الاتحاد

الملحق الثقافي

عولمة عربية

مجموعة من الطلاب يتأملون في محتويات المعرض (تصوير حميد شاهول)

مجموعة من الطلاب يتأملون في محتويات المعرض (تصوير حميد شاهول)

لا يختلف اثنان على أن عملية المثاقفة بين الحضارات والشعوب كانت موجودة على مرّ التاريخ البشري، بوصفها ضرورة من ضرورات العيش الإنساني. ربما تغيرت أسماؤها من حقبة إلى أخرى، ربما تغيرت أولوياتها من حيث الأهداف والوسائل، لكنها كعملية معرفية ظلت تجري بلا توقف.
وعبر تاريخها الطويل عرفت البشرية أشكالاً متنوعة من التثاقف الذي قدمت فيه كل أمة لبنة ما في صرح الحضارة الإنسانية، وأسهمت على نحو ما في إغنائه وإثرائه، وربما تكون فترات "الوفاق الحضاري" إذا جازت لي العبارة أكثر بكثير من فترات "الصراع الحضاري" الذي لم يتأسس ويترسخ بشكل أيديولوجي ممنهج إلا في أيامنا النكدة هذه، حيث برز له منظّرون ومفكرون يضخون في شرايينه دماء العداء والصراع النظري لكي تظل شعلته متأججة، بينما كان في سابقات العصور والدهور تبعاً للمصالح، تذكيه حيناً وتخمده حيناً آخر، بشكل فطري وربما عفوي. وربما كانت البشرية في عصورها القديمة أكثر حكمة في إدارة عملية المثاقفة هذه منا نحن أهل القرن الواحد والعشرين.. وكفى بالجوع والفوارق والحروب المستعرة في مشارق الأرض ومغاربها دليلاً.

شهيـرة أحـمـد

في جوهرها تصدر عملية المثاقفة من رغبة عارمة في معرفة الآخر، اكتشافه، سبر مجاهله الفكرية والعقائدية والثقافية بكل ما يحمله تعريف الثقافة من عناصر ومجالات وحقول، وفي رحلة التعارف هذه تتأثر الثقافات وتؤثر في بعضها البعض، تماماً كما لو أننا أمام جداول صغيرة تصب في النهر الكبير. ولم تكن الثقافة العربية الإسلامية في يوم من الأيام استثناء لهذه القاعدة، أو منعزلة أو منكفئة على ذاتها، بل على العكس تماماً لعلها تمثل واحداً من النماذج الإيجابية المتقدمة للتثاقف، والجذر التاريخي الذي منه بدأت العولمة.. فقد أخذت وأعطت بأريحية تامة وبلا أي تشنجات، لم تحتكر المعرفة ولم تقص الآخر عن ميادينها بل اعتبرت إشاعتها واجباً دينياً مع التشديد على عدم صوابية إخفاء العلم أو الضنّ به على أحد. بهذه الروح الإنسانية طور العلماء والمفكرون العرب والمسلمون علوم السابقين ومعارفهم ثم أضافوا عليها وأتاحوها للحضارة الغربية والإنسانية وهو السلوك الذي تفشل فيه العولمة المعاصرة. وهكذا قدمت إسهاماً معتبراً في الحضارة الإنسانية يقف المرء أمامه حائراً بين شعورين: شعور بالفخر لما قدمه الأسلاف على أكثر من صعيد وشعور بالحزن والأسى على ما يعيشه الأحفاد من تراجع جعلهم مجرد مستهلكين يقتاتون على موائد الحضارة وينتفعون بمنتجاتها من دون أن يكون لهم إسهام نوعي يذكر فيها.
لكن من حسنات المعرض أنه - من حيث لا يقصد - يفتح البصيرة على مفارقة هائلة بين حاضر الأمة وماضيها، ويقدم دروساً في السلوك الحضاري والثقافي قد تغيب عن كثيرين ممن لم يقرأوا النص إلا قراءة حرفية.
من بين ما يبرزه المعرض أن العقم الفكري المتهم به العقل العربي ليس أصلاً بل عرضاً، وليس مكوناً من مكونات هذا العقل بل مرض طارئ، يحتكم للظروف السياسية والمجتمعية والثقافية التي يمر بها الإنسان العربي، فهي التي تدفع صاحبه إلى الإنجاز أو إلى الانكفاء والتراجع. ومنها أيضاً أن الانغلاق لم يكن يوماً من الأيام من سمات الثقافة العربية الإسلامية بل على العكس تماماً، لطالما كان الانفتاح سمتها البارزة، ومنها أن الأمة الحية هي الأمة التي تبدع وتنجز وتضيف إلى الحضارة وتجد لنفسها مقعداً في صفوفها الأولى، وأن الأمم المعطّلة أو الميتة أو التي سرقتها الغيبوبة الحضارية هي التي تكتفي بما قدم الأجداد وتظل تتغزل بهم وتنسى ما هي عليه في الراهن. ومنها - وهذا هو الأهم - أن هؤلاء المبدعين، العلماء، الذين قدموا للبشرية إسهاماتهم المهمة لم يكونوا ليفعلوا ذلك أو ينجحوا فيه لو لم يكونوا أحراراً في تفكيرهم، ويتمتعون بمساحة واسعة من الحرية في البحث والسؤال والاستقصاء والتعبير عن الرأي والفكر من دون خوف.
بالطبع، يطل الشعور بالفخر وتمجيد الذات مع كل مرة يثور فيها الحديث عن الإسهام العربي الإسلامي في الحضارة المعاصرة، وما أكثر الكتب التي ألفت والصفحات التي سودت حول هذا الموضوع، بحيث يصعب القول أن من الصعب أن يؤتى فيه بجديد.. الجديد هو أن هذا الإسهام العربي الإسلامي في الحضارة المعاصرة وجد طريقه إلى قائمة اهتمامات معهد العالم العربي في باريس وجامعة السوربون في أبوظبي من خلال معرض يقام في حرم الجامعة هذه الأيام تحت عنوان “العصر الذهبي للحضارة العربية والإسلامية” ويستمر لغاية الرابع عشر من يناير 2014.

