الاتحاد

دنيا

الزعفران.. الذهب الأحمر

ذات يوم شاهدت خالتي (رحمها الله) تحفر في مكان ما تحت شجرة وتستخرج علبة رخامية عميقة ودائرية· كنت لا أزال طفلة فسألتها عما تفعل فأخبرتني أن المخمرية قد أصبحت جاهزة للاستخدام كعطر لتضميخ الخدود ولتعطير الشعر· ولم تكن تلك المخمرية كما فهمت منها سوى خليط من عطور يضاف له الزعفران النقي والمسك الأبيض بعد أن يطحن، ولا بد من أن تدفن تلك العطور التي تعتبر سراً شخصياً في ذلك الوعاء لمدة 40 يوماً حتى تختمر ولذلك سميت مخمرية،
ومن لا يعرف المخمرية يطلق عليها (خمرية)· هذه القصة وغيرها تدل على المكانة العالية التي احتلها الزعفران ولا يزال في مجتمعنا·

موزة خميس:

زهرة الزعفران ذات لون (موف) بنفسجي فاتح جميل، وفي قمة تلك الزهور فروع بلون برتقالي يميل إلى الحمرة· موطنها الأصلي حوض المتوسط الشرقي، وتنمو في الخريف، وهي مادة غالية الثمن، وتستعمل كتوابل وللعلاج وفي العطور·
يتم استخراج الزعفران بواسطة اليد، بدقة وحرص، ومن أجل استخراج كيلوجرام واحد من الزعفران الجاف، يلزم استخدام حوالي 120,000 زهرة من الأزهار· وتعتبر زراعته مكلفة، خصوصا الأنواع الفاخرة التي تأتي من إيران وأسبانيا، وبعد التجفيف يفقد الزعفران وزنه، حيث يتحول حوالي 25 كيلوجراماً منه إلى 5 كيلوجرام· أما سبب لونه الفاقع فيرجع إلى وجود مادة (كاروتينوييد)·

منافع جمالية

في السابق، عندما كنت تلتقي بفتاة أنهت ختم القرآن، أو طفلة تحتفل بالعيد، أو عروس تحتفي باستقبال زوجها فإن أول ما سوف تلاحظه تلك الخدود المضمخة بعطر الزعفران المسحوق مع المسك، أو عرق الزعفران المستخلص من تلك الشعيرات اللذيذة الحمراء ذات الرائحة النفاذة· كما كانت الأمهات في الإمارات يشاهدن وقد ضمخن به شعورهن وبين ثنايا (زلوفهن) جدائلهن·
ويستخدم الزعفران لتكريم الناقة (السبوق) التي تسبق مثيلاتها خلال سباقات الهجن، حيث يجهز الرجال أواني عميقة يوجد في داخلها زعفران معجون بماء الورد، وما إن تقف الناقة عن الركض، حتى يتجه إليها صاحبها مسرعا بتلك (الطاسه) ويملأ كفه ويصب على رأسها ويدهن وجهها إكراما لها من جهة، وليبرد عليها شدة حرارة الركض خلال السباق من جهة ثانية·

يداوي الصداع

وإذا كانت تلك الاستخدامات جمالية، فإن الزعفران له استخدامات علاجية أيضاً، وكم رأيت أمي وخالتي وصديقاتهن عندما يصبن بصداع يلجأن إلى الزعفران فيسحقنه مع حبات المحلب العطرية ويعجنَّه بماء الورد، ويسكبن تلك الخلطة على قمة رؤوسهن كي يمتص ألم الصداع، فلا تشم منهن وهن يتحركن إلا أريج تلك الخلطة العطرية الطبية· ورغم فعاليته في علاج الصداع إلا أن الإكثار منه يؤدي إلى العكس تماماً ويسبب الصداع، والإماراتيون يعرفون ذلك، ولذلك يستخدمونه بحرص وبكميات ضئيلة جداً في طعامهم وشرابهم·
جاء ذكر الزعفران في كتب الطب العربي لعلاج الآلام، وكواحد من العلاجات المطمثة، حيث يعتبر مضادا للتشنج ويدخل السرور على القلب، خصوصا عند سماع خبر محزن· واعتبر علماء الطب العربي الزعفران منبهاً للمعدة، وطارداً للغازات، كما استخدم في علاج السعال الديكي·
وقال ابن سينا انه يقوي الأحشاء ويمنع عفونة المعدة، وأن شربه يحسن اللون، ويجلو البصر، وأنه مقوٍ للقلب ومفرح وينفع للأورام·
وأثبتت التحاليل الكيميائية أن الزعفران يحتوي على مادة تسمى (لروسين) طعمها حلو ومقوية للأعصاب·
وفي دراسة تم نشرها في مجلة (الطب والبيولوجيا التجريبية) أثبت باحثون في المكسيك أن للزعفران خاصية وقائية ضد السرطان، وأظهرت اختبارات أجريت على الحيوانات أن الزعفران لا يمنع تشكل الأورام فقط، وإنما يساهم في تقلصها وانكماشها، ويدخل الزعفران في الكثير من المنتجات الطبية كالأدوية والمراهم·

اقرأ أيضا