الاتحاد

دنيا

صحوت أخيراً

سعاد جواد:

كنت بحاجة لمثل هذا الموقف الصعب لأصحو من غفوتي؟ موقف شائك امتزج فيه الغش والكذب من جانبي والكثير من العبث من جانب ذلك الشاب الغريب، انه لا يدري بانه يتحدث مع امرأة متزوجة ولها ثلاثة أطفال، فهو قد أحب أختي، واستطعت ان اخدعه وأجعله يعتقد بانني انا هي، موقف غريب كشف لي حقيقة ذلك الشاب، وكشف لي حقيقتي أيضاً، الوضع السخيف الذي وضعت فيه نفسي كان هو السبب في إنقاذ أختي من براثن ذلك الماكر، ولحسن حظي فقد صحوت أخيراً· نعم، لقد افقت على حقيقة حياتي التي اعيشها، على تفكيري العقيم، على رغبتي في إنهاء حياتي، كدت ان أقدم على عمل يخلدني في نار جهم بمنتهى الجدارة والاستحقاق·· يا الهي، كم انا غبية· لا أدري من هو الجاني الحقيقي في قضيتي·· هل هو أبي؟ ذلك الانسان القاسي الذي كان يعاملني بمنتهى الوحشية؟ أم هي أمي تلك الانسانة الضعيفة السلبية والتي لم تحاول يوماً ان تدافع عني وقد كنت بالنسبة لها مجرد عبء ثقيل تفكر في التخلص منه بأسرع وقت؟ أم ان الجاني الحقيقي هو نفسي التي تتمرد باستمرار ولا تتقبل الأمر الواقع ولا تتعايش معه؟ والله لا أدري· حكايتي معقدة بعض الشيء ولكنها ليست غريبة، انها تتكرر باستمرار في اماكن كثيرة، زواج فاشل ثمرته ثلاثة أطفال، ربما تتساءلون· لماذا اعتبره فاشلاً على الرغم من عدم حدوث الطلاق لحد الآن؟ صدقوني لا أدري لم يستمر هذا الزواج على الرغم من الفشل الذي يحيط به من جميع الجوانب·

بيئة قاسية

والدي رجل غني، انعم الله عليه بالكثير من الخير والنعمة، ولكنه انسان بخيل، غليظ القلب، خشن الطباع· كان يضربنا انا وأخوتي باستمرار ولاتفه الأسباب، نحن خمسة، ثلاثة أولاد يكبرونني وبنت واحدة تصغرني بثلاث سنين· ذاق اخوتي الثلاثة مر العذاب على يد والدي حتى تركوا له المنزل ورحلوا بعيداً عنا، لم يكملوا تعليمهم وتعلقوا بأذيال العمل المرهق في مناطق بعيدة لينجوا بأنفسهم من جوره وظلمه وأهاناته بعد ان رحل اخوتي لم يبق سوانا انا واختي، فتفرغ الوالد لكرهنا وتحقيرنا وضربنا لكل صغيرة وكبيرة، كان لأمي نصيب لا بأس به من الضرب على الرغم من كونها مطيعة ولا تطلب شيئاً، وتحاول إرضاءه بأي شكل· كنت أحب أجواء المدرسة، أجد فيها ما افتقده في بيتي، الحب، الاهتمام، الإلفة، كنت متعلقة بزميلاتي ومعلماتي بشكل كبير، كنت متفوقة وموهوبة، أشارك بأنشطة كثيرة، الكل يحبني، كنت اتمنى ان لا ينتهي اليوم الدراسي أبداً، فلا أريد العودة إلى بيتي الكئيب من جديد، كنت اصبر نفسي وانا في البيت على أمل ان تشرق شمس الغد فاذهب إلى المدرسة لاقضي فيها ساعات ملؤها السعادة والفرح· كنت احلم ان أنهي دراستي وان أعمل ويكون لي راتب، وان اختار شريك حياتي بعقل ناضج وإدراك كامل، ولكن والدي أراد غير ذلك، لقد وأد أحلامي كلها عندما قرر تزويجي، كنت في السادسة عشرة من عمري، ولست مهيأة للزواج في ذلك السن المبكر، ماذا أفعل؟ فقد طرق الباب رجل سيئ الحظ يريد الارتباط بي، فلم تنفع توسلاتي وبكائي أمام وحشية الوالد وضربه لي وتوسل أمي، فرضخت أخيراً وانتقلت إلى زنزانتي الجديدة·
تزوجت رجلاً لا أدري هل هو ضحيتي أم انا ضحيته؟ لم احبه، على الرغم من طيبته وحبه لي، لم اتقبله يوماً، لم ابتسم له، ولم ارض عنه، فصارت علاقتنا الزوجية مبنية على مبدأ الاغتصاب المستمر· أنجبت اطفالي الثلاثة وانا في أسوأ حال من التوتر والإرهاق النفسي، فكرت يوماً ان اتصالح مع حياتي الزوجية، فطلبت منه ان يسمح لي بإكمال تعليمي، فرفض بحجة ان اطفالي صغار وهم بحاجة لوجودي معهم، لا أدري ماذا يشكل ذلك الوجود وانا لا اكترث لهم، أبعدهم عني قدر المستطاع وانغلق على نفسي في دوامة يأس وإحباط· لم اجد لي متنفساً سوى الورق والأقلام، فصرت أرسم وجوهاً مشوهة تحيطها الأشواك والدبابيس، ولوحات مخيفة مرعبة لم تعجب احداً أبداً· تركت الرسم وبدأت بكتابة الروايات، والقصص والأشعار، كلما تائهة ضائعة كلها تدور حول محور واحد وكأنها دوامات مجنونة لا تنتهي·

