الاتحاد

عربي ودولي

هل قبلت الحكومة السودانية القوات الدولية.. أم تنازلت عنها الأمم المتحدة ؟

فيصل محمد صالح:

يدور جدل كبير حول مغزى قبول الحكومة السودانية لخطة السكرتير العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان المسماة (مدخل ثلاثي المراحل Three Phased Approach) لحل مشكلة دارفور· وفيما يمضي تنفيذ الاتفاق الذي تأسس على خطاب كوفي عنان للبشير بتاريخ 18 ديسمبر، ورد الرئيس البشير بتاريخ 23 ديسمبر، فإن النقاش يدور حول المقارنة بين قرار مجلس الأمن رقم ،1706 الذي رفضته الحكومة من قبل، وأدارت ضده حملة إعلامية داخلية وخارجية، وبين خطة كوفي عنان ثلاثية المراحل·
ويتساءل الرأي العام المحلي والدولي عن مضمون الخطة التي قبلتها الحكومة لأن الطرفين، الحكومة والأمم المتحدة، قدما تفسيرين مختلفين لها·
قرار التدخل الدولي
صدر القرار 1706 في الحادي والثلاثين من أغسطس ،2006 وهو يبدأ في ديباجته بالإشارة للقرارات السابقة الصادرة من مجلس الأمن بشأن السودان، ثم يضيف أيضاً الالتزام ''بأن تتسم عملية الأمم المتحدة في دارفور، قدر الإمكان، بمشاركة إفريقية وطابع إفريقي قويين''· ثم ينتقل نص القرار لفقرة مطولة تشيد بجهد الاتحاد الإفريقي لحل أزمة دارفور، ويثني على اتفاق ''أبوجا'' اتفاق سلام دارفور DPA'' ويقر بأهمية تقديم الدعم الدولي لتنفيذ الاتفاق·
ثم تأتي ثلاث فقرات تمثل جوهر القرار ،1706 وهو إرسال قوات دولية إلى دارفور·
في الفقرة رقم ''''1 يقرر المجلس تمديد ولاية وعمليات بعثة الأمم المتحدة إلى السودان لتشمل دارفور، ويبرر ذلك بأمل دعم التنفيذ المبكر والفعال لاتفاق دارفور للسلام، ويدعو الحكومة للموافقة على هذا الانتشار·
ثم في الفقرة رقم ''''2 يطلب من الأمين العام ترتيب النشر السريع لقوات إضافية لبعثة الأمم المتحدة في السودان حتى تتمكن من الانتشار في دارفور·
ثم تأتي الفقرة ''''3 التي تحدد حجم وقوام البعثة المطلوبة بعدد 17300 من الأفراد العسكريين، و3300 من الشرطة المدنية، وحوالي ألفي فرد آخرين من الخبراء والمستشارين، كما يبقى حجم البعثة قابلاً للمراجعة مع مقتضيات الحال·
ثم ينتقل القرار في الفقرات الأخرى ليطلب من الأمين العام بالتشاور مع الاتحاد الإفريقي والحكومة وأطراف ''أبوجا'' لوضع جدول زمني للانتقال من بعثة وولاية الاتحاد الإفريقي في السودان إلى عملية الأمم المتحدة في دارفور، وأن تنتقل مسؤولية تنفيذ اتفاق سلام دارفور من بعثة الاتحاد الإفريقي في السودان إلى بعثة الأمم المتحدة في السودان·
تحدد الفقرة الثامنة، وهي فقرة مطولة جداً ومقسمة إلى 12 فقرة فرعية، وسائل دعم بعثة الأمم المتحدة في دارفور لاتفاق ''سلام دارفور''، ومنها رصد تنفيذ الأطراف لوقف إطلاق النار الشامل والترتيبات الأمنية، مراقبة ورصد تحركات الجماعات المسلحة والتحقيق في الانتهاكات، العمل على وجود أماكن آمنة، ورصد الأنشطة العابرة للحدود، المساعدة في برنامج نزع السلاح وتأهيل المقاتلين ونزع الألغام، والمساعدة في التحضير للاستفتاء، والمساعدة في شرح وفهم اتفاق السلام، والمساعدة في إعادة هيكلة مرفق الشرطة، وتعزيز سيادة القانون بما في ذلك إقامة جهاز قضائي مستقل·
حزمة الدعم الثلاثي