الفكرة.. والفترة
يركز المعرض على الفترة التاريخية الممتدة منذ منتصف القرن الثامن وحتى نهاية القرن الخامس عشر، وهي الفترة الذهبية للحضارة العربية الإسلامية، حيث شهدت حراكاً علمياً وثقافياً متنوع المشارب، برز فيه دور الدين و الترجمة على نحو واسع، وما يمكن أن ينجزا إذا تمت الاستفادة منهما على نحو صحيح على الصعيد الحضاري. فقد حلقت حركة العلم بجناحين: الأول هو الفهم المتنور والحقيقي للقرآن والنصوص الدينية التي تحث على العلم والتدبر والتفكر والتي التقطها العلماء والمفكرون وفهموها بوصفها دعوة لشحذ العقل والذهن وإطلاق الأسئلة وإشاعة ثقافة السؤال والنقد، وارتقوا بها أيما ارتقاء، والثاني هو الترجمة عن اللغات الأخرى، ودرس المتحصل منها ثم إخضاعه للدرس النقدي الذي مكنهم من الإضافة إليها. في تلك الفترة نشأت مجموعات علمية عديدة وانتشرت في مختلف مناطق الدولة الإسلامية، وبدأ يتشكل تراث علمي جديد بالاستفادة من المعارف المحلية، ومن المعرفة العلمية المكتشفة في المخطوطات اليونانية والهندية والفارسية.
كانت البداية في بغداد، ثم سرعان ما انتقلت لتشمل مختلف المدن الرئيسية مثل دمشق والقاهرة والقيروان وسمرقند ومراكش وقرطبة. وبعد أن استوعبت وهضمت القديمة التي نقلت إلى العربية بين نهاية القرن الثامن وبداية العاشر، بدأت تنشأ مبادرات عديدة لدعم كافة الحقول العلمية المعروفة. إلى هنا يظل الأمر عادياً، يحدث في كل وقت ومع كل حضارة، لكن الجديد في مسألة الحضارة العربية الإسلامية أنها لم تحكر على هذا الإنتاج العلمي، ولم تستفرد به من دون الأمم الأخرى.. بل منحته لها على طبق من محبة علمية متفردة، عملاً بالتوجيهات الدينية التي تمنع الاحتكار المعرفي وتدعو إلى نشر العلم والتصدق به. لم يبق هذا الإنتاج العلمي الغني بكثافته والمتنوع بمواضيعه منعزلاً داخل حدود الدولة الإسلامية بل امتد إلى خارجها وإلى العالم كله.. هذه الممارسة العولمية سمحت منذ نهاية القرن العاشر بأن تنتقل المعرفة وتنتشر الآلات العلمية والتقنيات ثم المؤلفات من كل نوع، إما مباشرة أو عن طريق الترجمة. شكلت كل تلك الأدوات المادة الأولية لنهضة العلوم في أوروبا. ومن يتجول في المعرض يقع على مدى القفزة النوعية والفكر المستقبلي الذي كان يحكم من وصفوا هذه الآلات التي يمكن القول إن “الروبوت” أو الإنسان الآلي لم يغادر المبدأ الذي كانت تقوم عليه، وأنه بعد كل هذا الوقت ربما يكون الترجمة العملية لها.

