أكثر تسلفا وأقل انفتاحاً وثقة بالعصر الحديث ومنجزه.؟!
الدراسة التي يقدمها الباحث هنا عن إحدى قرى “بلبيس” مهمة وتفتح الباب لمزيد من الدراسات الميدانية والعلمية لظاهرة نراها ونلمحها، دون بحث جاد حولها.



الكتاب: دراسات في المعتقد الشعبي
المؤلف: عبدالحكيم خليل
الناشر: الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة

اقرأ أيضا