واجهت الحكومة السودانية، كما هو معروف القرار 1706 بالرفض، وقادت حملة واسعة ضده· وجرت خلال هذه المراحل مفاوضات ووساطات كثيرة، وجاء المبعوث الأميركي اندرو ناتسيوس ومساعدة وزيرة الخارجية الأميركية جنداي فريزر أكثر من مرة، كما وصل أكثر من مبعوث أممي وإفريقي في محاولة لإقناع الحكومة بالقرار· لكن ملخص وجهة نظر الحكومة السودانية أن القرار يستهدف سيادة السودان باستقدام قوة تدخل أجنبي إلى أراضيه، وأن العملية جزء من مخطط أميركي- غربي لتقويض النظام واحتلال أراضي البلاد، لهذا قررت رفضه وأصرت على أن الخيار الوحيد المتاح هو استمرار قوات الاتحاد الإفريقي· وكان في حساب الحكومة أيضاً أن المجتمع الدولي ورطها في اتفاق أبوجا ثم تحلحل منه، وبدلاً من مكافأتها على التوقيع ومعاقبة الرافضين، كما كان يهدد، فعل العكس فعاقب الحكومة بالقرار 1706 ولم يلاحق الرافضين· بعد جهود طويلة وتحركات متعددة طرح الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان ما سمي بـ''العملية، أوالمدخل ثلاثي المراحل'' Three Phased Approach /Operation، وتسميها الصحافة السودانية ''حزمة دعم أبوجا''، والتي قبلتها الحكومة كحزمة واحدة، وبدا أنها ستنهي الأزمة· وقد تم طرح هذه العملية باعتبارها حزمة واحدة، تتكون من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الدعم الخفيف من الأمم المتحدة لقوات الاتحاد الإفريقي في دارفور، وتشمل نشر خبراء ومستشارين عسكريين وشرطة وموظفين مدنيين من الأمم المتحدة يبلغ عددهم الكلي 186 فرداً يرتدون قبعة الأمم المتحدة، بجانب دعم مالي وفني ولوجيستي ومعدات في حدود 21 مليون دولار·
المرحلة الثانية: الدعم الثقيل ويشمل نشر المئات من الخبراء والمستشارين ورجال الشرطة والموظفين المدنيين مزودين بالأجهزة والمعدات والآليات الثقيلة اللازمة لتهيئة الأجواء للمرحلة الأخيرة، مع مزيد من الدعم المالي·
المرحلة الثالثة: العملية الهجين (Hybrid Operation): وتشمل نشر قوات مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور تتشكل من 17300 جندي وحوالي 3300 شرطي وألفين من المستشارين والخبراء والفنيين· ومن الأفضل هنا نقل التعبير الحرفي لهذا الجزء من خطة الأمين العام باللغة الإنجليزية· كما تنص الخطة على التشاور مع الاتحاد الإفريقي لتعيين ممثل خاص مشترك وقائد عام للقوات الهجين· ووعد الأمين العام في الخطة ببذل أقصى جهد ممكن لتوفير قوات إفريقية للمرحلة الثالثة ''القوات الهجين'' وإذا لم تستطع الدول الإفريقية تزويد الأمم المتحدة بالعدد الكافي، عندها سيتم توسيع العملية بضم قوات من دول أخرى· وبحسب اقتراحات وتصريحات سابقة، فإنه من غير المتوقع أن تضم القوات الدولية المقترحة، سواء في القرار 1706 أو العملية ثلاثية المراحل، أي قوات أوروبية· وكانت كل التصورات المطروحة، حتى السابقة منها، تقصر المشاركة على القوات الإفريقية والدول الآسيوية أو الإسلامية، على أن يقتصر الوجود الأوروبي على الخبراء والمستشارين·
رد البشير
أكد خطاب الرئيس البشير لكوفي عنان (23 ديسمبر)، موافقة السودان الكاملة على حزمة الدعم الثلاثي، أوالعملية ثلاثية المراحل· ويؤكد خطاب البشير أن مقترحات عنان هي محصلة لما ورد في قرارات اجتماع أديس أبابا وإعلان قمة مجلس السلم والأمن الإفريقي في أبوجا· ويشيد خطاب البشير بالبيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الأمن وصدق فيه على قرارات وتوصيات أديس أبابا وأبوجا، وصدق فيه على اتفاق أبوجا للسلام·
وعبرت رسالة البشير إلى كوفي عنان عن استعداد الحكومة للبدء فوراً في تطبيق الخطة عبر اللجنة الثلاثية التي تضم ممثلين للحكومة والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، لكنه ركز على عدد من النقاط والملاحظات، وليس تحفظات كما أشار البعض·
