الاتحاد

عربي ودولي

صعود وهبوط المحاكم الإسلامية في الصومال

أديس أبابا - خاص الاتحاد

من الواضح أن القوى الدولية والإقليمية قررت التحالف والتعاون للقضاء على ظاهرة المحاكم الإسلامية في الصومال بشكل جذري، تحت دعاوى محاربة الإرهاب· ومثلما صعد نجم هذه المحاكم في منطقة القرن الأفريقي خلال فترة زمنية وجيزة، كان السقوط مفاجأة لكل المراقبين، وكان سقوطا سريعا أربك حسابات كل المهتمين بالشأن الصومالي، كما أدى تقهقرها إلى فتح شهية الولايات المتحدة الأميركية للدخول إلى ساحة المعركة وتصفية حساباتها بشكل مباشر بعد أن كانت تعتمد في ذلك على حلفائها من لوردات الحرب الأهلية والحكومة الانتقالية وحكومة ملس زيناوي في إثيوبيا·
وحتى الآن لم تتكشف الأسباب وراء السقوط السريع لقوات المحاكم الإسلامية، خاصة وان معظم المراقبين كانوا يتوقعون أن تستمر المعارك المباشرة وغير المباشرة بين المحاكم وقوات الحكومة الصومالية الانتقالية المدعومة من الجيش الإثيوبي لفترة طويلة من الزمن· ومع أن الفارق التسليحي والتنظيمي كبير بين المحاكم والجيش الإثيوبي النظامي كان معروفا لكل المراقبين، إلا أن التوقعات كانت تشير إلى أن الجيش الإثيوبي سيتكبد خسائر كبيرة في ظل العداء التاريخي بين الدولتين الجارتين بسبب الصراع حول إقليم الاوجادين الذي فرضت إثيوبيا سيطرتها عليه، بينما يؤكد الصوماليون انه جزء من بلادهم، وكان الاعتقاد أن هذا العداء سيصب في مصلحة مقاتلي المحاكم وسيهيئ لهم الدعم الشعبي وحرية الحركة في أنحاء البلاد لمقاومة القوات الإثيوبية!
قادة المحاكم قبل اختفائهم أعلنوا أنهم غيّروا من استراتيجيتهم في مقاومة الجيش الإثيوبي، إلا أن الاستراتيجية الجديدة والتي صرّح بعضهم بأنها ستكون عبارة عن حرب عصابات لم تظهر للعلن بشكل مؤثر، وذلك إذا استثنينا بعض العمليات العسكرية الخجولة ضد الجيش الإثيوبي في منطقة ''جيليب'' والعاصمة مقديشو، بل إن المظاهرات والرفض الشعبي العفوي للوجود الإثيوبي في مقديشو كان أكثر تأثيرا من العمليات العسكرية·
قصة الصعود
تأسس اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال في مقديشو في يوليو من العام ،2004 قد ضمّ وقتها تسع محاكم إسلامية منبثقة من القبائل التي تعيش في العاصمة، ولكن نجم اتحاد المحاكم الإسلامية بدأ في الصعود بعد أن تمكن من فرض سيطرته على مقديشو في يونيو من العام الماضي ،2006 وطرد جميع زعماء الحرب الصوماليين الذين شكلوا تحالفاً باسم (تحالف إعادة السلام ومحاربة الإرهاب)· ويؤكد المراقبون أن الولايات المتحدة الأميركية كانت الراعية والداعمة لهذا التحالف بالمال والسلاح للجم المحاكم في بداية الطريق· وتمكنت قوات المحاكم الإسلامية بعد أن سيطرت على مقديشو من الزحف على معظم المدن والقرى الصومالية خاصة في جنوب ووسط البلاد، وحشرت حكومة الرئيس عبدالله يوسف ومناصريه في زاوية ضيقة في مدينة ''بيداوا'' القريبة من الحدود مع إثيوبيا· وقد كان واضحاً أن معظم سكان المدن والقرى الصومالية استجابوا لسلطة المحاكم طواعية ودون مقاومة، وفي حالات قليلة شهد تمددهم قتالا محدودا، وخلال أشهر كانت المحاكم الإسلامية تسيطر على نحو 80 في المائة من مجمل الأراضي الصومالية·
