الاتحاد

دنيا

دم الحبل السري.. حبل النجاة الذي تنطوي عليه أرحام النساء

في ملامحها تتجلى البراءة، وفي عينيها يسكن حزن أليم، حزن أكبر من أن تحمله ملامحها الطفولية الصغيرة· نورة؛ طفلة لم تتجاوز ربيعها الخامس لكنها تبدو واهنة وبطيئة الحركة دوما، تجلس بعيدا عن أقرانها كي لا تزيد المشاغبات الطفولية تعبها، وتنكسر نظرتها وهي تحتضن دبها القطني وتمضي ممسكة بيد والدها في طريقها لتبديل دمها مرة كل شهر· تبكي عندما تتذكر المستشفى، وتحاول أن تخرج من دوامة وجدت نفسها فيها منذ ولادتها··· فهي مريضة بتكسر كريات الدم الثلاسيميا ·
حين ولدت أم نورة شقيقها الذي يصغرها عاشت بين نارين، نار أن تخضع وليدها لعملية تبرع بالنخاع لشقيقته، ونار أن ترى ابنتها أسيرة المرض الذي لا علاج له سوى النخاع، وحتى حين قررت أن تخضع الصغير لعملية تبرع بالنخاع لم تتطابق أنسجته وأنسجة نورة المريضة، فكان لا بد من الصبر وانتظار الفرج مع مولود آخر · في حملها الثالث تضرعت ودعت الله طويلا كي تتطابق الأنسجة مع أنسجة الصغيرة، وكانت تتألم كل ليلة وهي تفكر أنها ستخضع طفلها القادم لعملية زرع نخاع كي تنقذ ابنتها الكبرى نورة ·

دبي - فتحية البلوشي:
تصوير - محمد حنيفة

لكن الله عزَّ وجل لم يخذلها في تطابق الأنسجة ولم يخذلها أيضا حين أزاح عن كاهلها أيضاً إخضاع الصغير للعملية، لأن افتتاح مركز دبي لدم الحبل السري والأبحاث فتح في حياة نورة وأمها وأهلها صفحة أمل جديدة ، حيث تمكنت الأسرة من زراعة الخلايا من دم الحبل السري بعد ولادة عبد العزيز، عوضا عن إخضاع الصغير للجراحة الصعبة··· هذه زبدة الحكاية وهنا التفاصيل:
فتح افتتاح مركز دبي لدم الحبل السري والأبحاث أفقا جديدا لمرضى الثلاسيميا في الشرق الأوسط والعالم ، فهذا المركز ترتكز رؤيته على توفير علاج علمي وطبي للمرضى بواسطة الخلايا الجذعية بدم الحبل السري الذي كان لوقت قريب يعد من النفايات الطبية ويتم التخلص منه بالدفن أو الحرق·

ما هي الخلايا الجذعية

تقول السيدة أسماء ابراهيم الأسد مديرة المختبرات بمركز دبي لدم الحبل السري والأبحاث: يعتبر المركز أول مركز من نوعه في الشرق الأوسط يقوم بتجميع وفحص وتحضير وفصل وخزن الخلايا الجذعية في النتروجين المسال لمدة تتراوح من 15 إلى 20 سنة، مما يمثل أملاً لشفاء الكثير من المرضى الذين يعانون من سرطان الدم وغيره من الأمراض المزمنة، فالخلايا الجذعية وهي كنز الحياة المخفي تكون في أعلى معدلاتها في دم الحبل السري للوليد الصغير· والخلايا الجذعية هي خلايا منشئية تتكون منها أعضاء الجسم المختلفة أثناء التطور الجنيني؛ فهي خلايا تتخلق منها الأعضاء وبالتالي ينشأ جسم الإنسان· أما دورها فهو تنشيط وتجديد الخلايا المصابة من الجسم، وتتركز في الدم والعظام والمشيمة ·
تضيف أسماء: هناك ثلاث طرق حددها الطب للحصول على الخلايا الجذعية: الأولى من الجنين قيد التكون (من 5 أيام إلى اسبوعين)، وهذه الطريقة مرفوضة في الطب لعدم أخلاقية الموضوع بخلاف أن عملية استخراج الخلايا من الجنين عملية مكلفة جدا وتعرض حياة الأم والجنين للخطر· والثانية من النخاع الطبيعي في جسم الانسان البالغ مثل عظمة الحوض أو الصدر ، لكن هذه العملية مؤلمة جداً وتتطلب تخديرا عاما وتحتاج إلى وقت طويل،وبالإمكان الحصول عليها من الدم لكن المشكلة أنه ينبغي أخذ كميات كبيرة من الدم ثم تصفيته، وفي الحالتين لا نحصل إلا على كمية بسيطة جداً من الخلايا الجذعية ·
أما المصدر الثالث وهو الأهم، فهو الخلايا الجذعية التي تؤخذ من الحبل السري ، وهذه هي الخلايا التي نهتم بها في بنك دبي لتخزين دم الحبل السري لسهولة الحصول عليها ولأنها الأغنى بالخلايا الجذعية من بين كل المصادر ·

