الاتحاد

الملحق الثقافي

تحولات العقائد والناس

تستدعي القراءة المعرفية والعلمية للظواهر الدينية اعتماد النظريات المستجدة في علوم الاجتماع الديني وهو ما زال شبه غائب في الثقافة العربية المعاصرة، حيث تتركز جل الاهتمامات البحثية في مجالات قريبة من هذا العلم، أو في المجالات القريبة منه مثل الإناسة الدينية على الرغم من انتشار أقسام علم الاجتماع في المؤسسات الأكاديمية العربية، نظراً لعدم قدرة علم الاجتماع الغربي عن الإحاطة بإشكاليات الاجتماع العربي التي يمثل الدين جانباً مهماً منها. كتاب “علم الاجتماع الديني: الإشكاليات والسياقات” للباحثين الأكاديميين سابينو أكوافيفا وإنزو باتشي الصادر عن مشروع كلمة للترجمة بأبوظبي بترجمة من الدكتور عز الدين عناية يسعى لترسيخ المعالجة العلمية الهادئة للظواهر المتصلة بالدين، على الرغم من الطابع التعليمي للكتاب، والابتعاد قدر الإمكان عن عملية الاستعراض الدراسية للنظريات الكلاسيكية أو التعريف بالرواد في مجال علم الاجتماع الديني. وذلك من خلال الاعتماد على خلاصات المقاربات السوسيولوجية، ومقاربتها في ضوء قدرتها على الإحاطة بالظواهر الدينية ونفيها للعديد من الإشكاليات المطروحة كالعلمنة والدين وممارسات العنف المقدس وإثارة الصراعات والتغيير الاجتماعي، ذلك أن هناك تديناً شعبياً واسعاً في الواقع، وهو مؤثر وفاعل في الممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلا أنه ما يزال بعيداً عن الدرس والملاحظة العلمية.
من هنا يطرح المترجم في تقديمه للكتاب سؤالاً هاماً يتعلق بغياب البحث الاجتماعي العربي في ظاهرة الإسلام السياسي أو تناول الجانب الخفي للتدين في المجتمع الغربي، ما يشي بالتباعد القائم بين الوسط الأكاديمي العربي وعدم التكامل فيما بينها، الأمر الذي يجعل تطور علم الاجتماع الديني في الثقافة العربية رهناً بالتقارب بين تلك الأوساط الأكاديمية وتكامل الأدوار فيما بينها.

علم الاجتماع الديني
يشكل علم الاجتماع الديني تجاوزاً لمنهج النقاش التقليدي السائد الذي كان ينطلق من تحليل منهجي لنظريات كبار المفكرين ودراساتهم التي كانت تتركز على معالجة موضوعاتها بصورة منفصلة كالمؤسسة الدينية والممارسة الدينية وعلاقة الدين بالمجتمع، والصلة بين الكون القدسي والتدين. التحول الذي قام به علم الاجتماع يهدف إلى محاولة فهم التحولات العميقة التي تتعلق بالدين وبتنظيم الحياة الدينية، إضافة إلى دراسة التعبيرات الاجتماعية للأديان التاريخية، بالاعتماد على النظريات التي فرضت نفسها في الماضي.
وبعد دراسة تاريخية مكثفة يتتبعان فيه المراحل التي مرت فيها المسيحية في أوربا يذهب الباحثان إلى القول بأن قيام الثورة الاقتصادية التي شهدتها أوربا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي شكل بداية تحول في العلاقات الاجتماعية السائدة هناك، تغير معه شكل المحبة والتواصل الاجتماعي، كما تغير معه أيضاً نمط صياغة العلاقات ونمط التعايش وإضفاء المعنى أو عدمه على الحياة والموت، إلى جانب اتخاذ موقف سياسي من نوع ما حيال كل هذا. لكن حقبة الثمانينيات شهدت ثورة ثقافية واجتماعية واقتصادية ترافقت معها تغيرات كبرى، لكن الدين رغم ذلك حافظ على وجود عناصر منه كجزء من التدين الشعبي القديم بينما أثر هذا التغير بقوة دين الكنيسة ودين الآخرين الذين لا ينتمون لأي مؤسسة دينية. لقد ظلت العوالم القدسية في جانب مهم منها على صلة بالمجتمع الذي ضربت جذورها فيه، لكن القفزة الحضارية التي شهدها الغرب عملت على دك معاقل الثقافة التقليدية والدينية، مع ظهور أنماط الحياة الجديدة، واجتياح العلم لشتى ميادين الحياة، ودخول الثقافة التقنية والعلمية في مجالات النظام التربوي، إلى جانب تطور العلوم وظهور الفلسفات الصاعدة المرتبطة بالعلم والمعلوماتية والثقافة الكونية، الأمر الذي نجم عنه بروز أنماط مستحدثة لتأويلات قديمة للمعنى الديني في الكون. ويرى الباحثان أن كل هذا أدى إلى نشوء مجتمع آخر داخل ثقافة أخرى بحيث أدى إلى توليد أشكال مستحدثة من التسامي بالتجربة الدينية، وجعلها تنحو باتجاه مغاير من التناسق، وخلق تواصل في الاختزال الذي تعاني فيه التجربة الدينية فيه من التقلص، في الوقت الذي تتغير فيه النوعية.

