الاتحاد

عربي ودولي

"العالم امرأة" .. جاكي ساندرز

السعد عمر المنهالي:

عندما يغيب الأمن وتعم الفوضى تنهار الدولة، فتصبح كالجيفة يتلقفها الجوارح كالنسر الأسود الذي اعتاد هذا النوع من الغذاء، وفي الصومال التي عادت إلى عصر ما قبل الدولة عاث أمراء الحرب وزعماء العشائر في ربوعها ناشرين فوضاهم القاتلة، تاركين المجال للنسر الأسود يحلق عاليا، منتظرا ساعة انقضاضه على فريسة لم يرهق نفسه في الإجهاز عليها·
وفي البلاد التي قرر مؤسسوها اتخاذ هذا النسر شعارا لهم، أكدت ممثلتها في مجلس الأمن ''جاكي ساندرز'' الدبلوماسية الأميركية، على أن نسرها سيظل محلقا عاليا في كافة أرجاء العالم لتنفيذ مخططه في متابعة وضع الإرهابيين بلا كلل، قائلة في أعقاب حضورها الجلسة المغلقة التي عقدها مجلس الأمن في الحادي عشر من يناير الجاري 2007 -للوقوف على الغارات الجوية التي شنتها بلادها على الصومال- ''إن متابعة وضع تنظيم القاعدة والإرهابيين في كافة أرجاء العالم أمر نخطط لتنفيذه وسوف نستمر فيه''·
وبالرغم من تأكيدات الدبلوماسية ''جاكي ساندرز''، أن الغارات الجوية الأميركية استهدفت زعماء رفيعي المستوى من تنظيم القاعدة متورطين في تفجير سفارتي بلادها في كينيا وتنازانيا عام ،1998 إلا أن ما أعلنته بعض المنظمات الإنسانية البريطانية يؤكد أن الأهداف التي قصفت بالغارة أصابت رعاة من المدنيين وقطعانهم ومناطق حيوية للمياه، الأمر الذي يشير الى أن النسر الأسود تنتظره وليمة كبيرة·
السيادة ·· أخيراً
صمت مجلس الأمن الدولي إزاء الغارات الأميركية على الصومال، ولم يخرج رغم اجتماعه لأكثر عن مرة ببيان، فقد برر دبلوماسيو الدول الدائمة العضوية في المجلس صمتهم، أن الغارة الأميركية جاءت بطلب الحكومة الصومالية الانتقالية، وأن أي تعليق في هذا الشأن يعد ''تدخلا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة''·
يبدو حتى الآن أن هناك مصطلحات أساسية تعاني فوضى براجماتية داخل المؤسسة الأممية، وهو ما يجعل ممثلي الدول الدائمة العضوية يعانون حرجا مستمرا أمام الرأي العام العالمي، في حين لا يملك مفتاح حل هذه التعريفات سوى الأميركيين، وهو ما أكد عليه أحد الدبلوماسيين في تعليقه على الغارات بقوله الذي تناقلته وكالات الأنباء بأنه ''طالما تقوم الولايات المتحدة ''بأعمال التنظيف'' ضد تنظيم القاعدة فلن يتجرأ أحد على معارضة ذلك''·
ولذا فإن إعلان ''جاكي ساندرز'' باستمرارية بلادها في حربها ضد الإرهابيين في العالم، يجعلنا نتوقع حالات صمت أكثر عمقا في المستقبل·
ممثلة الرئيس
والدبلوماسية الأميركية التي اختارها البيت الأبيض لتوضيح هذه الحقيقة للعالم، هي ''جاكي ولكوت ساندرز'' من مواطني ولاية فرجينيا الأميركية وخريجة إحدى جامعات ''أوهايو''· شغلت ''جاكي'' ولسنوات طويلة العمل السياسي، ومن المناصب التي تقلدتها نائبة لرئيس المنتدى السياسي الوطني ومجلس خبراء واشنطن· وفي عام 1984 عملت مساعدة خاصة في وزارة الخارجية لشؤون الكونجرس في مكتب الشرق الأدنى وجنوب آسيا، وبعد عام انتقلت للعمل من الوزارة مع البيت الأبيض الأمر الذي أهلها فيما بعد للعمل في مكتب الأمن القومي، ثم مساعدة لنائب وزير الخارجية منذ عام 1991 وحتى عام ،1993 في فترة إدارة الرئيس الأميركي ''جورج بوش'' الأب·
عادت ''جاكي ولكوت ساندرز'' للظهور مجددا مع عودة المحافظين للبيت الأبيض، ففي عام 2001 عينت نائبة لمساعد وزير الخارجية في مكتب شؤون الأمم المتحدة، وأنيطت بها مسؤولية تطوير السياسة الخارجية والمفاوضات المتعددة الأطراف ضمن نظام الأمم المتحدة· وفي ديسمبر عام 2003 عينها الرئيس الأميركي ''جورج بوش'' سفيرة لبلاده في المؤتمر الدولي لنزع السلاح في جنيف، ومبعوثة الرئيس لحظر انتشار أسلحة الدمار النووية·
استطاعت السفيرة ''جاكي ساندرز'' أن تمثل بلادها بطريقة لاقت استحسان الإدارة الأميركية، خاصة بعد النجاح الذي حققته لبلادها في المؤتمر الذي عقد لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة عام ،2005 وقد توج هذا النجاح عندما قبل مجلس الشيوخ الأميركي ترشيح الرئيس ''جورج بوش'' لها في فبراير من العام الماضي 2006 لتصبح سفيرة بلادها لدى الأمم المتحدة للشؤون السياسية، وتتضمن مهام هذا المنصب تمثيل بلادها في القضايا السياسية التي يتناولها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة·