قرار النهاية

لم اجد في كل ما قمت به متنفساً حقيقياً يخفف من درجة الاحساس المر بالرتابة والموت، ففكرت بان يكون موتي حقيقياً، فما دامت الأحاسيس كلها ميتة فلماذا يبقى الجسد حياً؟ هكذا فكرت وقررت ان أنهي حياتي باسرع وقت ممكن· صرت أفكر باسهل الطرق التي تضمن لي الموت السريع بلا ألم، فلم أعد احتمل المزيد من المعاناة، بالطبع لم يكن الأمر سهلاً أبداً، فالموت السريع وبلا ألم يحدث في الأفلام فقط وليس في الحقيقة· وأنا في وسط تلك الدوامة المحزنة رن الهاتف·· من المتصل يا ترى؟ وفي مثل هذا الوقت؟ ذلك الجهاز الميت طوال الوقت، كيف عادت له الحياة؟ لا احد يكلف نفسه مشقة الاتصال بي، فمن يا ترى ذلك الذي يلح رنينه بهذا الشكل؟ شدني الفضول لمعرفة آخر مخلوق سأتحدث معه قبل موتي، ترى من سيكون له ذلك الشرف؟ انه رقم غريب، ضغطت على الزر فجاءني صوت دافئ جميل احدث زلزلة في كياني كله· صوت مليء بالغموظ والغرابة، على الرغم من حرارته، إلا انه تسلل إلى أعماقي فاصابني بالبرد والارتجاف· الو·· ارجوك ردي علي·· انا اتلهف لسماع صوتك، لا تحرميني منه، لم استطع ان اتحدث، اردت لذلك الصوت الاستمرار بتأثيره الساحر الذي اعادني للحياة من جديد· لماذا انت ساكته؟ تكلمي ارجوك· اجبته بصوت يشبه اللهاث، وهل تعرفني؟ أجاب: اعرفك اكثر مما اعرف نفسي، انت الحلم الذي انتظرته طويلاً· قلت له: يبدو انك اخطأت بالرقم، قال: كيف اخطئ وانت من اعطاني هذا الرقم، هل نسيتي؟ عندها تذكرت بان اختي كانت قد اخبرتني بقصة شاب يلاحقها بنظراته باستمرار، وقد احست بالانجذاب نحوه، لذلك فقد تجرأت واعطته رقم هاتفي انا، لانها لا تملك هاتفاً، وتوسلت إلي ان اسمح لها بالمبيت عندي الليلة لتتحدث معه، رفضت فكرتها ووبختها على تصرفها غير المسؤول، ولم اسمح لها بالمبيت في بيتي لانني كنت اخطط لنهايتي في هذه الليلة التي يبيت فيها زوجي خارج المنزل بحكم عمله· لا أدري كيف نسيت هذا الأمر كله ولم أعره الاهتمام·