نصوص أحلى من العسل
ينقسم المعرض إلى ثلاثة أقسام، كل منها يأخذ بعين الاعتبار تجهيز المعارف ونشرها، ويولي عنايته لتجربتها وتطبيقها، وهي: قسم السماء والأرض ويعرض العلوم التي ساعدت على المراقبة، والمقاييس، والوصف، وحتى التكهن أي علم التنجيم. قسم الإنسان في بيئته ويقدم العلوم المختصة بالإنسان، وبيئته الطبيعية، بالإضافة إلى العلوم التطبيقية. قسم العلوم والفنون يكشف العلاقات ما بين النظريات العلمية والمزاولات الفنية.
بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على أهمية العلم والمعرفة وضرورة السعي إلى تحصيلهما يبدأ المعرض. تصافح عينا الزائر بعد اللوحة التي تعرف بالمعرض وموضوعه وأهدافه، لوحات كتبت عليها آيات قرآنية تعلي شأن العلم والعلماء: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (سورة المجادلة، آيه 52 )، و “قل ربي زدني علماً” (سورة طه آية 114 )، فيما يشبه نوعاً من إنعاش الذاكرة وتسليط الضوء على الأهمية الاستثنائية التي يحظى بها العلم في الدين الإسلامي، ثم في الحديث النبوي: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، و “اطلبوا العلم ولو في الصين”، ثم يأتي الجذر الثالث وهو ميراث الأمة من أقوال العلماء وآثارهم وتأكيدهم على النظرة النقدية لما يُقرأ، كما يقول ابن الهيثم في كتاب “الشكوك على بطليموس”: “والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحية، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح فيه”، وكما يقول في “كتاب المناظر”: “ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج”.
ومن ذلك أيضاً ما يقول البيروني في “القانون المسعودي”: “وإنما فعلت ما هو واجب على كل إنسان أن يعمله في صناعته من تقبل اجتهاد من تقدمه بالمنة وتصحيح خلل إن عثر عليه بلا حشمة”. أو ما يقوله صاعد الأندلسي في كتاب “طبقات الأمم”: “كان أهل العلم مصابيح الدجى وأعلام الهدى وسادة البشر وخيار الأمم”.
بالطبع، لا مجال هنا لاستعراض الآثار الكثيرة التي تؤكد على أهمية العلم، والتي شاعت في مفردات الحضارة العربية الإسلامية في شتى تمظهراتها: في الخط العربي، والعمارة، والكتب، والصناعات الخزفية والعاجية كما نراه على صحن في نيسابور من القرن العاشر: “العلم أوله مرّ مذاقته، لكن آخره أحلى من العسل”.

علم القدماء
هذه هي المحطة الثانية التي تصافح عيني الزائر وهو يبدأ في جولته بالمعرض، ليكتشف المنزلة الرفيعة التي كانت علوم القدماء تحتلها لدى المفكرين العرب والمسلمين، والحظوة التي يجدها العلماء الذين الذين كانت مؤلفاتهم تساعد على فهم العالم: الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس (القرن الرابع قبل الميلاد)، وعالم الرياضيات والفلك والجغرافيا بطليموس (حوالي 90 إلى 168 )، عالم الرياضيات اليوناني اقليدس (القرن الثالث قبل الميلاد)، ارخميدس (توفي 212 ق.م)، وأبولونيوس (توفي حوالي 180 ق.م)، الأطباء هيبوقراط (460- 377 ق.م)، وجالينوس (القرن الثاني). إلى جانب الإسهامات اليونانية، والهندية، والمصرية، وبلاد ما بين النهرين واللاتينية والعربية وربما الصينية.
ومع فيلم فيديو عن العلوم العربية في عصرها الذهبي يرحل الزائر إلى حقبة مضيئة تركت أثرها في غير مجال من مجالات الحضارة المعاصرة، وربما يدلل على التلاقح الثقافي الذي حدث ذلك الكم الكبير من المصطلحات الفرنسية التي تعود إلى أصول عربية، وقد كتبت باللغتين العربية والفرنسية، ثم تكتمل النظرة بمجموعة من التواريخ التي تشكل علامات فاصلة أو مفصلية في تاريخ العلوم والأحداث السياسية التي أثرت فيها. ومع صورة لمجموعة من العلماء في مكتبة، هي صفحة عن مخطوطة لمقامات الحريري موجودة في المكتبة القومية الفرنسية، يكتشف الزائر مدى شيوع المعرفة في ذلك الزمان. فقد كانت قراءة المخطوطات القديمة أو المعاصرة التي رتبت منبسطة داخل كوات، والتعليق عليها يتم جهراً فيما كانت مكتبات العالم العربي، وأشهرها في بغداد، أماكن معرفة واجتماعات ومناقشات للعلماء...
تتذكر بغداد وآلامها الدموية التي تغتال الحياة كل يوم، ولا تترك متنفساً لا للثقافة ولا لغيرها، وتتذكر حال المكتبات العربية التي تكاد تكون خاوية على عروشها ولا يزورها إلا عدد قليل من الطلاب والباحثين، فتكتم صرخة ملتاعة، وتشيح بطرفك إلى المحطة التي تلي.