أهميتها ومميزاتها

تتوفر الخلايا الجذعية المأخوذة من دم الحبل السري فقط أثناء الولادة، أي يمكن الحصول عليها من أي تطابق في أنسجة مولود مع أنسجة المريض· وتكلفة الحصول عليها منخفضة نسبياً مما يجعلها في متناول الجميع، ولا تتطلب عملية الحصول عليها وتخزينها أي تدخل جراحي، ولا تحتاج إلى تخدير عام، ولا تسبب أي ألم للجنين أو الأم، وبوسع طبيبة الولادة سحبها بسهولة، والأهم أنها أفضل مصدر للخلايا الجذعية من حيث الكمية والنوعية والفاعلية· كما أن هذه الخلايا مطابقة تماما لخلايا المولود لذلك يستحيل رفضها مستقبلاً من قبل الجهاز المناعي الخاص به، وبالتالي يمكن استخدامها بأمان للطفل الذي أخذت منه، ومن هنا قد تكون بمثابة (بوليصة تأمين) تدخرها الأم لحياة طفلها· وهي تستخدم بعد حفظها مرة واحدة فقط سواء لمن أخذت منه أو لأحد أفراد عائلته لوجود نسبة تتراوح ما بين 25% و 40 % لاحتمال تطابقها مع بقية أفراد العائلة شريطة أن يتطابق HLA للخلية الجذعية مع خلايا الفرد المنقولة إليه· والأهم أن بالإمكان تخزينها لفترات طويلة تتراوح وفقاً للتجارب التي أجريت حتى الآن بين 15-20 سنة، كما تشير جميع الأبحاث إلى إمكانية تخزينها مدى الحياة·
كيف يتم التبرع؟

لكن كيف تتم عملية التبرع، تجيب أسماء: يتم تسجيل الأم المتبرعة في فترة الحمل وتحديد فئة التبرع، فإذا أرادت الأم التبرع بالعينة من أجل استعمالها للمولود أو لأي شخص في العائلة هناك رسوم بسيطة تغطي بالكاد تكلفة التخزين، أما بالنسبة لمن يتبرعن للمرضى فيتم جمع العينات منهن مجاناً، وعند التسجيل تعبئ الأم المتبرعة نموذجاً خاصاً بالموافقة يوضح كل حقوقها وحقوق الوليد، وتجرى معها مقابلة شخصية للتعرف على تاريخها الطبي والحصول على معلومات حول الحمل والأدوية التي تتناولها والمشكلات الصحية السابقة في عائلتها وعائلة الزوج أيضاً·

عملية التبرع

لا تنطوي عملية جمع دم الحبل السري على أي مخاطر لأنها أشبه بأخذ عينة الدم العادية، وتتم بعد ولادة الجنين كما تؤكد أسماء الأسد : بعد ولادة الجنين يتم قص الحبل السري وفصله ثم أخذ العينة ، ولا يحدث أي ألم على الاطلاق إذ أن الحبل السري والمشيمة يخلوان من الاحساس تماما كالشعر والأظافر ، ومن الناحية الطبية فإن جمع دم الحبل السري عملية تتسم بالأمان التام ولا تنطوي على مخاطر صحية على الأم أو المولود لأن الجمع يتم بعد الوضع لتكون كمية الدم المسحوبة أكثر وإذا حدثت أي مضاعفات للأم أو الجنين أثناء الوضع فلن تقوم الطبيبة بسحب عينة الدم التي تتراوح من 120- 200 مل تجمع في كيس من البلاستيك الطبي الشبيه بأكياس نقل الدم العادية تحصل عليه الأم مع عدة طبية خاصة عند تسجيلها في المركز· وبعد عملية جمع دم الحبل السري تقوم الممرضة بسحب ثلاث عينات دم من وريد الأم؛ واحدة لضمان خلو الأم من الأمراض الفيروسية، والثانية لاختبار التطابق النسيجي، والثالثة للاختبارات المستقبلية على الدم· ويتم حفظ عينة دم الحبل السري في حاوية خاصة تحفظها بدرجة حرارة الغرفة العادية، وتبقى صالحة لمدة 36 ساعة تنقل خلالها من المستشفى الذي ولدت فيه الأم إلى المركز الذي يضعها في برادات خاصة تقوم بتبريدها تدريجيا لتصل إلى درجة 196 تحت الصفر لأن تبريدها مرة واحدة يدمر الخلايا الجذعية لذا تحتاج للتبريد التدريجي تمهيدا لتخزينها في الهيدروجين السائل ·

