الاتحاد

تقارير

إسرائيل تواصل التشريد وهدم المنازل

لم يجد الفلسطينيون في قرية مكحول سوى الخيام بديلاً عن منازلهم التي هدمتها الجرافات الإسرائيلية

لم يجد الفلسطينيون في قرية مكحول سوى الخيام بديلاً عن منازلهم التي هدمتها الجرافات الإسرائيلية

فقد برهان بشارات منزلـه الأسبوع الماضي بعد أن قامت جرافة إسرائيلية بهدمه، ولكنه ظل محافظاً على كرم الضيافة الفلسطيني حيث كان يحث محاوره على ارتشاف مزيد من الشاي بينما كان يحكي له كيف أنه قد اضطر للنوم وسط أنقاض منازل هذه قرية مكحول الصغيرة الواقعة في الضفة الغربية المحتلة.
ويقول هذا الأب لثمانية أبناء، الذي صار ينام في العراء، على غرار نحو اثني عشر رجلاً آخرين من أهالي مكحول، بعد أن منعهم الجيش الإسرائيلي من تلقي خيام الإغاثة الإنسانية عقب هدم منازلهم: «إن العيش على الأرض بدون غطاء تجربة صعبة».
وفي يوم قائظ، تجمع رجال مكحول تحت الشجرة الوحيدة التي يمكن رؤيتها متفيئين ظلالها، بينما وقفت مجموعة من الجنود الإسرائيليين على مقربـة منهم للتأكد من أنـه لا أحد منهم سيحاول إعادة بناء منزله.
ويقول مسؤولو وزارة الدفاع الإسرائيلية إن هدم قرية مكحول كان إجراءً ضرورياً لإنفاذ القانون ضد البناء غير المرخص، مشددين على أن المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت الشهر الماضي عريضة قدمت ضد هذا القرار. ولكن منظمات حقوق الإنسان تندد بعملية الهدم، التي تعد هي الأحدث ضمن سلسلة من العمليات هدمت فيها مئات المساكن هذا العام في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وتقول إن الطريقة التي تعامل بها الجيش الإسرائيلي مع مكحول، إلى جانب الهجمات المتكررة من قبل المستوطنين على الممتلكات الفلسطينية، تُبرز أن عملية السلام التي أطلقت في وقت سابق من هذا العام تحت رعاية أميركية، قد فشلت في حماية الفلسطينيين من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية.
وفي هذه الأثناء، تُظهر إحصائيات الأمم المتحدة أن معدل عمليات الهدم ارتفع خلال العام الماضي، وكثير منها وقع في وقت كان يحث فيه وزير الخارجية الأميركي جون كيري إسرائيل والفلسطينيين على العودة إلى طاولة المفاوضات.
وعلى سبيل المثال، ففي أغسطس الماضي، أي بعد نحو شهر على استئناف مفاوضات السلام، عمدت إسرائيل إلى تسوية قرية فلسطينية صغيرة أخرى في القدس الشرقية بالأرض -تل العدسة، ما أرغم سكانها على المغادرة إلى الضفة الغربية. وسكان هذه القرية لا يمتلكون أوراق هوية إسرائيلية، ولكن تاريخ وجودهم في المنطقة يعود إلى الخمسينيات.
هذا وتواجه ثلاث بلدات فلسطينية صغيرة أخرى بالقرب من هنا -وهي راس الأخمر، وهدية، وخُمسا، تهديداً وشيكاً بالهدم على غرار مكحول.وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول المراقب الحقوقي «بيل فان إيسفيلد»، الذي يوجد مقره في الضفة الغربية ويراقب أوضاع الشرق الأوسط لحساب منظمة هيومان رايتس ووتش: «هناك دائماً حديث عن تجميد الاستيطان، ولكن بناء مساكن جديدة للمستوطنين ليس هو الموضوع الوحيد الذي ينبغي أن يتصدر الاهتمام، ولكن أيضاً هدم منازل الفلسطينيين الذين ليس لديهم مكان آخر ليذهبوا إليه».
وفي الساعة الخامسة من صباح السادس عشر من شهر سبتمبر، شرع الجيش الإسرائيلي في تدمير قرية مكحول، آمراً سكانها بإخلائها حتى تقوم الجرافات بهدم المنازل وحظائر الماشية.