الرياضيات.. أيام العز
مع الرياضيات ومع غيرها من العلوم اتبع القائمون على المعرض منهجية ثابتة في العرض: التعريف بالحقل وما كان عليه عند العرب والمسلمين في عصرهم الذهبي هذا، ثم نبذة عن أهم علمائه، ثم عرض لفيلم فيديو يصور واقعه أو يلقي الضوء على مفاهيم أو آلات بعينها، ثم معروضات لمخطوطات أو كتب أو صفحات من كتب مخطوطة اشتهرت في هذا الحقل. في حقل الرياضيات تخبرنا المعلومات التاريخية الموثقة أن العرب استفادوا من موروثات الأمم الأخرى: نقلوا علم الهندسة ونظرية الأعداد من التراث اليوناني. النظام العشري الوضعي مقتبس من الهند، ويرجع قسم من العمليات الحسابية وطرق حل المسائل إلى بلاد ما بين النهرين. لكن هذا لا يلغي إسهامهم على هذا الصعيد، فقد أسهموا في توسيع وإغناء المواد العلمية القديمة مع إضافة نتائج جديدة في علم الهندسة ونظرية الأعداد، ودرسوا خصائص العناصر الجديدة في الرياضيات (الأشكال الهندسية، المعادلات المتعددة الحدود، الخ...)، بالإضافة إلى تطويرهم للطرق التقريبية لتدقيق العمليات الحسابية وحل المعادلات. كما ابتكر علماء الرياضيات العرب والمسلمون معارف جديدة أيضاً مثل الجبر وحساب المثلثات، شكلت علوماً مستقلة بذاتها عن العلوم السابقة، وبعضها الآخر بقي في صيغة أبواب، ينطبق ذلك مثلا على التحليل التوافقي والمربعات السحرية.
ومن قبيل تعزيز المعلومة العلمية بالعملية أو تعضيد الفكر بالصورة البصرية عرضت نماذج لمثلث مخمس الزوايا داخل دائرة حسب ما جاء في “كتاب الأشكال” وهو مؤلَّف مهم في علم الهندسة ليوسف المؤتمن موجود في المكتبة الجامعية في مدينة ليدن السويسرية. تلاها صفحات من مخطوطة كتاب “حل شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه” للحسن بن الهيثم (965-1039) تشرح كيفية بناء مثلث محاط بدائرة معلومة وزواياه مساوية لزوايا مثلث آخر معلوم، كذلك بناء مربع داخل دائرة.
وللأرقام العربية، ولادة ونشأة ونسباً، حضور في حقل الرياضيات، حيث عرضت صور للصيغ التي تطورت بها كتابة الأرقام، ونماذج للترقيم الهندي، والأرقام العربية في الشرق، وشكل الخط في الأندلس والمغرب. ولتوضيح الفوارق أو التقاطعات بين الترقيم الترقيم الأبجدي العربي والترقيم الهندي يبرز الصفر، وهو الذي أعطى لنظام الترقيم الهندي ميزته الوضعية، وهذا يعني انه باستعمال عشرة رموز وبوضع الصفر أينما شئنا في الوضعيات الفارغة، يمكننا كتابة أي عدد مهما كان كبيرا. أما الترقيم الأبجدي العربي فلا يحتوي على الصفر، فهو إذن غير وضعي، بمعنى أينما كانت وضعية الحروف التي تعبر عن رقم معين يمكننا قراءة العدد المكتوب. ورغم أن نظام الترقيم هذا أكثر صعوبة في استخدامه من النظام الهندي لأنه يتطلب ثلاثة أضعاف إضافية من الرموز لكتابة الأعداد، إلا أن علماء الفلك العرب استخدموه لأنه كان يسمح لهم بتحاشي تحويل كل الحسابات والنتائج الفلكية المتراكمة منذ قرون إلى نظام الأرقام الهندي.
لا يبرز فيلم الفيديو القصير الذي يتحدث فيه أحمد عبد الجبار، أستاذ تاريخ الرياضيات في جامعة العلوم والتكنولوجيا في مدينة ليل الفرنسية، أهمية الرياضيات وواقعها وما كانت عليه حالها في الحضارة العربية الإسلامية بالتفصيل، بيد أنه يبرز بفصاحة كبيرة المفارقة الشاسعة بين الحال الزاهية للثقافة العربية الإسلامية في “أيام عزّها” والحال الكابية “أيام انكسارها” وهي حال تخجل أمامها الرياضيات الراهنة التي يعاني العرب مشكلة أبدية معها ومع فهمهما وتعليمها. ثم يأتي عرض صفحة من كتاب “بغية الطلاب في شرح منية الحساب” لـ ابن غازي المكناسي، وهي عبارة عن قصيدة طويلة تنبع أهيمتها من احتوائها على معلومات ثمينة حول الرياضيات قبل القرن الخامس عشر ليؤكد على استمرارية استخدام الرموز الجبرية والحسابية في تدريس الرياضيات. وهو ما تفعله أيضاً صفحة من “كتاب البيان والتذكار في صنعة عمل الغبار” لـعالم الرياضيات والفقيه أبو بكر محمد بن عياش الحصّار، الذي عاش في القرن الثاني عشر. يتناول الكتاب الحسابي النظام العشري الهندي والعمليات الحسابية التقليدية وحل بعض المسائل، وقد دُرِّس في المغرب العربي لغاية القرن الخامس عشر، وترجمه موسى بن تبون إلى العبرية سنة 1271.