ظلت ''جاكي ساندرز'' -كما ذكر سابقا- منكبة لثلاث سنوات كاملة بمكتب في وزارة الخارجية الأميركية تعمل على تطوير سياسة بلادها الخارجية التفاوضية داخل الأمم المتحدة، غير أنها على ما يبدو لم تجد نفسها ملزمة لاستخدام خبرتها تلك في إقناع أعضاء مجلس الأمن بموقف بلادها، خاصة وأن حجة ملاحقة أعضاء تنظيم القاعدة هدف لا يستدعي التفسير· ولكن هل بالفعل لا يحتاج الأمر إلى تفسير؟!
خيبة قديمة
لم تكن ''جاكي ساندرز'' في الفترة التي لقيت فيها الولايات المتحدة الأميركية أكثر الضربات إيلاما لها في الصومال بعيدة عن مراكز صنع القرار الأميركي، قد كانت تعمل في ذلك الوقت مساعدة لنائب وزير الخارجية عام ،1993 ولعلها قد تكون أكثر عن غيرها على إدراك تام بأن بلادها قد تعلمت الكثير من التجربة السابقة في الصومال، وأن استخدام قوات محلية صومالية أو إقليمية إثيوبية، سيكون بديلا مناسبا وأقل تكلفة من إرسال جنودها مباشرة إلى الصومال -خاصة في هذا الوقت الذي تعاني فيه القوات الأميركية أسوأ أوقاتها في العراق-، وهو ما تأكد عمليا بالدور الذي ظلت واشنطن تلعبه وبهدوء حول الصومال بسبب أهميته الجيوسياسية الحالية والاقتصادية الواعدة، وهي أسباب كافية لكي لا تترك هذه المنطقة للقوى الإسلامية المتنامية مثل الاتحاد الإسلامي وحركة الإصلاح والمحاكم الشرعية·
ولذا ظل الدعم الأميركي لإثيوبيا وللسنوات الأربع الماضية محط اهتمام الإدارة في البيت الأبيض التي التقت مصالحها بمصالح الحكومة في أديس ابابا، خاصة في الحد من تنامي الحركات الإسلامية في الصومال الذي يعد خطرا على مصالحهما، ولذا جاء المد الأميركي بالمعدات العسكرية وتقديم الخدمات اللوجستية والتدريبات العسكرية للقوات الإثيوبية لدرجة ما ذكرته صحيفة ''النيويورك تايمز'' في أحد تقاريرها الذي أكدت فيه على أن ''القوات الإثيوبية الغازية تتحرك وفق تعليمات مباشرة ومعلومات دقيقة تصلها من البنتاغون حيث أقيمت غرفة عمليات كاملة تتابع الوضع الميداني على مدار الساعة، وترسل صور الأقمار الصناعية مباشرة إلى أديس أبابا''·
وحسب معطيات الواقع، كان قد حان الوقت بالنسبة للأميركيين الذين انتظروا لما يزيد عن الستة أشهر منذ انتصار قوات المحاكم الإسلامية وسيطرتها على مقديشو العاصمة الصومالية، ومن ثم عودة الحكومة الصومالية الانتقالية بحماية من الجيش الإثيوبي للسيطرة على العاصمة من جديد، ودحر قوات المحاكم في ديسمبر الماضي 2006 لكي يضعوا لمستهم الأخيرة لانتصارهم عبر القصف الجوي في التاسع من يناير الماضي، بدعم ظاهري من الحكومة الصومالية الانتقالية·
المثير بالفعل أن الدعوة الصومالية للقوات الأميركية بالتدخل والتي لاقت استنكارا خاصة من الجامعة العربية التي استغربت تصريحات المسؤولين الصوماليين، وذلك وفق ما قاله الأمين العام المساعد ''أحمد بن حلي'': ''كنا نتابع موقف بعض القادة الصوماليين وكنا نأمل أن يحرصوا على سيادة بلادهم والمصالحة بدلا من الدعوة إلى التدخل الأجنبي''، واصفا موقف بعض الأطراف الصومالية بأنه ''غريب''، هذا الموقف تزيد غرابته بعد دعوة نائب رئيس الحكومة الانتقالية ''حسين عيديد'' للقوات الأميركية البرية بالقضاء على فلول القاعدة في الصومال، لاسيما وأن قوات حكومته المدعومة بالجيش الإثيوبي لن تتمكن -حسب تعبيره- من الاستيلاء على معاقل المتطرفين·
ورغم ما صاحب هذه التصريحات من غرابة، تبقى الإثارة الأكبر ما ستنجم عنه زيارة الفريق الأميركي الذي قدم للتأكد من نتائج الغارة الجوية، وما إذا كانت قد حققت أهدافها في الإنهاء على عناصر في تنظيم القاعدة من المسؤولين عن تفجير سفارتي كينيا ونيروبي، أم أن الأمر سيظل كضرب مصنع الدواء في السودان، وضرب العراق للبحث عن أسلحة الدمار الشامل، أم أن الأمر لا يعدو البحث عن جيف جديدة للنسر الأسود؟

اقرأ أيضا

الجمهوريون في الكونجرس يُعدّون تشريعاً يفرض عقوبات على تركيا