رواية جميلة

اقنعت نفسي بان التحدث مع هذا الشاب هو أقل جرماً من فكرة الانتحار، فسمحت له بالاستمرار في محادثتي في الأوقات التي حددتها له أثناء عدم وجود زوجي· لا أدري لم اعجبتني الفكرة كلها وبقيت مستمرة في ايهامه بانني نفس الفتاة التي كان متعلقاً بها ولم أخبره بانها اختي، بصراحة كنت اشعر وكأنني غريق وجد قشته التي يريد ان يتعلق بها من أجل النجاة، فكانت حكايته مثل رواية جديدة فرضت نفسها علي وهي رواية تنبض بالحياة والاحاسيس المنعشة· تواصلت معه في الحديث، يوماً بعد يوم دون ان اخبر اختي، وصرت اتغير من الداخل، شعرت وكأنني أولد من جديد، نسيت بانني زوجة وأم لثلاثة اطفال، عدت لكوني مراهقة تترنح خدراً لكلماته العذبة الساحرة· بصراحة كانت كلماته اكثر من رائعة، كنت احلق معها في سماء السعادة والفرح، وكلما تذكرت حقيقتي والكذبة التي اخدع بها نفسي عدت لحزني وألمي، فهذا الشاب يتحدث مع فتاة اخرى هي اختي، فإلى متى ساستمر في خداعه وخداع نفسي وخداع اختي؟ شعرت بالغيره الشديدة منها، انها أفضل حظاً مني، فها هي تبلغ الثامنة عشرة من عمرها ولم يجبرها والدي على ترك الدراسة ولم تقنعها أمي بالزواج، ربما لانه لم يتقدم احد لطلب يدها، وإلا لكانت لاقت نفس مصيري بكل تأكيد، لديها فرصة لتعيش قصة حب رائعة مثل هذه، ولكن·· كيف يمكن ان تعيشها؟ انها شبه سجينة، لا يسمح لها بالخروج أو استخدام الهاتف، حتى عندما تذهب إلى المدرسة، فإن أمي تخرج معها في انتظار الباص ولا تعود إلا إذا تأكدت من جلوسها فيه، وعند عودتها من المدرسة فانها تقف في انتظارها، حتى هذا الشاب الذي احبها، لم يستطع ان يتحدث معها على الرغم من محاولاته المستميتة ومتابعته لها طوال الوقت، ولولا جرأتها في كتابة رقم هاتفي والقاءه من نافذة الباص لما استطاع ان يجد وسيلة للتحدث معها· انها متضايقة لانها تعتقد بانه قد تخلى عنها، فلم يعد يقف بسيارته في انتظارها عندما تذهب إلى المدرسة، وهو أيضاً لم يحاول الاتصال بها، وانا صرت انصحها بنسيانه لانه من الصعب عليها ان تعيش قصة حب وهي تحت الحراسة المشددة طوال الوقت· على الرغم من وخزات الضمير التي بقيت تلاحقني، إلا انني لم اكشف لها عن الحقيقة، واستأثرت به لنفسي·

الخطوة التالية

بعد مدة من ذلك الحديث الهاتفي احس الشاب بمدى التشاؤم الذي يخيم على أفكاري، فصار يشجعني على رؤية الحياة بشكل مختلف والتمتع بكل ما لدي فيها، فلم افهم مقصده ولم احس يوماً بان لدي اشياء تستحق التمتع· مرت فترة كافية وانتهت جاذبية الكلمات وصارت مكررة وعلى وتيرة مملة، فاخبرته بذلك فتشجع وطلب مني ان نخطو الخطوة التالية حتى لا تضيع الكلمات الجميلة وتعود لرونقها الدافئ، اعتقدت بانه سيفاتحني برغبته في الارتباط وهيأت نفسي لكشف الحقيقة، فلو كان صادقاً في مشاعره لقدر كل شيء واعطاه حقه، فاذا تمسك بي فانا على استعداد لفعل المستحيل من أجل الحصول على الحرية للارتباط به، وان حدث انه تمسك بحبه لاختي لشجعته على ذلك ولضحيت من أجلها، فما هي خطوته التالية يا ترى؟ انها على غير ما توقعته، فقد بدأ يلح علي لنلتقي، فاستغربت لذلك وسألته عن السبب· فقال لي باننا يجب ان نغترف من ينابيع السعادة الحقيقية معاً، هنا صدمتني الحقيقة المرة، هذا الانسان يهدف إلى التمتع فقط، وهو غير جاد في عواطفه، انه صياد ماهر يعرف كيف يختار فرائسه من بين الحواجز والحدود، مسكينة اختي، لو كانت هي المتحدثة معه لصدقته ولانجرفت بتياره الذي سيؤدي بها إلى الهلاك· هنا افقت من غفوتي وعرفت الحقيقة، ان الحب الذي اعتقدت بانني قد حرمت منه ما هو إلا عبث وأوهام يستخدمها مثل هؤلاء الشباب للوصول إلى غاياتهم الدنيئة فقط· للمرة الأخيرة، حاولت اختباره، فقلت له: سأعطيك فرصة لإثبات حسن نيتك، والتقدم للارتباط بي بعيداً عن العبث، فرد علي بمنتهى الوقاحة قائلاً: لست اؤمن بالزواج، انه قيد ثقيل يقيد الناس بلا فائدة، انه يقتل الحب والمشاعر الجميلة ألا تدركين ذلك، فالمرأة لن تحب زوجها ولن تعشقه مهما فعل، وكذلك الرجل· انه محق·· فهذا الرجل الذي تقدم وتزوجني دون لف أو دوران ودون عبث، لم أشعر بحبه وقيمته، ولو كان يلهو ويعبث لكنت اسيرة عشقه وحبه، انه أمر عجيب، لماذا لا نعرف قيمة ما اعطانا الله إلا بعد ان نمر بتجارب قاسية؟ احمد ربي اني افقت من غفوتي وعرفت بان لي زوجاً طيباً يستحق الحب واطفال رائعين يستحقون الاهتمام، مزقت تلك الصفحة الطائشة من حياتي وبدأت أحيا من جديد·

اقرأ أيضا