علم الفلك
برع العلماء العرب والمسلمون في تلك الفترة في علم الفلك، وطوروه باتباع نهجين أساسيين: الأول كان يهدف إلى حل مشاكل فعلية، لذا تم تطوير العديد من الآلات (الأسطرلابات، المزاول الشمسية) أو حتى ابتكار آلات أخرى (كالأسطرلابات العامة والمزاول الأسطرلابية)، بهدف معرفة الأوقات وإجراء القياسات في السماء أو على الأرض. كما اهتم علم الفلك أيضاً بإيحاد حلول في مسألة توجيه الجوامع وفي توقيت الصلوات الخمس اليومية وفي إمكانية رؤية الهلال. أما بالنسبة للجوانب النظرية فقد اشتملت بشكل أساسي على التحقق من القياسات الموروثة من اليونانيين وتصحيحها ونقد النماذج التي وضعها بطليموس للكواكب والنقاش حول مسألة دوران الأرض حول محورها ووضع المئات من الجداول الفلكية التي تصلح لاستخدامات متعددة. وقد وصلت بعض الإسهامات الفلكية العربية إلى أوروبا عن طريق الترجمة أو حتى بشكل مباشر وقد تمت الاستفادة منها حتى عصر كوبرنيكوس (1473-1543).
تدير روحك في معروضات هذا القسم، تراقب فيلم فيديو يظهر النموذج الذي وضعه العالم نصير الدين الطوسي (1201-1274) المسمى بـ “مزدوجة الطوسي” التي تسمح برسم الأشكال الهندسية المختلفة المحاطة بدائرة، ثم يأخذك فيلم آخر بعنوان “علم الفلك” إلى البعيد النائي في ذاكرة البشرية، بطليموس يطل من خلال النموذج الفلكي الأساسي الذي يستخدم خارج المركز (دائرة عظمى محورها ليس الأرض) وفلك التدوير (دائرة صغيرة تتحرك على اخرى كبيرة).
تتابع الأشكال في دورانها وهي تعرض لك بشكل مقارن رؤية عالمين مبدعين: دوائر بطليموس ومزدوجة الطوسي، فيما رأسك يطنّ بتلك العبارة الأخيرة التي قالها غاليليو قبل أن يقتل “ولكنها تدور”، يعني الأرض. تنقذك من الحزن بعض العبارات التي تؤكد أن العرب عرفوا الفكر النقدي والرؤية النقدية ذات مرة: “انتقد الفلكيون العرب هذا النموذج لأنه ليس له وجود مادي. أما مزدوجة الطوسي فهي عبارة عن نظام هندسي آخر يسمح بنمذجة حركات الكواكب، وذلك باحترام المبادئ المتعارف عليها في ذلك العصر. وهي مؤلفة من دائرتين متماستين داخلياً، قطر الدائرة الكبرى ضعف قطر الصغرى. وفيلم ثالث عن الأسطرلاب يوضح مبدأ تركيب واستعمال الأسطرلاب المسطح، وكيفية استعماله، يتحدث فيه دوني سافوا، مدير قسم علم الفلك وعلم الفيزياء الفلكي في قصر الاكتشاف بباريس.
كما عرضت نماذج من الأسطرلابات؛ الأسطرلاب المسطح من الأمام والخلف، وهو الأكثر استعمالاً ويستند على مبدأ الإسقاط المخروطي الذي لا يحرف الزوايا ويحافظ على إسقاطات الأجرام السماوية، ولا يمكن أن يستخدم إلا عند خط عرض معين. والأسطرلاب ربع الدائري وهو اختصار إلى ربع دائرة للخطوط الرئيسية للإسقاط المخروطي المستعمل لتصميم الأسطرلاب. وهو يسمح بحل مسائل علم الفلك الكروي عبر مزج الهندسة مع حساب المثلثات.
تحدق في صورة لمجموعة من الفلكيين يجرون بعض القياسات بواسطة آلات فلكية متنوعة في مرصد غلاطة الذي أنشأه سليمان القانوني سنة 1557، قرب إسطنبول. وصورة أخرى لمزولة شمسية أسطوانية بسيطة التركيب كانت تسمح بمعرفة أوقات الصلوات الخمس.
ومن فيلم فيديو عن عبد الرحمن الصوفي (903-986 ) صاحب كتاب “صور الكواكب الثابتة”، وهو كتاب افتراضي حقق حسب المخطوطة رقم (2489 Arabe) المحفوظة في المكتبة القومية الفرنسية في باريس.. يمكن للمرء أن يقف على حجم التعقيد والدقة اللتان وصل إليهما هذا العلم، ففي كتابه هذا يأخذ الصوفي 1017 نجمة من كتاب المجسطي لبطليموس، يحدد مواقع كل منها، أبعادها وموضعها في المجموعات الفلكية. كما يظهر رسمان متناظران يمثلان كل مجموعة فلكية كما نراها في السماء أو كما تعرض على الكرة الفلكية، وكأننا نراها من خارجها. هذا الكتاب الشهير، نسخ لغاية القرن الثامن عشر.
للصوفي أيضاً عرضت نسخة من كتابه الموسوم بـ “كتاب في العمل بالأسطرلاب” عن مخطوطة موجودة في مكتبة توب كابي سراي في إسطنبول. والصوفي عمل صفيحة ساعاتها مقسمة مثل تقسيم الأسطرلاب إذا كان مربع الظل معمولاً على الأسطرلاب.
وفي الفلك نجم آخر هو البتاني (ت. 929) صاحب كتاب “الزيج الجامع في حساب النجوم”، والبتاني اكتشف أن إرصاد بطليموس المتعلقة بميلان محور الكرة الأرضية (فلك البروج) خاطئة، فعمل على تحديد قيمة حسابية لهذا المحور 23ْ - 30 بالنسبة لخط الاستواء، قيمة لا تزال تستخدم في الكتب الحديثة، كما كان لهذا الاكتشاف تأثير هام على علم الفلك في الشرق والغرب.

