الاتحاد

دنيا

بيروت تفقد وجهها والمهن العتيقة.. في خبر كان

أصواتهم كانت تتعالى في الشوارع والأزقة الشعبية··· وكل ما تحتاج إليه كنت تجده بالقرب منك وأنت في منزلك غير مضطر للتجوال في الشوارع والبحث عن حاجاتك·
ذلك أن لكل مهنة خبراء يزرعون الأحياء منذ الصباح وحتى ساعات الليل،
ينادون على خبراتهم و''اختصاصاتهم''، على الرغم من أنها بسيطة جداً·
مضوا··· اختفوا··· غابوا··· قتلوا··· الكلمات ليست مهمة، فالمعنى واحد، والدلالة لا يمكن إخفاؤها وراء الكلمات، تماماً مثلما لا يمكن إخفاء الجريمة وأثرها واضح للعيان·
والحال أن هناك من تحالف على ''تشويه'' وجه بيروت، وتغييب ملامحها الجميلة···
إنها الحرب والشيخوخة و ''الحضارة'' التي جعلت الناس يعزفون عن المهن وأصحابها، فغابت عن شوارع بيروت التي يبدو أنها يوماً بعد يوم تفقد وجهها وذاكرتها·

بيروت - عماد ملاح:
تصوير - عزيز طاهر:


المهن في بيروت القديمة كانت بسيطة جداً لا تعقيد فيها ''ولا ديكورات''، وان كانت أدوات شبه بدائية، ودعايات عفوية وخدمات ترضي الزبائن باستمرار· ومع مرور الأيام بدأت هذه المهن تتلاشى تدريجياً، لأن ''الحضارة'' التي غزت لبنان، محت قسماً كبيراً من الماضي ومنه مهن ما كان لها أن تنقرض، لولا اتجاه المستهلك نحو كل ما هو معقد، بحجة انه عصري·
الشيخوخة دهمت أصحاب هذه المهن، فأقعدتهم في بيوتهم وقد صدئت أدواتهم وأصابها الهرم· ومع أن هناك منازل ما زالت تؤمن بطيبة هذه المهن، الاّ أن معظمها ''تبخر'' من شوارعنا بشكل تدريجي حتى اصبحت مهن: (السنكري والمجلخ والمبيض وتاجر الزيوت والصابون وبائع الأقمشة، ومصلح الأدوات الموسيقية) مهناً منقرضة·
المهم أن هذا الوشم الجميل تراجع وانزوى بسبب ندرة الزبائن، وقسوة الحروب والاحداث وتأثير سنوات العمر، لتصبح المهن الشعبية نادرة جداً تبحث عنها فترات مختبئة، خارج اطار المحلات الفخمة والمخازن الكبيرة اذ أصابها الظلم، بعدما غزت مدينة العصر تقاليدنا وعاداتنا·

زمانها··· ولّى

خياط ''القمباز'' لم يعد له وجود لأن احداً لا يرتدي هذا الزي الآن، كذلك ابتعد الجميع عن ''تبييض'' طناجر النحاس وعن تجليخ السكاكين، فمحلات الادوات الصحية قد دحرتها، فهي أسرع في التصليحات وأن كانت كلفتها اكبر، فلماذا يصلح الإنسان حذاءه، طالما انه يستطيع شراء الجديد باستمرار··· والحلاق - الطبيب يلجأ الى ''علقة'' والأدوية معروضة في الصيدليات، والقماش من يبتاعه الاّ من المحلات الفخمة، والزيت والعسل والدبس والزيتون والصعتر البري، والخبيزة والهندباء وقرص العنّة والخس والفجل والشاي العابق زمانو والعكوب كلها، اصبحت معروضة هنا وهناك أمام عينيك على عربات الخضرة دون أن تسمع أحداً يناديها·!
واذا سألت عن بعض هذه الحرف، يبادرك ضاحكاً لاعتقاده أنك تسخر منه، ويشير الى زوايا معتمة ومنازل مظلمة، فيها عبق الماضي والعداء لكل ما هو حديث، فقد ولى الماضي المزدهر، وحل مكانه الاهمال، والتنكر للأصالة والاتقان·
المهن المنقرضة التي كانت مورد رزق حلال لكثير من العائلات، ترى هل ذهبت بسبب الحرب الى قبور النسيان؟ هل كانت ضحية الأحداث المتلاحقة التي عصفت بالوطن، فضاع الغد المجهول بعدما كان فجر الصباح على وعد بالشروق·

أيام··· العِز

آل اللببابيدي اشتهروا بتصليح الأدوات الموسيقية (عود، طبلة، بخور···) وأشهرهم كان محمد سهيل اللببابيدي الذي مارس المهنة لأكثر من 35 سنة وقد بدأها منذ الصغر لأنه كان مولعاً بالادوات الموسيقية، فقديماً شهدت هذه المهنة العز، لأن الافراح والاعراس كانت تستمر أياماً وسط اجواء البهجة والألفة·
اليوم بعد الحرب والأحداث المؤسفة فإن هذه المهنة قضي عليها، فكيف يخطر على بالك أن تقيم فرحاً وجارك في مأتم او يمر بحالة حداد ؟ المآسي عمت كل البيوت والويلات أصابت جميع العائلات، ولم ينجُ من سهامها أحد، بالاضافة الى الحالة الأمنية المتوترة دائماً، وعدم اقبال الناس على السهر في الليل، وفوق ذلك كله نرى موجة ''الديسكو'' التي عصفت بعقل الجيل اللبناني، قد أدت بدورها الى انقراض هذه المهنة الى غير رجعة·
كان الاعتماد الرئيسي في التصليح على الأعواد (العود)، بالاضافة الى صنع الطبل والطبلة والمجوز وغير ذلك من أدوات الطرب·
من المهن التي تلاشت في العاصمة بيروت : المجلخ والبيطار وبائع القماش الجوال، وحرفة النول وصانع الفخار على أنواعه، ورسام الأواني الزجاجية، كلها مهن بدأت بالانقراض او انقرض بعضها تماماً، حيث تغير كل شيء وتبدل كل شيء، حرف جميلة ضاعت··· وذكريات حلوة تلاشت، ورحلات يومية توقفت، وأصوات مبحوحة صمتت وصداقات عائلية دفنت والمدنية الحديثة تغزو الأسواق، وأصحاب هذه المهن ينادون: غدار يا زمن!!!

اقرأ أيضا