- فهو تحدث عن اتفاق وقف إطلاق النار، وحمل جبهة الخلاص الوطني مسؤولية الخروقات، فيما يشبه الإشارة لطلب معاقبتها من قبل مجلس الأمن، ثم طالب بإعادة تنشيط العملية السياسية عبر المفاوضات مع رافضي ابوجا تحت رعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي· ودعا الخطاب للإسراع في تكملة المرحلتين الأولى والثانية المتعلقة بالدعم الخفيف والثقيل من الخطة·
- ثم تأتي النقطة المهمة، تحدث الخطاب عن إكمال الخطط للعملية الهجين، واستخدم خطاب الرئيس التعبير نفسه الذي استخدمه عنان (Hybrid Operation) · والملاحظة الوحيدة، وليس التحفظ، الذي ورد في خطاب الرئيس كان حول حجم القوة، حيث طالب الخطاب أن يتم اعتماد ما ورد في مقررات أديس أبابا وأبوجا، وقال بالنص: ''إن حجم القوات يتم تحديده من جانب الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة بعد أخذ كل العوامل في الاعتبار وكذلك الوضع على الأرض ومتطلبات تحقيق الأهداف المحددة بفعالية''· بمعنى أن العدد أوالحجم لم يتم الاتفاق عليه بعد، وأن الرئيس لا يوافق على العدد المقترح حالياً '' 22 ألف فرد'' وأن ذلك سيتحدد بالتشاور بين الجهتين المكونة للقوة الهجين·
- أهم نقطة في الخطاب هي النص الواضح على إعطاء جنود وموظفي الأمم المتحدة في دارفور المشاركين في العملية الهجين الوضع نفسه القانوني لأعضاء بعثة الأمم المتحدة في السودان UNMIS من حيث الضمانات والحصانة وحرية التحرك ولبس القبعات الزرقاء·
استخدم الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك الرئيس البشير، تعبيري ''البعثة'' و''العملية''، أكثر من كلمة القوات؛ لأن تعبير البعثة أوالعملية أكبر وأشمل، وهو يشمل القوات، كما يضم الشرطة والموظفين المدنيين والجوانب العملياتية الأخرى، لكن عاد عنان ليفصل في فقرات لاحقة حجم العسكريين والمدنيين في البعثة· وقد اتفق البشير وعنان على استخدام تعبير ''العملية الهجين''· ويلاحظ أن المندوب السوداني في الأمم المتحدة لعب على هذه الكلمات عندما قال: ''إن الخطة لا تتضمن قوات هجيناً، وإنما هي عملية هجين تساعد فيها الأمم المتحدة بالخبراء والمستشارين فقط، لكن بحسب خطة عنان فإن العملية الهجين تتضمن قوات هجيناً، وأن جنود الأمم المتحدة مهما كان عددهم سيلبسون قبعات الأمم المتحدة وينطبق عليهم اتفاق وضع القوات (SOFA) الموقع بين الحكومة والأمم المتحدة·
- فيما يتعلق بالقيادة Command and Control قال الفريق عبد الرحيم محمد حسين: إن الاتفاق تم على أن تكون القيادة من نصيب الاتحاد الإفريقي، لكن لم يرد ذكر هذا الأمر في خطاب البشير لكوفي عنان، أما فيما تسرب من نصوص الخطة فيقول فيها عنان بالنص الإنجليزي:
The "hybrid" force would also be bolstered by UN command and control systems and equipment
وهو ما معناه أن القوة الهجين ستخضع لنظام ومعدات القيادة التي تتبعها الأمم المتحدة· وعلى العموم تقول الخطة: إن شخص القائد سيتم الاتفاق عليه بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وغالباً ما يكون قائداً إفريقياً يتبع للأمم المتحدة، ذلك لأن غالبية القوات ستكون إفريقية·
والمفهوم الآن أن كل قوات الاتحاد الإفريقي الموجودة الآن ستكون جزءاً من القوة الهجين، لكن المفترض حسب الخطة أن البقية ستكون تابعة للأمم المتحدة وترتدي شاراتها وقبعاتها، سواء كانت من دول إفريقية أم لا· الآن بدأت الخطة، ولو سارت دون عقبات فهي ستفتح الباب أمام المفاوضات مع رافضي أبوجا، كما أنها تضع مسؤولية مراقبة ومنع الانتهاكات على عاتق المنظمة الدولية مباشرة، وهذا أهم جزء في العملية·

اقرأ أيضا

عشرات القتلى وملايين المشردين إثر أمطار في شرق أفريقيا