ساهم في تمدد نفوذ المحاكم نجاحها في فرض القوانين الإسلامية، وإعادة الاستقرار والهدوء إلى العديد من المدن والمناطق التي وقعت تحت سيطرتها، وقد عاشت العاصمة مقديشو لأول مرة منذ سقوط الرئيس السابق محمد سياد بري في 1991 فترة من الهدوء والسلام، والغريب أن السيدة ''جينداي فريزر'' مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية اعترفت صراحة بنجاح المحاكم في إشاعة الاستقرار في مقديشو، وأعلنت ''فريزر'' في تصريحات صحفية في أعقاب الغزو الإثيوبي، أن بلادها لا تمانع في إشراك القادة المعتدلين من اتحاد المحاكم الإسلامية في السلطة الجديدة في الصومال للاستفادة من خبرتهم التي تجلت في إدارة مقديشو في الفترة الماضية والتي شهدت استقرارا'' غير مسبوق منذ سقوط الرئيس برّي·
النسخة ''الطالبانية''
ويرى المراقبون أن قادة المحاكم ينقسمون إلى فئتين، الأولى تعتبر معتدلة يقودها رئيس المكتب التنفيذي للمحاكم الشيخ شريف الشيخ أحمد بينما يقود المجموعة المتشددة الشيخ ''حسن ضاهر عويس'' المدرج في قائمتي الولايات المتحدة والأمم المتحدة للإرهاب، بحجة أن له صلة بالتفجيرات التي استهدفت سفارتي الولايات المتحدة الأميركية في نيروبي ودار السلام وتدمير فندق يملكه إسرائيلي في مدينة ممبسا الكينية·
وقد أثارت إمكانية فرض المحاكم لسلطتها على كل الصومال مخاوف إقليمية ودولية، فجيران الصومال خاصة إثيوبيا وكينيا اعتبروا أن وجود نظام إسلامي متشدد على شاكلة نظام طالبان في أفغانستان سيشكل تهديدا قوياً لاستقرار كل منطقة القرن الأفريقي· وقد أعلنت إثيوبيا صراحة أن وجود نظام المحاكم يهدد أمنها واستقرارها، بينما قالت كينيا إنها لن تسمح بسقوط حكومة الرئيس عبدالله يوسف التي تشكلت في نيروبي، أما الولايات المتحدة الأميركية مع حلفائها الأوروبيين فقد دعموا المواقف الإقليمية المعادية للمحاكم، بل إن العديد من المراقبين يشيرون إلى أن أمريكا وحلفاءها أعطوا الضوء الأخضر للحكومة الإثيوبية لغزو الصومال وتدمير سلطة المحاكم وتنصيب الحكومة الانتقالية وهو ما قد يفسر صمت المجتمع الدولي من العملية العسكرية الإثيوبية·
ومن المفارقات الغريبة أن المحاكم الإسلامية أعلنت معارضتها لحكومة الرئيس عبدالله يوسف منذ تشكيلها في نيروبي في العام 2005 واتهمتها صراحة بالعمالة لإثيوبيا وكينيا وأنها ستسعى لإثارة الفتنة والحرب في البلاد إلا أن المحاكم في وقت لاحق خففت من معارضتها للحكومة الانتقالية وتفاوضت معها في الخرطوم برعاية جامعة الدول العربية ولكن المحادثات لم تحرز تقدماً، واصطدمت بعقبة انتشار قوات أفريقية لحفظ السلام، حيث أعلن قادة المحاكم رفضهم القطعي لانتشار أي قوات أجنبية· حلفاء حكومة الرئيس عبدالله يوسف معروفون للجميع ولا يخفون دعمهم ومساندتهم لها، أما حلفاء المحاكم فمعظمهم مجهولون ويتحركون في الخفاء خوفاً من الغضب الأميركي، وقد كشف تقرير لمنظمة الأمم المتحدة تم نشره في وقت سابق أن المحاكم الإسلامية تلقت دعماً مباشراً من دول جيبوتي ومصر وإريتريا وإيران وليبيا والسعودية وسوريا وحزب الله في لبنان، كما دعمها رجال الأعمال الصوماليون· مع أن سلطة المحاكم الإسلامية قد سقطت في الصومال، ومن المستبعد أن تعود إلى السلطة في المدى المنظور، إلا أن الجيش الإثيوبي والقوات الأميركية المرابطة في منطقة القرن الأفريقي وكينيا ما زالت تواصل حربها الشرسة ضد فلولها الهاربة والباحثة عن ملجأ بعد أن تشتتت في قرى وجبال جنوب الصومال بالقرب من الحدود مع كينيا، ولا تزال القاذفات الأميركية والطيران الحربي الإثيوبي يواصلان قصفهما العنيف على كل المناطق التي يعتقد أن قوات المحاكم تحصنت فيها، بل إن الحكومة الكينية رفضت دخول اللاجئين الصوماليين من النساء والأطفال الفارين من القصف، بحجة أن هؤلاء أسر زعماء المحاكم الإسلامية، كأنما تتخوف أمريكا وحلفاؤها من عودة المحاكم من تحت الرماد·

اقرأ أيضا

انطلاق قافلة جديدة تقل 1500 مهاجر من المكسيك باتجاه أميركا