الاتحاد

تقارير

تحديات كشف وتدمير الأسلحة الكيماوية

قد لا نصل إلى حقيقة ما حدث في الغوطة التي تقع على مشارف دمشق في 21 أغسطس. فقد خلص التقرير الذي أعده مفتشو الأمم المتحدة إلى أنه قد تم استخدام صواريخ تحتوي على غاز «السارين» الذي يؤثر على الأعصاب ضد المدنيين، ومن بينهم أطفال، وكذلك المقاتلين على نطاق واسع نسبياً. وعدم وجود دليل أعطى الفرصة للنظام وأنصاره في روسيا لإلقاء اللوم على قوات المعارضة.
وبالنسبة للبعض منا الذين طالما حاربوا الأسلحة الكيماوية، فإن حالات عدم اليقين تمثل خيبة أمل مألوفة. فحتى يومنا هذا، لا يعرف العالم القصة الكاملة لما حدث في حلبجة بالعراق، حيث قتل نظام صدام في عام 1988 آلافاً لا تحصى من الأكراد العراقيين باستخدام أسلحة كيماوية مجهولة، وكذلك ما حدث في بلدة سريبرينيتشا حيث أثيرت ادعاءات في عام 1995 بأن البوشناق (أو البوسنيين) الناجين كانوا يفرون من المدينة التي وقعت ضحية الهجوم الكيماوي من قبل قوات صرب البوسنة.
وهناك دروس يمكن تعلمها من مثل هذه الالتباسات، في مقدمتها السبل التي تسلكها الدول المتحضرة لكي تجعل استخدام الأسلحة الكيماوية أكثر شفافية وذلك لتتمكن بصورة أفضل من ردع المعتدين وإلقاء اللوم على الأطراف المذنبة.
أولاً، نحن بحاجة إلى تطوير القدرة على «مواجهة» تحدي الكشف عن الأسلحة الكيماوية. فالعالم حالياً ليست لديه الأدوات اللازمة للتعرف بدقة على حقيقة ما جرى في حال تشتيت عوامل الحرب الكيماوية من مسافة بعيدة. ويتعين وجود أفضل الأجهزة للكشف في موقع الهجوم بدلاً من وجودها في طائرة بدون طيار أو قمر صناعي.
كما أن وكالات الاستخبارات في الدول الكبرى يجب أن تكون قادرة على النظر في سُحب البخار من مسافة بعيدة، وربما تسليط الليزر عليها لتكون قادرة على معرفة ما إذا كان غاز «السارين» أو غاز الأعصاب (في إكس) على سبيل المثال قد استخدم. ويوجد بعض الأفكار العظيمة وحتى بعض التكنولوجيات غير المكتملة، ولكنها في حاجة إلى الخروج من المفهوم إلى المعمل للتحول إلى منتج.
ثانياً، نحن بحاجة إلى أداء أفضل في مجال تحليلات الفيديو. ففي أعقاب الهجوم على الغوطة، لم يجد العالم أمامه سوى فحص تسجيلات الفيديو التي التقطها الهواة لمعرفة حقيقة ما حدث، ولكن يبدو أنه حتى وكالات الاستخبارات كانت تعتمد على مقاطع فيديو ظهرت على موقع «يوتيوب». إن وكالات الاستخبارات وغيرها من الباحثين عن الحقيقة، مثل الصحفيين، بحاجة إلى وسائل أفضل للتعرف على الزمن والمكان والتفاصيل الطبية من لقطات الفيديو.
ثالثاً، نحن بحاجة إلى تحسين وسائل جمع العينات. وفي أي صراع يؤثر على المصالح، كما هو الحال بالنسبة للحرب الأهلية في سوريا، يكون هناك وجود استخباري. ويتعين تدريب العملاء الذين يعملون لجهات أجنبية، في حالة وقوع هجوم بالأسلحة الكيماوية، على الإسراع في جمع العينات الصلبة والسائلة وعينات الغاز والدم التي يمكن تحليلها بشكل مفيد. وبإمكان هذا توفير مواد مفيدة أكثر من 100 مقطع فيديو إذا كانوا مجهزين بأجهزة مثل الأوعية الزجاجية المعقمة، وأكياس وأنابيب لجمع عينات الهواء. إن عينة واحدة فقط من المواد الفعلية المستخدمة في 21 أغسطس، لو جمعت في ذلك الوقت، كان من شأنها أن توفر أسابيع من التكهنات والغموض. وعلاوة على ذلك، فليس هناك ضمان أنه في المرة القادمة سيتمكن مفتشو الأمم المتحدة من الدخول إلى موقع الهجوم الكيماوي المشتبه فيه.
وقد تكون أدلة الطب الشرعي، التي أعدت بسرعة، دليلاً أكبر على أن القوات الموالية لنظام الأسد كانت هي المسؤولة عن الهجوم. وعلى رغم أنه من غير المتصور أن تكون النيابة المسؤولة عن التحقيق في جرائم الحرب تساند روسيا في حماية نظام الأسد، فقد يكون الدليل القاطع قد أخضع الرئيس السوري، وبالتالي سيدفع سوريا إلى الامتثال للجدول الزمني الأميركي -الروسي لتدمير برنامجها للأسلحة الكيماوية.
وحتى إذا كان النظام يتعاون بحماس، فسيكون من الصعب استكمال الخطة قبل الموعد النهائي المحدد لها، في منتصف العام المقبل. ويعتقد أن سوريا تمتلك أكثر من ألف طن متري من عوامل الحرب الكيماوية. وهذه المواد يمكن تدميرها بأمان فقط في المرافق المشيدة خصيصاً لهذا الغرض، والتي لا وجود لها في سوريا نفسها. ولا يخلو نقل الأسلحة من خطورة تتمثل في احتمال وقوع حوادث كيماوية مروعة، أو استخدامها من قبل الإرهابيين.
وفي هذا الصدد، يقدم المثال السوري درساً آخر: فنحن بحاجة إلى دراسة أهمية بناء مصنع كبير وقابل للنقل لإزالة الأسلحة الكيماوية. وهناك أنظمة صغيرة قابلة للنقل، ولكنها غير صالحة لتدمير ترسانة سوريا. وقد يكون هذا المصنع على متن سفينة، كما هو الحال مع اثنين من مستشفيات الطوارئ اللذين ترسلهما الولايات المتحدة إلى مناطق الكوارث حول العالم.
وعلى رغم ذلك، فإنه من الأفضل أن يكون هناك نظام يمكن نقله إلى أي مكان، بما في ذلك المناطق التي ليست لها منافذ بحرية. فبالإمكان نقل مكوناته في حاويات بضائع بسعة 40 قدماً ليتم تجميع الأجزاء في المكان المراد، مثلما هو الحال في المستشفيات المدنية ومختبرات الطب الشرعي.
وسيصاب العالم بصدمة جراء استخدام الأسلحة الكيماوية مرة أخرى، وأقل ما يمكن القيام به هو أن نتأهب لذلك الأمر منذ الآن.


دان كازيستا
ضابط سابق في فيلق الأسلحة الكيماوية وعضو سابق في الاستخبارات الأميركية


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا