الاتحاد

الملحق الثقافي

أم الثورات..

لوحة تمثل اقتحام الثوار لسجن الباستيل خلال الثورة الفرنسية

لوحة تمثل اقتحام الثوار لسجن الباستيل خلال الثورة الفرنسية

تحتفي الأوساط الأكاديمية البريطانية، المعنية بالتاريخ الأوروبي، والحديث، بكتاب جديد صدر صيف هذا العام (2013)، هو كتاب The French Revolution in Global Perspective، “الثورة الفرنسية من منظور عالمي”، ويضم 11 بحثاً لـ 11 أكاديمياً، معظمهم من الأميركيين، كانوا قد تداعوا إلى مؤتمر في جامعة فلوريدا الأميركية، للتشاور والتباحث حول دراسات لهم تؤسس لنهج جديد، غير سائد بين المؤرخين للثورة الفرنسية، يضع هذه الثورة (1789 ـ 1799)، في سياق العولمة الحديثة.
الكتاب (240 صفحة) من تأليف أساتذة التاريخ: سوزان ديسان من جامعة ويسكونسون ـ ماديسون، ولين هنت من جامعة كاليفورنيا، ووليام ماكس نيلسون من جامعة تورنتو. وكان ثلاثتهم قد شاركوا بأبحاثهم في المؤتمر المشار إليه، إضافة إلى: رافا بلوفارب من جامعة فلوريدا، وإيان كولر من جامعة لا تروب، ودينيس ديفدسون من جامعة جورجيا، وأندرو جينشيل من جامعة كوينز، ومايكل كواس من جامعة هوبكنز، وبيير سيرنا من جامعة باريس 1 السوربون، وميراندا سبيلير من جامعة أريزونا، وتشارلز والتون من جامعة ييل.

نهج سائد
تعد الثورة الفرنسية من الثورات الكبرى في العصر الحديث سواء على صعيد التغيير الجذري الداخلي أو التأثير الأقليمي والعالمي، وانتشار أفكارها السياسية والاجتماعية والتنويرية في كل أنحاء الأرض، بما في ذلك الشرق الأوسط، عن طريق الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت على مصر.
وقد درج المؤرخون على تناول الثورة الفرنسية من زوايا متعددة، منها ما يتعلق بأسبابها المباشرة التي يرجعونها إلى أزمة مالية ناجمة عن حروب مكلفة خلال القرن الثامن عشر، وإنفاق باهظ واستبداد من طبقة النبلاء الإقطاعيين ورجال الدين وغير ذلك من أحوال دفعت عامة الشعب إلى الثورة، وساعد على ذلك انتشار أفكار تدعو إلى المساواة بين الناس وإلغاء الامتيازات الموروثة والحق الإلهي للملوك، وهي أفكار سادت بقوة طيلة القرن الثامن عشر في الأوساط العليا من المجتمع، وبين بعض النبلاء، وما كان يطلق عليه «الطبقة البرجوازية».
وفي الوقت الذي عني فيه بعض المؤرخين في بريطانيا والولايات المتحدة، بتناول تأثير الثورة الفرنسية على أوروبا بشكل عام، والعالم الأنجلو ـ ساكسوني بشكل خاص، انصب الاهتمام، على الجانب الأكاديمي الفرنسي، بأحداث هذه الثورة ومراحلها وإنجازاتها كثورة من أجل الحرية والإخاء والعدالة، بالدرجة الأولى، وكيف جددت الثورة الدولة، وأدت إلى ولادة فرنسا جديدة مختلفة، تغيرت فيها العلاقة بين الشعب والحكم، الأغنياء والفقراء، والدين والسياسة.

زاويا مغايرة
عادة ما ينظر إلى الثورة الفرنسية نظرة عابرة للقوميات، وممتدة عبر القارات، نظراً لتأثيرها وما جاءت به من أفكار، ويأتي هذا الكتاب الجديد كي يضع الباحث والقارئ في التاريخ الأوروبي، والعالمي، وأيضاً تاريخ العولمة، أمام زوايا جديدة مغايرة، ومجموعة من العوامل المضافة، والخارجية، التي كانت لها تأثيراتها المباشرة، الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، على الثورة الفرنسية، ويخلص إلى أن هذه الثورة التي اندلعت لأسباب داخلية مباشرة، قد تشكلت عبر تاريخ طويل، محاوره تجارة عالمية، منها ما هو غير مشروع، منافسة إمبريالية، وحركة تبادلية واسعة قوامها الناس والأفكار، ليس في المحيط المجاور فحسب، بل أيضاً في أماكن بعيدة مثل الهند، مصر، ومنطقة البحر الكاريبي.
في التقديم لهذا الكتاب نقرأ أن الهدف هو طرح نهج أكثر رحابة في فهم الثورة الفرنسية من خلال الكشف عن كيفية تشكلها بفعل عوامل عالمية، مع إشارة واضحة إلى أن ما ورد في فصول الكتاب قد استند إلى دراسات تاريخية لمؤرخين فرنسيين. وتتوالى أبواب وفصول الكتاب على النحو التالي: الباب الأول عن الجذور وفيه: حركات التمرد وعمليات التهريب العالميين السريين، وجذور الثورة الفرنسية، الجذور المالية العالمية لعام 1789 (عام الثورة)، تأثيرات التجارة العالمية، علاقة الثورة بأوضاع عام 1685 (مؤثرات بريطانية). وفي الباب الثاني عن التفاعلات الداخلية تأتي فصول عن: الجيل الثوري والإمبراطورية الفرنسية الأولى لفرنسا الاستعمارية، مسارات أطلسية عن الحركة النسوية والرواد من الأبطال. وفي الباب الثالث والأخير أربعة فصول عن: مصر والثورة الفرنسية، العبودية في منطقة البحر الكاريبي، والثورة في غوايانا الفرنسية، ويحمل آخر الفصول عنوان: كل ثورة هي حرب استقلال.

