الاتحاد

عربي ودولي

قرنان على رحيل الفسيلسوف الألماني (1)

العودة إلى كانط

يحتلّ الفيلسوف الألماني إمانويل كانط 1724 ـ 1804 في الفكر المعاصر مكانةً متفردةً حقاً· فما يوحِّد أغلب الاتجاهات الفلسفية المتعارضة هو ارتكانها إليه· كان التجريبيون، من جهة أولى، قد وثقوا بتقويض كانط لـ (الميتافيزيقا الدوغمائية)، وعمله هذا، كما يعبر مندلسون يسحق كلَّ شيء، ومع ذلك ظلوا مستائين من رواسب الفكر الدوغمائي لديه لاسيما استنتاجه لأبعاد الفضاء الثلاثة·
من الجهة الأخرى، هناك القبْليون الذين فهموا أنفسهم، بالتأكيد، فهماً متعالياً بالإحالة غالباً على كانط، ولكنهم اتبعوا في الأخير فخته، فغمرهم السرور بهجرهم راسب الشيء في ذاته الدوغمائي لصالح مبدأ أسمى هو الأنا الذي يستمدون منه شرعية كل شيء· وكما هو معروف، فحتى التعارض بين المثالية والمادية، من المنظور الماركسي، أُعيد تعريفه من خلال كانط، بمعنى أن ماركس نفسه اعتبر المادية قبل كانط دوغمائية·
حوالي العام 1860 استُخدم شعارُ ''العودة إلى كانط'' شعاراً لحلول الكانطية المحدثة، ولم يُستخدم هذا الشعار لمهاجمة هيمنة المدرسة الهيغلية المثالية التأملية حسب، إنما أيضاً ضد النزعات المادية، والطبيعية، والنفسية الظافرة، وهي نزعات كانت قد ارتقت المسرح كحركات مضادة لهيغل· ومع ذلك، تبقى ناصعةً حقيقةُ أن هذا الشعار كان متأصلاً في تراث فخته وهيغل إلى حد بعيد، الأمر الذي فاتَ مَن رفعَ هذا الشعار·
ثمة فسحة التقت فيها نزعة كانط التجريبية ومذهب الكانطية المحدثة القبْلي فأدى ذلك إلى تحوير صورة كانط في عصر ما بعد كانط، وما بعد هيغل، فتأسيس كانط لفلسفة خلقية قائمة على حقيقة الحرية المدعومة عقلياً يميل إلى الانزواء أمام مساهمة كتاب ''نقد العقل المحض'' في تقويضه للميتافيزيقا الدوغمائية·
إن عناية كانط بالعلوم الطبيعية المحضة بالمعنى الذي ذهب إليه نيوتن لم يكن لديها، بالتأكيد، سوى القليل لتقدِّمه لعالَم التاريخ مقارنة بما قدمته فلسفة هيغل في تفسيرها المهيب، ولكن التشويهي، لعالَم التاريخ· لقد أنكرت فلسفة كانط الخلقية أي أساس أنثروبولوجي، وعبرت عن شرعيتها للكائنات العاقلة بما هي كذلك· وحتى في عصر زعم بغرور أنه عصر انتصر فيه على الميتافيزيقا، كانت هناك مع ذلك محاولات لنقل مفهوم المنهج المتعالي إلى مناطق أخرى كلما تمّ تأويل كانط تأويلاً معرفياً· وهكذا، أوِّل المبدأ البارع في فلسفة كانط الخلقية تأويلاً معرفياً، والتُمست نظرية توفر أساساً لمعرفتنا العالمَ التاريخي، وللعلوم الطبيعية كذلك· فطموح دلتاي في وضع نقد للعقل التاريخي يقف جنباً إلى جنب النقد الكانطي، ونظرية الكانطييْن المحدثَيْن فيندلباند ـ ريكرت التي صنّفت المعرفة التاريخية تحت الفكرة المنهجية النظرية عن عالم للقيم؛ أقول: إن هاتين النظريتين تشهدان كل واحدة بطريقتها الخاصة على سيادة النقد الكانطي· بيد أنهما بعيدتان تماماً عن التصور الذاتي الذي كان يحمله كانط؛ لأنه أراد أن يعيّن حدود المعرفة كيما يهيئ مكاناً للإيمان·
وهكذا اختُزل كانط، في عصر الكانطية المحدثة، على نحو غريب، إلى نظام فكري عام بحيث أما أن يكون نقداً أو فلسفة متعالية· وإن هذه الكانطية المحدثة هي التي دعّمت الفهم الذاتي الفلسفي لظاهراتية هوسيرل الناشئة·