الإطار التاريخي والنقدي
يشير الباحثان إلى أن الدين حظي من قبل علوم الاجتماع بالاهتمام منذ ظهوره من خلال البحث الذي قام به كبار منظري علم الاجتماع الكلاسيكي في الوظائف التي يقوم بها الدين في المجتمع.
ومع تبلور صورة المجتمع الحديث بفئاته الاجتماعية الحديثة تشكلت قيم برجوازية جديدة ونظم إنتاج مستجدة خلقت حالة خاصة من التنظيم الاجتماعي والسياسي ساهمت في تبلور علم اجتماع جديد ركز بصورة أساسية على دراسة إشكالية الأسس الاجتماعية للدولة الحديثة.. وإذا كان الدين أحد الأشكال الأولية التي جذبت انتباه علماء الاجتماع الكلاسيكيين، فإن المفكرين الحديثين من علماء الاجتماع الغربيين ذوي الميول العلمية قد اهتموا بدراسة المقدس ودور الدين في المجتمع البشري، إضافة إلى تحليل الأشكال الأساسية للتنظيم الديني بهدف الوصول إلى فهم أفضل للعلاقة بين النظام الاجتماعي ومجموعة القيم السائدة في المجتمع، أو بين الرموز والمؤسسات والمعاني وآليات التوافق الاجتماعي.
ومن أجل فهم أفضل لتلك المقاربات التي قام بها علماء الاجتماع الحديثين، يقوم الباحثان بعرض تاريخي لما قدمه هؤلاء العلماء من إسهامات نظرية مهمة في هذا الصدد أمثال أوجست كونت، وهربرت سبنسر، ودوركهايم، وسيجموند فرويد، وفريدريك نيتشه، وماكس فيبر، وداروين.
تتجلى إسهامات دوركهايم في تعقب الوظيفية الدينية أو عمل الدين في المجتمعات البدائية بوصفها منطلقاً لإدراك سبل عمل المجتمع الإنساني عامة، حيث تتألف تلك المقاربة من ثلاثة أقسام، قسمان نظريان وثالث تحليلي، يركز الأول على تقديم مفهوم عن المقدس والثاني يعنى بالكشف عن المصادر الثانوية في الأبحاث الإنسانية، والقسم الثالث يتجه نحو تطوير نظرية شاملة تبحث في وظيفة الدين.
ماكس فيبر من جهته يسعى في نظريته كما يؤكد الباحثان إلى البحث في وظيفة الدين، ليس من حيث ما يمكن أن يضفيه على النظام الاجتماعي من شرعية، وإنما من حيث دوره في إحداث التغيرات الاجتماعية، وتفجير الصراعات التي يمكن أن تنتج على المدى البعيد تجديداً مهماً وحقيقياً، يقود إلى ولادة حضارة جديدة. إن الافتراض المنهجي الذي يشكل الأساس في نظرية فيبر يكمن في فكرة أن المجتمع يتكون من الأفراد وهم خلال نشاطهم يضفون على أفعالهم معاني محددة تؤدي إلى تشكيل أنساق وأنماط مجردة ذات دلالات معينة، ما يستوجب من عالم الاجتماع تجميع وضم ما ينطوي عليه الفعل الاجتماعي من مقاصد تبدو متباعدة في أنماط فعلية بغرض الوصول إلى فهم يقوم على أن تلك الظواهر الاجتماعية المحددة لم تنجم عن سبب وحيد بل عن أسباب متعددة.
ويعرض الباحثان لمجموعة من النظريات الاجتماعية التي انشغلت بصورة أساسية بموضوع الدين، برزت فيها الرؤى الفلسفية داخل التحاليل الاجتماعية مثل التفاعلية الرمزية لجورج ميد التي أكد فيها على هشاشة ومحدودية الكائن الإنساني، وظهر الدين فيها كنظام تصوري رمزي يبلوره الذهن البشري بغية التكيف مع مجموع القيم المشتركة، بحيث يسهم ذلك في منح الفرد هويته الخاصة ويعطي لذاته ميزة داخل الفضاء الاجتماعي.


الكتاب: علم الاجتماع الديني: الإشكاليات والسياقات
المؤلف: د. سابينو أكوافيفاود، وإنزو باتشي
ترجمة: د. عز الدين عناية
الناشر: مشروع كلمة للترجمة ـ أبوظبي

اقرأ أيضا