حروب وتجارة
في الفصل الثاني من الكتاب، عن الجذور المالية العالمية، عام 1789، تقدم لين هنت، أستاذة التاريخ في جامعة كاليفورنيا، مراجعات مهمة، تضاف إلى وجهة نظر تاريخية، مفادها بأن العامل الأكثر حيوية في الثورة الفرنسية والمتمثل في الأوضاع المالية المتردية، قد زادت وطأته بسبب انخراط فرنسا في الحرب الثورية الأميركية، وازدات حدة الوطأة داخلياً مع أعمال مضاربة مالية لعدد من المصرفيين الأجانب في باريس الذين قاموا أيضاً بإقراض الحكومة التي كرمت 18 مصرفياً منهم بمنحهم »المواطنة الفخرية»، وكان معظم هؤلاء من البريطانيين، باستثناء ثلاثة من خارج أوروبا.
وفي السياق نفسه، يشير أندرو جانيشيل في الفصل الرابع الخاص بأوضاع عام 1685، إلى دور بريطاني مغاير، تمثل في قيام مجموعات بريطانية بالسفر إلى فرنسا، في ذلك العام، وفي إطار تفاعل مع مجموعات ثورية فرنسية، وأن المجموعات البريطانية كانت تترجم إلى اللغة الفرنسية، بعض النصوص الخاصة بالقواعد الدستورية والعلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، في حين يشير تشارلز والتون، في الفصل الثالث، إلى المعاهدة التجارية البريطانية ـ الفرنسية، الموقعة عام 1786، وأثر عمليات التبادل التجاري بين الجانبين، على الرغم من الخصومة التقليدية، على الطبقة العاملة الفرنسية، وانتقال المال والأفكار والقناعات السياسية، وبشكل لا ينبغي إهمال أهميته من المنظور العالمي.
وفي إطار مغاير، يتعلق بما يسمى بـ«الاقتصاد السري» وعلاقته بالثورة الفرنسية، يسلط مايكل كواس الضوء، في الفصل الأول من الكتاب، على حجم التجارة غير المشروعة في فرنسا قبل الثورة، وخاصة في السلع غير الأوروبية، مثل تجارة التبغ السرية، ويشير في هذا السياق إلى أن ما يقرب من 50 بالمائة من الفرنسيين، أدينوا وصدرت بحقهم أحكام سجن ما بين عام 1685 و1791، لمشاركتهم في عمليات الاقتصاد السري. وكانت لين هنت قد لمست في الفصل الأول، زاوية أخرى من زوايا هذا النوع من الاقتصاد غير المشروع، في سياق حديثها عن التفوق البحري التجاري الفرنسي، على الأسطولين الهولندي والبريطاني، قبل وبعد اندلاع الثورة الفرنسية. تقول البروفيسورة هنت إن الفرنسيين كان لهم الوجود الأكبر في المحيط الهندي، ما بين عامي 1787 و1792، وسيطروا على ما نسبته 40 بالمائة من تجارة الرقيق عبر الأطلسي، مقابل 13 بالمائة بين عامي 1778 و1783.
وعن علاقة الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، بالثورة الفرنسية، وبعد سنوات قليلة من مجيء نابليون بونابرت إلى الحكم، وإنقاذه للثورة، يتناول إيان كولر هذه العلاقة، في الفصل الثامن من الباب الثالث، في إطار صورة متعددة الأوجه للصعاب والتحديات العسكرية التي واجهت أول محاولة حديثة لغزو العالم العربي، وكيف ساعدت هذه المحاولة نابليون على ابتكار خطاب إمبريالي ليبرالي لفرنسا الجديدة.
ويبقى أن النهج الجديد الذي يمثله هذا الكتاب في تناوله للتاريخ الأوروبي، وفي رأي بعض النقاد البريطانيين، من شأنه أن يفتح باباً جديداً أمام الباحثين في هذا التاريخ، للتوسع في تناول وقائعه وأحداثه القديمة بمعايير جديدة تتسق مع نهج العولمة.


الكتاب: الثورة الفرنسية من منظور عالمي
The French Revolution in Global Perspective
المؤلف: سوزان ديسان ـ لين هنت ـ وليام ماكس نيلسون
Suzanne Desan ـ Lynn Hunt ـ William Max Nelson
الناشر: كورنيل يونيفيرستي برس
Cornell University Press NY

اقرأ أيضا