كانت فلسفة القرن العشرين، لاسيما الحركة الفلسفية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، مشدودة إلى مفهوم الظاهراتية، والفلسفة التي ندعوها اليوم بالفلسفة التأويلية قائمة إلى حد بعيد على فكرة ظاهراتية· ولكن حينما ننظر اليوم نظرة استرجاعية وتاريخية ينهض السؤال الآتي: ما الظاهراتية ؟
من المؤكد أنها لم تكن، ابتداءً، تنويعاً على ذلك الضرب من الظاهراتية الكانطية المحدثة كما تجلّت في مدرسة ماربورغ، ولم تكن إنجازاً منسجماً معها· كانت الظاهراتية، كما تدل الكلمة ضمناً، طريقة منهجية لوصف الظواهر من دون انحيازات، كما تضمّنت تخلياً منهجياً عن جميع التفسيرات ذات الأصول الفسيولوجية ـ النفسية، وعن جميع المحاولات للاستدلال من مبادئ متصورة سلفاً·
وعلى الرغم من ذلك، فإن هوسيرل في اعتماده الواعي على الكانطية المحدثة، وهو اعتماد استخدمه لغرض تزويد فنّ الوصف لديه ونظريته في البداهة بتسويغ نظري، عنى تجديداً لتصوّر نظام أحادي الجانب؛ نظام استند إلى كانط على نحو أقل من استناده إلى فخته وهيغل· من المؤكد أن ما اضطلع به هوسيرل بصدد الشعار ''كيف أُصبح فيلسوفاً صادقاً ؟'' كان جهداً متعالياً من أجل تسويغ ذلك، غير أن الردّ المتعالي يقود إلى وعي ذاتي قاطع، الشيء الذي جعل من الفلسفة ''علماً دقيقاً''، أما برنامجه عن ''ظاهراتية ''تكوينية''، الذي أقيم على بيِّنة أنا متعالية، لم يطابق بالحد الأدنى الاستدلال المتعالي بالمعنى الكانطي· فالاستدلال طرحه كانط برهاناً على شرعية المقولات بعد أن تمّ استنتاج الاستدلال الميتافيزيقي لقائمة المقولات من ''قائمة الأحكام''·
كانت ظاهراتية هوسيرل ''التكوينية'' تشبه نموذج فخته في ''الاستنتاج''، بمعنى الوصول إلى المقولات من أفعال الأنا· بالطبع، ربما كان هوسيرل يعي جيداً أن مفهوماً عن النظام كذلك الموجود في مثالية فخته ـ هيغل، أو في المثالية المحدثة لمدرسة ماربورغ، إنما هو مفهوم يفتقر إلى أساس أصيل، فليس سوى توضيح ظاهراتي للتعالق القيِّم لفعل قصدي بموضوعه هو ما يمكن أن يجعل الفكر المتعالي لـ''الإنتاج''، أو ''التكوين'' أمراً محتملاً· فكانت ظاهراتية الإدراك هي النموذج المعروف جيداً لبحث التعالق لفعل قصدي بموضوعه· ومن هنا يصبح التحسين الحاسم في مفهوم ناتروب عن التعالق ظاهراً في التمييز لأفعال الحياة القصدية؛ وهو تمييز يقدم نفسه باتجاه الموضوع نفسه كموضوعة للتحليل الظاهراتي· فأدى هذا إلى توضيح ظاهراتي جديد لبصائر كانط بمعنى قريب من الكانطية الفختية المحدثة·
لنأخذ على سبيل المثال مفهوم ''الشيء في ذاته''، وهو المفهوم الأكثر أساسية وحيوية في فلسفة كانط، وكان فخته قد اعتبر هذا المفهوم استعارةً يجب أن تُستبعد، كما جعلت منه الكانطية المحدثة (ناتروب) ''مهمة لا متناهية'' في تحديد موضوع المعرفة· فحاول هوسيرل أن يدقق في سذاجة أولئك الذين أرادوا أن يصونوا مبدأً واقعياً في فلسفة كانط المثالية، فأوضح حتى هذا المبدأ الواقعي للشيء في ذاته خلال تحليله البارع لظاهراتية الإدراك· إن الاستمرارية في الاختلافات الطفيفة لظلال شيء ما، التي يَمثُلُ فيها هذا الشيء طبقاً لماهيته، متضمنة في القصد الذي ينتمي لكل فعل إدراك حسي، وهذا بالدقة معنى وجود شيء ما في ذاته·

هانز جورج غادامير:
ترجمة: د· حسن ناظم ـ سدني

اقرأ أيضا

فنزويلا تدعو أميركا لإعادة العلاقات الدبلوماسية