«كذب المنجمون».. وانتشروا
في قسم التنجيم تأخذك جماليات الصور ودلالاتها إلى منقطة تصوُّر ذهنية مختلفة؛ هنا ترى رجلا عجوزاً ملتحياً يحمل فأساً يرمز إلى زحل، ويجلس على ثور، و تشاهد كوكب الزهرة بصورة امرأة تجلس على الأرض وتعزف على عود، والمريخ في هيئة محارب، والمشتري في هيئة فقيه، وعطارد في هيئة كاتب... كل ذلك في صورة رائعة مكبرة عن صفحة من صفحات كتاب أبو معشر البلخي (ت. 688) وهو من اكبر علماء التنجيم في التراث العربي. ترجمت كتاباته بصورة واسعة في الغرب حيث اشتهر منذ القرون الوسطى باسم ألبوماسار. وإلى جانبها صورة من مخطوطة كتاب والمخطوطة تكرس ترجمة يوحنا الاشبيلي في القرن الثاني عشر لكتاب أبو معشر “أحكام تحويل سني المواليد”.
ويبدو أن علم التنجيم كان صعب المراس، لا يعترف بالهزيمة ولا يقبل إلا بمكانة مميزة ، فعلى الرغم من اعتباره علماً ممنوعا، كان التنجيم عند العرب يعتبر علماً يتمتع بالأهمية ذاتها التي تتمتع بها باقي العلوم التي تمارس في الدولة الإسلامية. وكان التنجيم علماً بالفعل فيما يخص الأدوات الرياضية والفلكية التي يستخدمها، لكنه كان يرتكز على فرضية لم تكن مقبولة من علماء الدين ولا من الفلاسفة ولا من عدد كبير من رجال الفكر. تؤكد هذه الفرضية أن كل كائن حي على وجه الأرض يخضع، منذ ولادته، لتأثير حركة النجوم والكواكب، وبالتالي يمكن أن تسمح معرفة الوقائع السماوية بالتنبؤ بمستقبل الأفراد والمجموعات والحكام. ومع كل التحفظات التي تتصل به، وموقف الرافضين له، لاقى التنجيم نجاحاً مستمراً في الدولة الإسلامية (كما في كل مجتمعات ذلك العصر) ولعل مردّ ذلك إلى ولع الإنسان بمعرفة المجهول وقلق الإنسان الوجودي من جهة الغيب والمستقبل وما يحمله له. التنجيم كان أيضاً أداة سياسية بيد مختلف السلطات الحاكمة، ربما لهذا السبب انتشر المنجمون رغم كذبهم، وما ترجمة عدد اكبر من مؤلفات علم التنجيم بالنسبة لمؤلفات علم الفلك من العربية إلى اللاتينية إلا برهان إضافي على أهمية هذا الحقل وتأثيره.

سحر «الميقات»
مثل سابقه، يهديك علم الميقات إبداعات جميلة تستثير مكامن السحرية في دواخلك. هنا أيضاً ما يشبه حكايات ألف ليلة وليلة لكنها حكايات علمية، حقيقية ترويها آلات ذاتية الحركة، ذكية ومقعدة. تحدق في فيلم فيديو يعرض نموذجاً لـ “الساعة المائية والغزلان” تمت إعادة إنشائه حسب شرح المرادي في كتابه “الأسرار في نتائج الأفكار” ، القرن الحادي عشر، فترى نساء وغزلانا وثعابين. والنموذج عبارة عن آلة ذاتية الحركة، تستعمل الطاقة المائية بالإضافة إلى جهاز آلي يستعمل الزئبق. كفتا الميزان تمتلئان بالماء بالتعاقب وينتج عنها ذبذبات تقوم بتحريك شكلين بصورة امرأتين تخرج كل منهما من فتحة، بينما نرى أربعة غزلان تشرب، ثم يخرج عبد من بئر ويختفي عندما تظهر ثلاثة ثعابين. تقرأ ما كتب عن هذا العلم: يجمع علم الميقات كل التجارب التي تهدف إلى معرفة الوقت بطريقة علمية، وبالأخص مواقيت الصلوات الخمس. كان تحديد الصلوات، منذ ظهور الإسلام ولغاية القرن التاسع، يعتمد على امتداد الظل لرأس عود عمودي (مزولة شمسية)، ذلك لأوقات الظهر والعصر، وأيضا بمراقبة مواقع النجوم ليلا. أما الأدوات التي استخدمت فهي الجداول الفلكية (الأزياج) المبنية على حساب المثلثات والتي كان الخوارزمي (ت. 850) أول من وضعها. وفي القرن التاسع، وصف الفلكيون طريقة تسمح بمعرفة ساعات النهار والليل، وذلك باستعمال الأسطرلاب والزيح المجيَّب، ثم أعدت لاحقا آلات عامة يمكن استعمالها في كل المناطق. وابتداء من من القرن الثالث عشر، عين في بعض المساجد موقتون، وهم الأشخاص المكلفون بتحديد مواقيت الصلاة، ومارس الفلكي الشهير ابن الشاطر (القرن الرابع عشر) هذه الوظيفة في المسجد الأموي في دمشق.
وتشرح لك مخطوطة كتاب “إرشاد الحائر إلى تخطيط فضل الدائر” لصاحبه شهاب الدين ابن المجدي (ت. 1447) وهو من أواخر علماء الرياضيات المصريين المشهورين، رسم خطوط الساعات التي يجب أن تظهر على المزاول الشمسية الأفقية أو العمودية أو المائلة. ثم تقف أمام صفحة من مخطوطة كتاب “الزيج المأموني الممتحن” لصاحبه يحيى بن أبي منصور (ت. 831) لتكتشف سرّ مسير النيرين لساعة مستوية وجدول السموت لمعرفة كسوف الشمس.

