الاتحاد

الاقتصادي

الشركات الأميركية تبدأ الانسحاب من العراق

نيويورك - أحمد كامل:

أعلنت شركة بكتيل الأميركية العملاقة في بيان مقتضب لم يلفت النظر أنها قررت وقف أنشطتها في العراق ''لأسباب مالية وأمنية'' رغم أنها لم تستكمل غالبية المشروعات التي بدأتها والتي تبلغ قيمة اعتماداتها 2,3 مليار دولار·
ويأتي رحيل بكتيل وسط موجة من الهجرة الجماعية للشركات الأميركية من العراق· ويبدو ذلك مناقضاً لما ساد قبل ثلاث سنوات من أن العراق يعد بأن يكون ''منجماً للذهب'' أمام الشركات الأميركية والبريطانية التي تمكنت -بعد عناء- من إبعاد منافسيها الفرنسيين والروس عن ''الكعكة''، وفي ذلك الوقت كانت الهجرة تمضي في الاتجاه المعاكس، أي نحو العراق·
والتفسير السائد لمغادرة الشركات للعراق يختلف إلى حد ما عما قالته بكتيل، ذلك أن الوضع الأمني لا يمكن أن يكون مسؤولاً لأنه كان متدهوراً منذ وقت طويل قبل المغادرة· العامل الجديد هو انتهاء الميزانية الحكومية الفيدرالية في الولايات المتحدة لتعمير العراق·
والتاريخ السري لهذا الانسحاب الجماعي هو أول العام المالي الأميركي في أكتوبر الماضي ففي ذلك الموعد الذي أرخ لإنهاء معونات إعادة التعمير في العراق بالميزانية الأميركية الجديدة -إذ أن أول أكتوبر هو موعد بدء العام المالي في الولايات المتحدة- كان على الشركات الأميركية أن تعيد حساباتها حيث أن الكونجرس الذي سبق أن خصص 22 مليار دولار للانفاق على برنامج عاجل لإعادة تعمير العراق في عام 2003 قال إنه غير مستعد لتخصيص دولار واحد لأداء هذه المهمة بعد ذلك· بل إن قسطاً مهماً من هذه الـ22 مليار دولار الأصلية وجهت إلى المهام الأمنية·
أما الجزء الباقي فقد ذهب لتمويل آلاف المشروعات الصغيرة والكبيرة مثل إعادة بناء خطوط الأنابيب وترميم شبكات الكهرباء وشراء سيارات الإسعاف وإعادة بناء المنشآت التي تضررت بفعل الاشتباكات لاسيما المباني الحكومية والمدارس والمستشفيات·
ومن المحتمل أن يتراوح المبلغ الذي خصص لأغراض أمنية من مجمل الـ22 مليار دولار ما بين 7 و9 مليارات دولار، فهناك بنود لا يمكن تصنيفها بسهولة بين الأمرين مثل قواعد إيواء مجندي الشرطة، وهي مجمعات سكنية، فضلاً عن ذلك فإن هناك مبالغ يحقق الكونجرس الآن في مصيرها، إذ قيل إنها اختفت·
ويقول المسؤولون عن إنفاق تلك المبالغ إن طبيعة المهمة تجعل من المستحيل اتباع إجراءات الإنفاق المألوفة من تواقيع وأختام وتمويلات مصرفية، إذ يذهب أحدهم وهو يحمل المال في حقيبة ليلتقي بمقاول ويعطيه مبلغاً لإعادة تعمير مدرسة· وإذا قتل المقاول في اليوم التالي تعيد مبلغاً مشابهاً لمقاول آخر دون إثبات أن الأول قتل· وفي هذه الحلقة المفككة يسهل بطبيعة الحال التلاعب بملايين الدولارات·
وتقول وثائق قيادة إعادة التعمير إن نصف المشروعات الأساسية في مجالي النفط والكهرباء لم تستكمل· وتسمي القيادة الأموال التي وجهت إلى الأغراض الأمنية ''فجوة إعادة التعمير''· وكانت القيادة قد أثارت مع البنتاجون -على استحياء- احتمال إعادة ملء هذه الفجوة، أي تقديم طلب إلى الكونجرس بصرف نحو 6 مليارات دولار لاستكمال ميزانية إعادة إعمار العراق على صورتها الأصلية· إلا أن البنتاجون رفض مجرد مناقشة هذا الاحتمال·
