الاتحاد

الاقتصادي

ناسداك ولندن.. صراع على القوة المالية

إعداد - هديه سالم:

تحول الصراع القائم على السيادة المالية العالمية بين بورصتي ناسداك ولندن إلى مواجهة عدائية· وأطلقت ناسداك، ثاني أكبر سوق اميركية للأوراق المالية، الشرارة الأولى للصراع عندما تقدمت بعرض لشراء بورصة لندن وهو ما فجر سيلا من التعليقات اللاذعة·
وفوضت وزارة الخزانة الأميركية لجنة رفيعة المستوى لرفع تقرير بشأن الخسائر التنافسية للولايات المتحدة، كما ظهرت اقتراحات لتخفيف القواعد التنظيمية· وفي المملكة المتحدة تعهد مسؤولو لندن بتحويل العاصمة إلى أكبر مركز مالي في العالم، وهو ما يراه البعض أنه أصبح حقيقة·
ويعتقد بعض الخبراء أن هذه المزاعم ضرب من الخيال لأنها تخلط بين أمرين؛ الأول يتعلق بتقلبات السوق واستفادة لندن منها الآن، لكنه وضع قد لا يستمر إلى ما لا نهاية· والأمر الآخر يعني أن نيويورك ستفقد لا محالة مكانتها كعاصمة اقتصادية بارزة بمرور الوقت· وبعيدا عن هذا الجدل فهناك من يعتقد أن المستفيدين سيكونون في منطقة آسيا والمحيط الهادي لا في لندن، وتحقق مثل هذا السيناريو لن يتأثر ما إذا كانت ناسداك ستنجح في الاستحواذ على بورصة لندن·
ولا ينكر أحد أن بورصة لندن سجلت سلسلة من النجاحات المتتالية بما في ذلك ارتفاع إجمالي قيمة الاكتتابات العامة الأولية، وسوق الاستثمارات البديلة إلى أكثر من الضعف في العام الماضي إلى 52,8 مليار دولار من 25,6 مليار دولار· وهذه أول مرة تجمع فيها لندن مبلغا يفوق ما جمعته بورصتا ناسداك ونيويورك للأوراق المالية والتي بلغت 42,3 مليار دولار·
وكانت أسواق الاستثمارات البديلة هي الظاهرة الجديرة بالرصد فقد شهدت 217 اكتتابا عاما أوليا مقارنة مع 45 اكتتابا في بورصة لندن و181 اكتتابا في بورصات نيويورك الكبرى· ومن شأن مضي السلطات الاميركية قدما في تخفيف القيود أن يحول أسواقها إلى المكان المفضل للشركات الصغيرة من الأسواق الناشئة خاصة المؤسسات الروسية التي تبحث عن بورصات لإدراج أسهمها فيها·
ولم تكن هذه التيارات موجودة قبل عدة أعوام ففي عامي 1999 و2000 نجد أن بورصتي ناسداك ونيويورك كانتا مستعدتين لركوب موجة التداول الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت حتى ارتفع حجم تداولاتهما إلى 100,3 مليار دولار وهو ما يعادل عشرة أضعاف حجم إجمالي الاكتتابات العامة الأولية في بورصة لندن للأوراق المالية·
ويمكن النظر إلى ما شهدته الأسواق عامي 1999 و2000 بوصفه برهانا واضحا على الانتصار الذي حققته الولايات المتحدة أمام أوروبا لكن السوق تغيرت الآن وظهرت موجة تصحيحية أعادت الأمور إلى نصابها، وتبين أن الإنترنت قد يحقق ثروة لكن ليست بالدرجة التي يتصورها البعض·
واليوم أصبحت الأسواق الناشئة تسير بخطوات ثابتة بعد أن كان ينظر إلى تداولاتها على أنها مجرد مضاربات تافهة في طريقها إلى الزوال، ويكمن الخطر في التوجه الذي يسلكه مؤسسو تلك الأسواق في اختيارهم لفرض قواعد تنظيمية مرنة· لقد لعبت التشريعات غير الصارمة دورا في ظهور ما يسمى بفقاعات الإنترنت ليس فقط في مزاولة الأعمال وإنما أيضاً في إنشاء الشركات مثل '' إنرون'' و ''وورلد كوم'' التي شقتا طريقيهما نحو النصب والاحتيال، وعندها بات من الأهمية بمكان ظهور تشريعات تحول دون تكرار هذه الأمور·
وبالنظر إلى أبعد من ذلك نجد أن تركيز كل من بورصة لندن للأوراق المالية وبورصة نيويورك على الإصدارات الأولية أبعدها عن مسائل أخرى فهي ليست مصدرا رئيسيا لتجني البنوك الاستثمارية والبورصات فوائدها·
وهناك في الجهة المقابلة لاعب آخر فمنذ خمسة أعوام حققت الاكتتابات العامة الأولية في بورصة لندن ربع ما حققته البورصة نفسها في حين حققت هذا العام 45 مليار دولار وهو ما يعادل أعلى مما حققته بورصتا نيويورك ولندن بأقل عدد صفقات بعيدا عن جذب الشركات الصغرى بالقيود المرنة·
وحققت الولايات المتحدة الأميركية أكثر من نصف القيمة السوقية العالمية مما يحمي نيويورك في السيطرة لكن هناك دولا أخرى تنمو في الوقت الذي اتسمت فيه أسواق الولايات المتحدة بالنضج·· وهنا تظهر أهمية الأسواق الناشئة، فقبل الأزمة الآسيوية التي وقعت في عام 1997 التي هوت من أسهم الأسواق الناشئة في القيمة السوقية العالمية نجد تأثر الولايات المتحدة سلباً بهذا الحدث الاقتصادي المأساوي· إن السباق المحموم الذي تشهده الأسواق الناشئة سيعاني من عثرات تخرج منها بيسر للبنية الأساسية القوية· وتشكل المملكة المتحدة ثالث سوق في العالم بعد اليابان وهي بالكاد تشكل خُمس حجم الأسواق الأميركية مما يصعب عليها تجاوزها بأي حال من الأحوال·
إذا لماذا تلك الدعاية الصاخبة المثيرة التي رافقت عزم بورصة نيويورك لشراء بورصة لندن للأوراق المالية؟ الإجابة تبرز المصالح الشخصية لكلا الطرفين ففي الولايات المتحدة ولافتقارها للبيئة التنافسية هناك الضغط على الجهات المعنية للتخفيف من القيود· في حين تصر المملكة المتحدة وأوروبا على تلك القيود الصارمة التي تمنع من شراء البورصات الأوروبية·

اقرأ أيضا

«دبي للطاقة» تبحث إضافة «مربان» كخام إضافي