الجغرافيا
عديدة وكثيرة هي الكتب التي تركها العرب والمسلمون في حقل الجغرافيا، وكثيرة هي أسماء الأعلام أيضاً في هذا المجال، لكن “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” للإدريسي تشبه ناراً على علم، هنا، يمكن لك أن ترى الكتاب الذي لطالما سعدت بقراءته ورقياً، وسرحت وراء كلماته في مشارق الأرض ومغاربها، ونزلت منازل نزلها مؤلفه ، مجسداً في فيلم فيديو حقق حسب المخطوطة المحفوظة في المكتبة القومية الفرنسية. ولا بأس في شيء من الشرح يذكر بهذا المؤلف الكبير الذي أنهاه صاحبه عام 1154، بتكليف من ملك صقلية روجر الثاني. قسم الإدريسي، وطبقاً للتقليد البطليموسي، الأرض إلى سبعة أفاليم، كل منها ينقسم إلى عشرة أجزاء، يصفها الكاتب ويعطي خريطة عنها باتجاه الجنوب لا باتجاه الشمال. وبجمع الـ 70 خريطة نحصل على خريطة مستطيلة للعالم. أما النسخة المعروضة فتحتوي على وصف لأربعة أقاليم و 37 خريطة.
لكن الإدريسي وابن حوقل ليسا كل نجاحات الجغرافيا العربية، فقد اتسعت رقعة الاهتمام بالجغرافيا عند العرب لتلبي حاجات المجتمع الجديد، حيث تطلب توسع أراضي الدولة الإسلامية معرفة جغرافية أفضل بمختلف المناطق، وتوزعت النشاطات الجغرافية (التي تشكلت بالاستناد على بعض العناصر الهامة من التراث اليوناني (كتابات مارينوس وبطليموس) على ثلاثة حقول هي: الجغرافية الوصفية وأدب الرحلات ورسم الخرائط. ويختص الحقل الأول بالإطار المعيشي للشعوب المنضوية تحت راية الدولة الإسلامية ونشاطاتها الاجتماعية – الاقتصادية ومعتقداتها وثقافاتها. وهي نفس الموضوعات التي يهتم بها الحقل الثاني لكن بشكل أدبي (أدب الرحلات)، فيما يتميز الحقل الثالث بأنه أكثر تقنية لأنه يهتم بوضع الخرائط (خرائط العالم والخرائط الموضحة لاتجاه القبلة والخرائط البحرية)، وهنا تبرز أسماء الخوارزمي والاسطخري وابن حوقل والإدريسي وغيرهم...
تقول الصور عادة أضعاف ما تقول الكلمات. في صورة لخريطة العالم مأخوذة من كتاب “المسالك والممالك” لابن حوقل تبرز الدقة التي وصل إليها هذا العلم والإبداع الذي اشتغلوا به خرائطهم. في الطب حدث ولا حرج، فقد ابدع المسلمون على الصعيدين النظري والعملي. ومهما قيل في هذا الشأن أو عرض من مخترعات فلا يعدو قطرة من بحر زاخر وعميق. أول مستشفى في العالم تم إنشاءه في عهد الوليد بن عبد الملك في دمشق عام 88 هـ (706 م)، وأول مدارس للطب الإسلامي أنشئت في العصر العباسي وكانت هذه المدارس تعتمد على المنهج النظري والتطبيقي في نفس الوقت. وكان الطلاب يجلسون للامتحان وبعد نجاحهم يؤدون قسم اليمين، وبعد ذلك يمنحون الشهادة الطبية التي تؤهلهم لممارسة مهنة الطب، وخلال حياتهم العملية يكونون تحت رقابة الدولة. وشهد ذلك الوقت أطباء عظام مثل أبو بكر الرازي المتوفى عام 321 هـ الذي اهتم بالطب التجريبي، وحنين بن إسحاق العبادى وغيرهم مئات الأطباء الذين عرفوا الأمراض وشخصوها ووصفوا لها العلاج ومن ذلك داء الجدري والحصبة والصرع والتشنج وأمراض العيون والانف والحنجرة واستطاعوا فحص النبض والتنفس والقلب، وعلى يد الطبيب العربي علي بن عباس الأهوازي عرف العالم حقائق حركة الرحم عند المرأة وعن حركة القلب والشرايين وحقائق عن داء الدرن وتشخيص داء السرطان والعمليات الجراحية وإخراج الحصاة واستئصال اللوزتين وعن طريق ابن سينا عرف العصر العباسي داء السكتة الدماغية واحتقان الدماغ وعلاج الأمراض العصبية والاضطرابات النفسية والتهاب السحايا. كما درس ابن سينا شلل الوجه وطرق العدوى لداء السل الرئوي والأمراض التناسلية والتعرف على أسباب العقم عند الرجال والنساء وأشار إلى أن الجراحة هي السبيل الوحيد لعلاج الأورام الخبيثة. وهناك الطبيب عبد اللطيف البغدادي الذي جاء بآراء تعارض آراء جالينوس في التشريح كما اثبت أن الفك الأسفل للإنسان يتكون من قطعة واحدة .