بيد أن بعض الشركات بذلت جهوداً مع عدد من أعضاء الكونجرس لبحث القضية· وكانت وجهة نظر هؤلاء الأعضاء أن هناك مشروعات حيوية يجب البدء بها· إلا أن الأعضاء الآخرين رفضوا رفضاً قاطعاً وأثار ذلك ردة فعل من الاستياء العميق في عالم الأعمال وربما أيضاً في صفوف الأيدي الخفية التي تلاعبت بالمبالغ الضائعة·
وقال أعضاء الكونجرس الذين رفضوا صرف مبالغ جديدة إن القاعدة يجب أن تكون هي استكمال المشروعات الأساسية التي بدأ تنفيذها وقطعت شوطاً متماسكاً فقط· بعبارة أخرى وضع هؤلاء الأعضاء ''قائمة أولويات''، وقالوا إن المبالغ المتبقية من الاعتماد الأصلي يجب أن تذهب إلى المشروعات حسب موقعها في هذه القائمة·
أما المشروعات التي ستجد نفسها في نهاية المطاف بلا غطاء مالي فإن على الحكومة العراقية أن تتصرف هي بشأنها، أو أن تحول إلى الدول المانحة· وكانت تلك الدول قد تعهدت بتقديم 14 مليار دولار لمساعدة العراق في إعادة الإعمار بيد أن ما وصل بالفعل من هذا المبلغ لم يصل بعد إلى 3 مليارات دولار· ويعتقد كثيرون في الدول المانحة أنه لا ينبغي تقديم ما تعهدوا بتقديمه بسبب الفساد والإهمال والتسيب التي تميز أوضاع العراق·
وقال مسؤول أوروبي: ''الأموال الأميركية أنفق جزء كبير منها على أمور لا قيمة لها وضاع جزء آخر في علاقات الفساد والتسيب· وبصراحة لسنا على استعداد لوضع المزيد من الأموال في هذا الثقب الذي يبدو بلا قاع''·
غير أن الجنرال ويليام ماكوبي المسؤول عن قوات سلاح الهندسة التابعة للجيش العراقي والذي يدير عمليات إعادة التعمير يقول إنه لم يكن بالمستطاع أفضل مما حدث بالفعل· مضيفاً ''الظروف في العراق بالغة الصعوبة وأولئك الذين يوجهون الانتقادات ويطلبون ايصالات وتوقيعات وتطبيق إجراءات المحاسبة التي نعرفها لا يعرفون عن ما يتحدثون· هناك قدر من الهدر إلا أن هذا القدر يتعرض لمبالغات هائلة وأعتقد أن المشكلة الأساسية التي واجهتنا لم تكن هدر الاعتمادات بقدر ما كانت أمن المشروعات''·
ويوضح ماكوي أن النجاح كان ملموساً في قطاع البترول بصفة خاصة، ويقول: ''لولا الجهود التي بذلت لكان المشهد في ذلك القطاع أسوأ كثيراً مما نراه الآن· فمستوى الإنتاج الحالي يقترب من مستوى إنتاج ما قبل الحرب· ومن لم يروا بأنفسهم حجم الجهود التي بذلت في هذا القطاع لا يمكن لهم تصور حقيقة ما حدث''· رغم ذلك فإن الجنرال يعترف بأن المشكلة الأساسية هي مشكلة قطاع الكهرباء قائلاً: ''كان الهدف هو إضافة 2,710 ميجاوات إلى قدرات توليد الكهرباء في العراق لكن المشكلة لم تكن في التوليد بل كانت في التوزيع، إذ تتعرض شبكات التوزيع بصفة منتظمة لعمليات النسف والتفجير على أيدي المتمردين، وهذه مشكلة لا تصلح الاعتمادات المالية والشركات الفنية لحلها''·

اقرأ أيضا

اعتقال أكثر من 700 ناشط بيئي في بريطانيا هذا الأسبوع