الاتحاد

الملحق الثقافي

استيقاظ بعد فوات الأوان

“الأمن من المنصة الى الميدان”.. كتاب يستحق القراءة، بإمعان، لأن مؤلفه ليس كاتبا وروائيا فقط، لكنه رجل أمن وصل الى رتبة لواء بالداخلية المصرية قبل احالته الى التقاعد منذ نهاية التسعينيات.
المقصود بالمنصة ـ هنا ـ حادث المنصة يوم 6 اكتوبر عام 1981، حيث تم اغتيال الرئيس أنور السادات وسط ضباطه وجنوده في يوم العرض العسكري الذي كان يقام سنويا بمناسبة انتصار اكتوبر عام 1973، واعتبر ذلك الحادث ضربة عنيفة وحادة لجهاز الأمن المصري، ذلك ان عملية الاغتيال استغرق التفكير فيها والتخطيط لها ستة أيام فقط، أي منذ أُلحق الملازم أول خالد الإسلامبولي بالمشاركين في العرض العسكري بدلا من زميل له حدث له ظرف يحول دون مشاركته.
أما الميدان، فهو ميدان التحرير وما جرى فيه منذ 25 يناير عام 2011، يتوقف المؤلف في كتابه عند الشهور السابقة على ذلك اليوم، محاولا دراسة أضابير جهاز الأمن في مصر، ممثلا في وزارة الداخلية، ويستعين هنا بتقرير أعده اللواء حسن الألفي بعد أن أقاله الرئيس الأسبق حسنى مبارك إثر حادث الأقصر سنة 1997، كشف الألفي عن أن هناك نقصا في اعداد ضباط الداخلية وضعفا في الإمكانيات المادية والتدريب والتسليح وضعفا في البناء التنظيمي لجهاز الأمن عموما.

قبل الحدث
ملاحظات الألفي كانت قائمة قبل ان يكون وزيرا، والدليل عملية اغتيال السادات، فقد كان ممكنا منع حدوثها، لأن أمر العملية تسرب الى أحد ضباط الداخلية قبل اكثر من ست ساعات من حدوثها، فقد فوجئ احد الضباط بأن عنصرا من الجماعة الاسلامية كان ذلك الضابط اخترقه وجنده لصالح الأمن يذهب إليه في المكتب بمقر أمن الدولة، وكان ذلك فعلا خطيرا يهدد باكتشافه وقتله من قبل الجماعة، خاصة ان الضابط نبهه بألا يفعل ذلك نهائيا.
لكن هذا العنصر كان حضر اجتماعا لمجلس شورى الجماعة الإسلامية وفيه عرضت خطة اغتيال السادات وماذا عليهم القيام به بعد الاغتيال، سارع الضابط بإبلاغ قيادات الداخلية، لكن لم يتم ابلاغ وزير الداخلية الذي كان خارج الاتصال لانشغاله في أمور أخرى، كما لم يتم ابلاغ مدير أمن القاهرة.
وفي الصباح لم يكن أمام ذلك الضابط سوى ان يرسل ضابطا آخر الى المنصة ليبلغ القائمين عليها ويتم اخلاؤها من الرئيس والمحيطين به، لكن لم يسمح له بالدخول، فيما بعد ذكر الضابط الذي رفض السماح له بالدخول انه تصور ان زميله ذلك مجرد “ضابط تافه” يلهث لحضور العرض العسكري.
هذه العقلية وهذا النمط من التفكير لم يتغير أبدا، خاصة مع طريقة اختيار وزير الداخلية وكانت هناك مدرستان: الأولى ان يختار الوزير من الأمن العام فيأتي برجاله وزملائه ليتولوا كل شيء في الوزارة بلا دراية أو دراسة أو يأتي من أمن الدولة فيفعل العكس ويحول كل شيء الى أمن الدولة.
وعلى عكس ما هو شائع بين عامة المصريين، يرى المؤلف أن اللواء أحمد رشدي كان أفشل وزير داخلية في العقود الأخيرة، ذلك أنه لم يتصرف كوزير داخلية، لكن باعتباره مدير أمن القاهرة، فكان ينزل الى الشوارع بنفسه يراقب المرور ــ والأمن ليس المرور فقط وجمهورية مصر ليست منطقة وسط البلد بالعاصمة ــ ولذا نمت الجماعات المتشددة خلال فترته واستكملت هياكلها التنظيمية والتسليح وتدريبها خلال وجوده وزيرا.
والحق أنه على غير المتوقع حدث استرخاء أمني بعد اغتيال السادات ولم تهتم الداخلية بالمجموعات المسلحة. ويلاحظ المؤلف انه تم اخراج قادة هذه الجماعات من السجون ومعظم الذين تورطوا في عملية اغتيال السادات وسمح لهم ــ عمدا ــ بالخروج من مصر، حيث أقاموا تنظيمات هناك وعادوا ثانية سنوات الإرهاب، منهم من كان في افغانستان أو كرواتيا أو السودان وغيرها.

..وبعد الأزمة
وفي النصف الثاني من الثمانينيات سمح للجماعة الاسلامية بالعمل العلني، خاصة في مدن وقرى الصعيد ويرصد المؤلف ان الدولة استعانت بجماعة الإخوان المسلمين كي تخفف من تشدد الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وتحد من تطرفها باعتبار أنها جماعة “نبذت العنف” واستفادت الدولة في تلك الفترة من الإخوان أيضا لكسر شوكة وقوة القوى والأحزاب المدنية خصوصا حزب الوفد والناصريين، وقد شكلا معارضة قوية في الشارع.
ورغم ضعف جهاز الأمن، فإن الدولة اسندت اليه عدة ملفات يتعامل معها وفشل فيها جميعا مثل ملف الأقباط وملف سيناء وملف الإخوان المسلمين.
كان ملف الاقباط في زمن الرئيس عبدالناصر في يد وزارة الأوقاف وبعض الأمور كان هو شخصيا يتصرف فيها، لذا لم تقع حوادث طائفية طوال عهده، ومنذ جاء الرئيس السادات أسند هذا الملف الى وزارة الداخلية وتحديدا قطاع أمن الدولة بالوزارة، لذا ظهرت المشاكل والأزمات وفي بعض الحالات كان التعامل الأمني هو السبب المباشر في وقوع أزمات.
أما بالنسبة لسيناء فالأمر لا يختلف، فقد اصطدم الأمن بالبدو وقبائل سيناء، ولم يدرك رجال الأمن أن التعامل مع المواطنين في الوادي يختلف عنه مع البدو، ومن ثم تولدت معارك ثأرية وصارت سيناء بؤرة للجماعات المتشددة، في شمالها خاصة، وبدا ذلك واضحا منذ عملية طابا سنة 2004 حيث تبين ضعف الأمن وعدم سيطرته على الوضع في سيناء.
وبالنسبة لملف الإخوان فتكرر الأمر نفسه، كان الرئيس السادات قد جعل ملف الإخوان في يديه هو شخصيا وعدد من مستشاريه، لكن الرئيس مبارك قرر أن يستريح من هذا العبء وسلم الملف بالكامل الى وزارة الداخلية وكان مبارك يرى ان الإخوان جماعة لا تميل إلى العنف، لذا سمح لهم بدخول البرلمان على قائمة حزب الوفد.
وظل الأمر كذلك حتى اكتشاف قضية سلسبيل سنــــة 1995 والتي كانت صدمـــة للدولة كلها، فقد كشفت اوراق القضيــة ان الإخـــوان يعملون للسيطرة على الدولة فتغيرت العلاقة لكن الأوان كان قد فات.


الكتاب: الأمن من المنصة إلى الميدان
المؤلف: حمدي البطران
الناشر: دار العين للنشر

اقرأ أيضا