ويمكن القول إن الطب من أكثر الحقول العلمية والمعرفية التي استفادت منها الحضارة الأوروبية الحديثة من الحضارة العربية الإسلامية، سواء على صعيد النظريات أو العلاج أو المستشفيات. لقد كان الإسهام الرئيس للكتاب العرب والمسلمين في تنظيم المعرفة الطبية في هيكلية متجانسة. كانوا يعرفون الطب على أنه علم من جهة، فهو يستخدم لغة البرهان لتبيان ترابط الأسباب والنتائج، وعلى أنه فن، من جهة أخرى، قادر على التلاؤم مع الظروف الخاصة الناشئة عن الممارسة. ولعل المستشفيات هي افضل دليل على هذا الرسوخ العملي والنظري على حد سواء. فقد كانت أماكن معاينة للتحقق مما يقال في الكتب وتعديله عند الحاجة إن على صعيد الأمراض أو العلاجات، فضلاً عن كونها أماكن لعلاج المرضى. لم يكن الطب في كل مكان كما هو مشروح في كتب العلماء، أحياناً كان يتولى العلاج أناس يستخدمون الطرق التجريبية والتقليدية.
مع فيلم فيديو عن المستشفيات والطب، تقع على ابن النفيس المتوفى 1288 الذي وصف بدقة، وللمرة الأولى الدورة الدموية الصغرى: “الدورة الدموية الصغرى أو الدورة الرئية: من بطين القلب الأيمن، الدم يتدفق إلى الرئة حيث يحمل الأوكسجين، ثم يمر في البطين الأيسر من خلال الشريان الوريدي”. ومن خلال فيلم فيديو آخر تتعرف على الطب المنصوري من خلال كتابه “في التشريح”، وما يعرض لك كتاب افتراضي حقق حسب المخطوط المحفوظ في المكتبة القومية الفرنسية في باريس. أنهى المنصور كتابه في التشريح عام 1396 وكان من اكثر الكتب الطبية باللغة الفارسية انتشارا. كما انه أول كتاب في التشريح عند المسلمين، يحتوي على رسومات تحتل كامل الصفحة، تظهر على التوالي الهيكل العظمي والأعصاب والعضلات والأوردة والشرايين. كما خصص الفصل الأخير للأعضاء المعقدة ولتكوين الجنين. تقلب نظرك في نموذج لصفحة من كتاب “في المواد الطبية لدسقوريدس” نسخها عبد الله بن الفضل، وتمثل نقاشاً بين ثلاثة أطباء، لتستدل على أن النقاش كان رائجاً أو نهجاً شائعاً بين الأطباء لتبادل وجهات النظر التي لم تكن تخلو من الخلافات العلمية. ثم تقع على صورة طبيب يجس نبض مريضه وهي غلاف كتاب “القانون في الطب” لابن سينا، الكتاب الأشهر في هذا الحقل، وأكثر مؤلفات ابن سينا أهمية، حرره بين 1012-1024 . ورغم أنه ألف 276 كتاباً إلا أن الغالبية العظمى من الناس لا تعرف سوى “القانون في الطب” الذي وصفه بعض المستشرقين بأنه أشهر كتاب في الطب. ويعد هذا الكتاب مرجعا فريدا لكونه يحتوي على المعلومات الطبية التي تطورت خلال حضارات الأمم السابقة وحتى زمن ابن سينا.
يتألف كتاب القانون من خمسة كتب، يبحث الكتاب الأول في تعريف الطب ويشرح أغراضه، ويتكلم عن الأمزجة والأخلاط وتشريح الجسم ووظائف الأعضاء. أما الكتاب الثاني فهو خاص بعلم العقاقير. في الكتاب الثالث يتحدث ابن سينا عن الأمراض التي تصيب أعضاء الجسم كلها مع ذكر أسبابها وعلاجاتها. الكتاب الرابع يتحدث عن مواضيع مختلفة، كالحميات والكسور والخلوع والسموم ومضاداتها. الكتاب الخامس والأخير يبحث في الأدوية المركبة أو ما كان يعرف بالأقرباذين.
من الكتاب الرابع خصص ابن سينا أربع مقالات للحديث عن الزينة وأدويتها. فالمقالة الأولى تشمل أحوال الشعر والحزاز، في حين تحدث ابن سينا في المقالة الثانية عن أحوال الجلد من جهة اللون، أما المقالة الثالثة فتتعرض لأمراض الجلد المختلفة وعلاجاتها. المقالة الرابعة تتحدث عن أدوية الزينة المستخدمة في سائر البدن والأطراف. وينقلك مجسم لآلة ذاتية الحركة لقياس كمية دم الفصاد، حسب كتاب “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل” للجزري المتوفى 1206، وكان اللجوء إلى فصد الدم هو الطريقة العادية في العملية الجراحية. وفي كتابه هذا يصف الجزري (القرن الثاني عشر) آلة ذاتية الحركة تستطيع قياس كمية الدم المسحوبة خلال عملية الفصد، مع حد أقصى من 400- 500 غرام، مع نظام ثقالة تحرك تمثال شخص جالس، وبواسطة مؤشر، تدل على الكمية المكتوبة على المينا المقابل له.
تتوالى الحقول لتقف على إسهامات العرب والمسلمين في علم الجراحة والصيدلة والكيمياء وغيرها مما سنأخذك إليه في جولة أخرى في العدد المقبل.

اقرأ أيضا