أول الغيث

استقبل مركز دبي لدم الحبل السري والأبحاث منذ تأسيسه (300 ) عينة (60% ) منها قام أصحابها بتخزينها لأنفسهم، و40% من المتبرعين للمرضى الآخرين· وبالفعل تم مد المرضى الذين تطابقت أنسجتهم بعينات محفوظة متبرع بهـــا بالخلايا اللازمة، وخضع بعضهم لعمليات زراعة الخلايا، وكانت أول حالة بعد افتتاح المركز بشهر واحد فقط، حيث حصل طفل اماراتي على عينة من الحبل السري أنقذته من مرض الثلاسيميا·

أهم العراقيل

أهم المشاكل التي تواجه المركز تتمثل في: نقص الوعي بأهمية الخلايا الجذعية بين النساء خاصة المواطنات منهن، فالكثير من النساء -كما تقول أسماء- يجهلن وجود المركز أو لا يعرفن أساسا ما معنى الخلايا الجذعية، وبالتالي لا يسجلن للاحتفاظ بها، مع العلم أن لدى كل امرأة أكثر من فرصة للتبرع بالخلايا الجذعية وتخزينها عوضاً عن رميها في الفضلات الطبية، ولهذا السبب يتبع المركز خطة إعلامية موسعة للوصول إلى الحوامل فهن المستهدفات قبل غيرهن عن طريق وضع الكتيبات في المراكز الصحية وعيادات مراجعة الحوامل، وهناك اتصالات بمستشفيات الولادة الحكومية والخاصة خارج دبي لافتتاح مراكز توزيع عدة الجمع ولجمع العينات من الامارات عوضا عن أن نقوم بارسال السائق عدة مرات لأخذ العينات أو لايصال عدة الجمع للسيدة الراغبة بالتسجيل والاحتفاظ بالخلايا، كذلك يقوم المركز بارسال فرق طبية لبعض المستشفيات من أجل تدريب طبيبات الولادة والممرضات على عملية جمع العينات ·

صرت سفيرة

وترى السيدات اللواتي احتفظن بالخلايا الجذعية أن عملية التسجيل في المركز من أبسط ما يكون فهذه فاطمة راشد تقول: سمعت من بعض الأقارب عن بنك دبي لتخزين الحبل السري، ثم قرأت عنه في الجريدة مما شجعني وزوجي للاحتفاظ بالخلايا الجذعية لمولودنا، كنا سمعنا عن الشركات الخاصة من قبل لكننا فضلنا مركز دبي لأنه جهة حكومية ولثقتي في أنه الأفضل، اتصلت بهم وأجبت على أسئلتهم ثم أرسلوا لي الأدوات مع السائق وأخبروني بالطريقة التي يتم بها جمع العينات وكانت موضحة أيضا في ورقة مرفقة، بعدها أخبرت الطبيبة فشجعتني ، وحين أتى وقت الولادة تم سحب العينة دون أن أشعر بشيء، مما حولني إلى سفيرة للمركز عند جميع قريباتي وصديقاتي الحوامل أشجعهن وأوضح لهن ايجابيات الاحتفاظ بالعينات حتى أن أخت زوجي قامت بتخزين عينة دم الحبل السري أيضا ·
لنا وللمحتاجين

وعلمت فايزة ابراهيم الجناحي عن المركز حين قرأت بعض الكتيبات الموضوعة في عيادة النساء، بعدها تشجعت واتصلت بالمركز كي أستفسر أكثر، وحين وجدت أنني مطمئنة من كل شيء، حرصت على التسجيل خاصة وأن مرض الثلاسيميا وراثي وموجود في عائلتي· وبصراحة وددت أن أجنب نفسي عناء الأمهات اللواتي يشقين من مرض أطفالهن، وأجنب مولودي عناء تبديل الدم وما يرافقه من وهن وتعب جسدي ونفسي· ولأني وضعت مولودي في مستشفى الوصل قامت الطبيبة بجمع العينة وارسالها مباشرة للمركز، وبالطبع لم أشعر بأي ألم حتى مع الفحص المأخوذ من الوريد، لذا أنصح جميع أخواتي الحوامل بالاحتفاظ بعينات دم الحبل السري لأبنائهن لأن هذا من حق المولود على أهله، وكذلك بالتبرع للمحتاجين خاصة إن كانت الأم قد احتفظت من قبل بعينة لأن انقاذ نفس تعادل انقاذ العالم، وهذا الدم البسيط فيه حياة مريض وشفائه ·

اقرأ أيضا