الاتحاد

الملحق الثقافي

الفرد أولاً..

سبع سنوات فقط تبقت على الجائزة البريطانية الأكثر أهمية والإثارة للجدل، لكي تبلغ يوبيلها الذهبي وتدخل إلى عالم الجوائز الكلاسيكية الأدبية العالمية. إنها جائزة المان بوكر، التي أعلن عن قائمتها القصيرة مؤخرا، وسوف يتم إعلان عنوان الرواية الفائزة بها في الخامس عشر من هذا الشهر. الجائزة، وكما هو معروف، انطلقت في لندن عام 1969 بهدف واضح هو الترويج للمنتج الروائي الذي يصدر بالانجليزية بعيدا عن جنسية الروائي نفسه، أو حتى أهميته الثقافية والرمزية والمعنوية بالنسبة للوضع الثقافي في بلاده.
بهذا المعنى، فالجائزة إذ تُمنح لكاتبها بالانجليزية، أي أن تكون أصلا مكتوبة بالانجليزية وجرى نشرها باللغة ذاتها في دار نشر في إحدى الدول الناطقة بالانجليزية، فإنها أيضا تُمنح للناشر الذي يستفيد من هذا الفوز بازدياد مدوّخ في أرقام المبيعات، حتى بصرف النظر عن القيمة الفنية للجائزة.
وشيئا فشيئا، وربما بسبب رواج الرواية بين القراء بالانجليزية أكثر من سواها من أشكال الأدب والفنون الأخرى، فقد أصبحت المان بوكر محط اهتمام الروائي والناشر معا، خاصة في الدول الناطقة بالانجليزية بدءا من كندا في أقصى الشمال إلى أستراليا ونيوزلندا مرورا بالكومنولث كله ودوله التي كانت تتبع التاج البريطاني يوما ما، ذلك التاج الذي أورثها لغته الأم فصارت أما للآخرين أيضا.
إن فتح باب التنافس إلى هذا القوس الواسع من البلدان والكتّاب والناشرين قد خلق نوعا من العالمية للجائزة، إنما بسبب ظروف تتعلق بالتمويل والنشر وأمور أخرى متعلقة بصناعة النشر كانت الجائزة تأخذ مسميات مختلفة إلى أن استقرت على عنوانها النهائي: “المان بوكر” وأصبحت لها تقاليد راسخة في التعامل مع المنتج الروائي بالانجليزية على مستوى العالم.
غير أن اللافت بالنسبة لهذه الجائزة هو أمرين يتعلق الأول منهما بلجنة التحكيم، إذ من غير الممكن أن يكون العضو فيها غير بريطاني، ومع ذلك فهي شديدة التنوع إلى حدّ الغرابة أحيانا، إذ فضلا عن نقاد وأكاديميين متخصصين في الأدب عموما أو الرواية تحديدا وصحفيين من الحقل الصحفي الثقافي في إحدى الصحف البريطانية البريطانية المعروفة، فإنها قد تضم أعضاء أو يرأسها شخص ما يمارس الكتابة، كالمذكرات أو اليوميات أو أدب الرحلات والجاسوسية مثلما حدث قبل سنوات عندما تولت رئيس إحدى أجهزة الجاسوسية البريطانية المتخصصة لجنة التحكيم بعد تقاعدها وتفرغها لكتابة مذكراتها الشخصية ثم انتقالها لكتابة أدب المغامرات أو الجاسوسية، أو أن يكون العضو قادما من حقل بعيد عن أي من الحقول الأدبية على الإطلاق، مثلما حدث هذا العام إذ تضم اللجنة ممثلا.
وهذا التنوع يثير الجدل كلما اقترب موعد الإعلان عن لجائزة، إذ كيف يكون لخمسة من المحكمين قراءة هذا العدد الكبير من الروايات وتصفيتها إلى القائمة الطويلة في البدء، حيث تشترط الجائزة أن تكون الرواية التي تدخل إلى سباق المنافسة من إصدار هذه السنة مثلا أو السنة التي سبقتها، ثم تصفية القائمة الطويلة التي تزيد عن المائة رواية ـ بلغ عددها لهذه السنة المائة وواحد وخمسن عملا روائيا ـ إلى ست روايات سوف تنحبس أنفاس مؤلفيها وناشريها والمنحازين إليها من القراء لأسباب شتى إلى أن يحين الخامس عشر من كل أكتوبر.
هذا الأمر جعلها دائما محطا للنقد والمساءلة، مع ذلك استمرت الجائزة وما زالت مستمرة بل أعلنت إدارتها عن جائزة دولية بالاسم نفسه تمنح مرة كل عامين لرواية منشورة بالانجليزية سواء أكانت مترجمة أم لا، وتمنح عادة مطالع كل عام مع انعقاد معرض دولي للكتاب في أستراليا. يبدو أن لكل جائزة إشكالياتها الخاصة بها مع ذلك فهي تستمر، وفضيلة استمرار أي جائزة من هذا النوع أنها تجعل جمهور القراء على صلة دائمة بمتابعة المنتج الروائي، أو بالأساس دعم صناعة النشر وتوفير نوع من الديمومة لهذا الدعم، بعيدا عن رأي النقاد وكتّاب عروض الكتب في الصحف المرموقة ومقالاتهم المساندة للنتائج أو المختلفة معها، بل إنها تغذى من هذا الجدل بشكل من الأشكال فتنتشر شهرتها على نحو أوسع مثلما هي حال المان بوكر البريطانية.
في أية حال، وبالنسبة للجنة التحكيم، لهذا العام، فهي تضم إلى جانب روبرت ماكفارلين رئيسا وهو كاتب وأكاديمي من مواليد العام 1976، وربما يكون الأصغر سنا من بين رؤساء لجان التحكيم في الجائزة طيلة تاريخها، تضم لجنة التحكيم لهذا العام: كاتب المذكرات واليوميات روبرت دوغلاس، والمحررة وكاتبة المقالة في اليومية البريطانية “الاندبندنت” ناتالي هينيز، والإذاعية في راديو البي بي سي مارثا كيرني، والناقد وكاتب عروض الكتب في المجال غير الأدبي ستيوارت كيلي، فضلا عن وجود نسبة من التحكيم تمنح لجمهور القراء لتصويت عبر الموقع الإلكتروني للجائزة، لكنها معنوية وغير مؤثرة في قرارات لجنة التحكيم عادة.
وإذا كان “المزاج” والذائقة الأدبيين قد ذهبا في سنوات سايقة إلى روايات ذات منحى يعالج تاريخا ما، فرديا أو جمعيا، فإنهما ـ أي المزاج والذائقة ـ الخاصين بلجنة التحكيم الجائزة لهذا العام قد ذهبتا باتجاه آخر. إذ أنه بحسب ما قاله روبرت ماكفرلين لحظة الإعلان عن القائمة القصيرة في العاشر من سبتمبر الماضي، فإن روايات هذا العام التي وصلت إلى القائمة القصيرة شديدة الاختلاف والتنوع سواء على الصعيد الأجيال الأدبية إذ يبلغ الأكبر عمرا من بينهم السابعة والستين فيما الأصغر لم يتجاوز الثامنة والعشرين فحسب، وكذلك على الصعيد الجغرافي، إذ تتمثل كل من نيوزلندا وكندا وزيمبابوي وانجلترا وإيرلندا، أو على صعيد الأفكار التي تناقشها وتطرحها الروايات وتتمحور إجمالا حول مصائر الأفراد والهويات الجمعية والفردية والحراك الحديث في المجتمعات البشرية ما دعا لجنة التحكيم لوصف الجائزة لهذا العام العام بأنها “عولمية” الطابع.
أما الروايات الست المرشحة لعام 21013 فهي: “نحتاج إلى أسماء” لنوفيوليت بولاوايو، و”أجرام سماوية” لإلينور كاتون، و”حصاد” (أو قطيف بمعنى ثمرة جهد) لجيم كريس، و”بلاد واطئة” أو “بلاد منخفضة” لجو مبلاهيري، و”حكاية وقت راهن” لروث أوزكي، و”وصية ميري” لكولم تويبن.
وبحسب الموقع الالكتروني للجائزة فإن “مثل هذا الوقت يكون مثيراً للقلق بالنسبة للجنة التحكيم. لقد جلسوا أمام حشد من مندوبي الصحافة المرئية والمسموعة والمقروءة مثل شركاء فخورين، بحماسة لكن مع ذلك ثمة قلق فيما يتصل بإبداء أي نوع من تجاه وليدهم الذي يظهر لأول مرة. وبشكل طبيعي كانت النتيجة ـ في هذه الحال كانوا جميلين في أعينهم ـ ستة أطفال مكتملي الصحة والعافية، لكن هل هم كذلك رغم أنهم متجعدو الوجوه بعض الشيء في عيون الآخرين؟”.
أيضا: “ومثل شركاء في أكثر من طفل أيضاً، لم يقدروا على إعطاء أي تلميح أو إشارة تنم عن معاملة خاصة لأي من هؤلاء الأطفال حديثي الولادة. فيما لو كان أي من: ميسس ماكفارلين، كيرنيي، دوغلاس فيرهرست، هانس، وكيلي، وهم أعضاء لجنة التحكيم، يحمل أفضلية شخصية تجاه أي من الروايات، وبالتالي سوف لن يفشوا بأي سرّ، للصحفيين، حولها. لذلك أعلنوا عن عناوينها جميعاً بالمعنى الحقيقي للفخر”.
غير أن ما تناقلته الصحف عن هذه الأعمال، ما إن أعلن عن القائمة القصيرة للجائزة، وكذلك على صعيد المراجعات الأدبية التي تخص الرويات قبل ذلك، فقد بدا أن مراجعي الروايات وكاتبي المقالات عنها، والجمهور من متابعي ما كتب أو القراء هم أكثر ميلا إلى الروايتين: “حكاية وقت راهن” التي وصفت بانها ذات “تفكير سحري” أخّاذ ومع ذلك فهو بسيط، وكذلك رواية “نحتاج إلى أسماء” التي قيل عنها بأنها رواية “غير قابلة للنسيان أبدا”.
“حكاية وقت راهن” التي تستند في مرجعيتها الفكرية إلى بوذية الزن كتبتها صاحبتها، الكندية ذات الأصول اليابانية، على طريقة كتابة اليوميات عن شخصيتين لم يلتقيا من قبل، لكنها رواية مكان تتنقل بين البلدان والثقافات وتطرح إشكاليات وقضايا الأفراد الذي يتعارفون ولا يلتقون في الوقت التقني الراهن.
أما الرواية الأخرى “نحتاج إلى أسماء” فقد بدأ كاتب في “الاندبندنت” الحديث عنها، قبل الجائزة بالتساؤل التالي: “كيف يمكن لكاتب أن يروي قصة أمة من المصابين بصدمة نفسية هكذا دون أن يصيبك بكآبة؟” وبالمجمل فإنها رواية تتحدث عن النزلاء والمارقين والعابرين في هذه الحياة مثلما في هذا المكان، أي انجلترا، أكثر مما تتحدث عن قاطنين ومستقرين ومجتمعات ذات تاريخ متواصل.

اقرأ أيضا