وعلى رغم مرور أكثر من أسبوع، إلا أن بقايا عمليات الهدم كانت واضحة على سفح التلة: أكوام من الخردة التي كانت تشكل بيوتاً آيلة للسقوط لنحو مئة شخص، حسب محاميهم توفيق جبارين. وبعض سكان مكحول يعود تاريخ وجودهم هنا إلى ما قبل حرب 1967، وإن كان مسؤولون إسرائيليون يقولون إن معظمهم لديهم منازل في مناطق أخرى، ولا يعيشون هناك سوى في جزء من السنة.
وعلى سبيل المثال، فإن برهان بشارات يستأجر أرضه في مكحول من مالك فلسطيني خاص يعيش في بلدة طوباس شمال الضفة الغربية. ويقول بشارات: «أستأجر 7 آلاف متر مربع»، مضيفاً «إننا نزرع القمح والشعير والعدس وأنواعاً أخرى من الحبوب، وننتج الحليب والجبن والزبدة والبيض واللحوم. هذا هو نمط حياتنا ولن نغيره».
ووفق أرقام الأمم المتحدة، فإن 862 فلسطينياً اضطروا للنزوح عن مناطقهم بسبب عمليات الهدم الإسرائيلية منذ يناير الماضي، ومن ذلك سكان مكحول، وهذا رقم كبير مقارنة مع 886 في كل عام 2012.
ويرى مناحيم كلاين، المتخصـص في العلوم السياسية والمحسوب على «الحمائم»، أن ذلك يعكس رغبة إسرائيلية في ضمان أن تحتفظ إسرائيل في نهاية المفاوضات بالسيطرة على معظم المنطقة «جيم»، التي تشكل معظم الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإدارية والأمنية الإسرائيلية، وعن ذلك يقول: «إن مفاوضات السلام لا تعمل إلا على دفع إسرائيل إلى الأمام لخلق حقائق على الأرض في المنطقة جيم بهدف تحديد نتيجة المفاوضات».
ويضيف قائلاً إن إسرائيل تقوم بعمليات الهدم في المنطقة «جيم» على أمل أن ترغم الفلسطينيين على الانتقال إلى المنطقتين «ألف» و«باء»، اللتين تقعان تحت الحكم الذاتي الفلسطيني.
ولكن المسؤولين الإسرائيليين ينفون أن تكون لدى إسرائيل سياسة من هذا النوع، مشددين على أن عمليات الهدم تتعلق أولاً وأخيراً بإنفاذ القانون.
وفي حديثه عن هدم مكحول، قال جاي إنبار، المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية: «إذا أردت بناء خيمة في متنزه سنترال بارك، فهل ستسمح لك شرطة نيويورك بذلك؟». ويرى كلاين الذي يدرِّس في جامعة «بار إيلان» أن غياب حماية حقوق الإنسان خلال المفاوضات، إضافة إلى ضعف السلطة الفلسطينية الموجود مقرها في رام الله، ترك الفلسطينيين في المنطقة جيم عرضة لعمليات الهدم وتحديات أخرى عديدة حيث يقول: «كان ينبغي إرغام الجانبين على الالتزام بحقوق الإنسان منذ الخطوة الأولى، وليس في نهاية العملية».
وحسب شوان جبارين، مدير مركز «الحق» لحقوق الإنسان في رام الله، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس زاد الطين بلة من خلال موافقته على مطلب أميركي بامتناع الفلسطينيين عن رفع أي دعوى ضد الأعمال الإسرائيلية لدى المنظمات القانونية الدولية خلال فترة المفاوضات، ويقول جبارين: «إن هذا ليس خطأ، بل كارثة. إنه كأن يتعرض شخص للضرب فتنتزع منه القدرة على الذهاب إلى المحكمة والشرطة».
ويقول المسؤولون الإسرائيليون إنهم مستعدون للتحدث مع الفلسطينيين حول كل المواضيع، بما في ذلك حقوق الإنسان، ولكنهم يشددون على أن ذلك ينبغي أن يكون في الاتجاهين. كما يزعمون إن انتهاك حقوق الإنسان الرئيسي هو استمرار قتل الإسرائيليين، على غرار قتل جنديين في وقت سابق من الأسبوع، أحدهما كان خارج الخدمة.
ويقول بول هرشسون، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية: «لدينا تخوفاتنا المتعلقة بحقوق الإنسان أيضاً... وهذا يشمل الحق في الحياة».
ومن جانبها، تقول منظمة «الحق» إن ستة فلسطينيين قُتلوا أيضاً في عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية منذ استئناف المفاوضات.


بن لينفيلد
قرية مكحول - الضفة الغربية


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا