الاتحاد

عربي ودولي

هل هناك حاجة عالمية للإصلاح؟

علي حرب: باستثناء دول الخليج العربي لم نستطع تقديم
أنموذج ناجح في التنمية على غرار اليابان أو ماليزيا

بيروت ـ حوار: رسول محمد رسول:

هل يبدأ الإصلاح من الداخل أم من الخارج؟ هل يبدأ من الذات الشخصية والمحلية والإقليمية والقومية أم من الذات العالمية أو ما يعرف اليوم بالذات الكوزومبوليتية؟ وإلى أي مدى تحتاج البشرية المعاصرة إلى إصلاح عالمي يتسم بالشمول والنطاق الواسع، وتتشارك في صناعته كل أطراف المعمورة بما لها من عدَّة مفاهيمية ومناهج وأفكار خلاقة؟ وبالتالي هل الإصلاح مسؤولية دولة أم مسؤولية فرد؟ وما دور المثقف المعاصر في الإصلاح، وهل تغيرت أدوار النُّخب المثقفة في التفكير فيه والعمل من أجله؟
إن هذه الأسئلة وغيرها كانت مدار حوارنا مع المفكِّر والفيلسوف اللبناني علي حرب الذي التقيناه في بيروت على هامش ورشة عمل فكرية تدارس المشاركون فيها الإجابة عن سؤال مفاده: كيف نحوِّل الأفكار الإصلاحية إلى سياسات عملية؟
هل تعاني البشرية من عجز إزاء التحديات التي تواجهها، وبالتالي ما هو نصيب العرب من هذا العجز؟
ـ في الواقع ثمَّة عجز متزايد تظهره البشرية إزاء المشكلات والآفات المتعلقة بالفقر والأوبئة والتلوث والتفاوت، فضلاً عن الإرهاب الذي بات الداء الأعظم على ما يشهده تدهور الأمن على المسرح الكوني· أما في العالم العربي، فالمشكلات مزمنة ومركَّبة، بقدر ما هي مضاعفة ومتفاقمة، كما تتجسَّد في التعثُّر والفشل والانهيار والسقوط في الشعارات والمشاريع، وعلى الجبهتين المتصارعتين، جبهة الكتلة التراثية بمختلف نسخها الدينية، الأصولية والتقليدية، مقابل الكتلة الحداثية بمختلف اتجاهاتها ومنوعاتها القومية والاشتراكية أو الليبرالية والعَلمانية·
كيف أخفق الحداثيون العرب في مشروعاتهم؟
ـ اشتغل هؤلاء الحداثيون طوال عقود بتكرار الشعارات الحديثة حول العقلانية والاستنارة والديمقراطية والعَلمانية، من دون التمكُّن من التجديد؛ لا على غرار القدامى ولا على غرار المحدثين· ولهذا لم يظهر عندنا ديمقراطي كمانديلا، ولا علماء وفلاسفة كالشافعي والفارابي أو كابن رشد أو ابن خلدون أو لوثر وديكارت· كذلك لم نستطع تقديم أنموذج ناجح في التنمية على غرار اليابان أو ماليزيا، ربما باستثناء دول الخليج العربي التي هي أصلاً استثناء من حيث ثرواتها وقلَّة سكانها وحجم العمالة الأجنبية لديها·
أيمكننا القول إذن إن مشروعات الإسلاميين، مقارنة بمشروعات الحداثيين العرب، أكثر تكريساً للفشل؟
ـ وأسألك، وأنت عراقي: هل نأمل بعدُ بحلٍّ إسلامي إثر حرب الجوامع والمراقد في العراق، والتي هي فضيحة هذا المشروع وأكذوبته؟ لنعترف بالواقع إذا أردنا أن نشخِّص ونعرف أو نعقل ونتدبَّر؛ فالمشروع الإسلامي فقدَ مصداقيته على أرض الواقع، وفي ضوء التجارب المريرة والمدمِّرة· فهذه مصائره على اختلاف نسخه ومنظماته التي تشهد على أهله؛ تحويل الفكرة إلى مؤسسة للإدانة، والهوية إلى محميَّة عنصرية، والصحوة إلى عتمة دامسة، والنهضة إلى مهاوي التهلكة، والسلام إلى حرب دائمة، والدعوة إلى استراتيجية قاتلة، وكلمة الله الجامعة إلى فتن أهلية وخلافات وحشية·
كيف تنظر إلى الإصلاح بعد كل الذي جرى على العالم من متغيرات تبدو كونية؟
ـ الإصلاح عملية شاملة ودائمة، بقدر ما هو عملية معقدة ومركَّبة، فهو يجري على غير صعيد، وفي غير حقل، ويشارك فيه أكثر من طرف أو فاعل ومتدخل، بمعنى أنه عام وخاص، رسمي وأهلي، سياسي ومدني، محلي وكوكبي·
ولكن هناك من ينظر إلى الإصلاح على أنه مسؤولية دولة فقط؟
ـ لم يعد الإصلاح مسؤولية الحكومات والإدارات الرسمية وحدها، إنما هو حكومي بقدر ما هو أهلي ومدني· إنه مسؤولية الساسة بقدر ما هو مسؤولية رجال الأعمال، أو مسؤولية العُلماء والخبراء والمثقفين، بقدر ما هو مسؤولية الناس أجمعين·
اعتقدُ أنه لن تنجح أو تنطلق محاولات الإصلاح في العالم العربي من دون تدخُّل رجال المال والاقتصاد؛ فهؤلاء يحملون مسؤولية مضاعفة، وذلك على قدر تصدرهم الواجهة العالمية، شأنهم بذلك شأن بقية الفاعلين الاجتماعيين الجُدد كالإعلاميين، وأصحاب الشركات، ومنتجي برامج المعلومات وتقنيات الاتصال·
هل تمثل المشاركة عصب الإصلاح في مفهومه الذي تدعو إليه؟
ـ أعتقد أن هناك حاجة إلى تدارس مشكلات التغيير، حاجة إلى ندوات هجينة ومركَّبة يجتمع فيها، للمناقشة والمداولة، فاعلون من تخصصُّات مختلفة ومواقع متعدِّدة، يثرون النقاش والدرس والمعالجة، من خلال تعدُّد وجهات النظر، وتباين أنماط الفهم أو استراتيجيات التدخل أو التوسُّط أو التدبر· لقد ولى زمن المثقف الذي ينوب عن مجتمع في رسم خطط الإصلاح والبناء؛ لأن الأمر أصبح يتم بالشراكة والمبادلة·
هل يعني ذلك أن التفكير في الإصلاح هو تفكير تتشارك فيه أطراف عدَّة وما عاد قاصراً على تفكير النخبة؟
ـ قلتُ إن زمن المثقف الذي ينوب عن مجتمع قد ولى· لم يعد الإصلاح شأن نخب تفكُّر وتضع الخطط التي ينفذها الآخرون، كما كان يجري في المجتمع التقليدي أو حتى في المجتمع الصناعي الحديث، حيث كانت النُّخب البيروقراطية أو الأكاديمية تفكِّر عن بقية الناس·
إن ثنائيات النُّخبة/ الجماهير، العامَّة/ الخاصة، الطليعة/ الشعب، لم تعد فاعلة في عصر المعلومة واقتصاد المعرفة؛ حيثُ الفرد وقد صار يعتمد على قواه الذهنية، ويوظف طاقته العقلية أكثر مما يعتمد على قواه البدنية أو العضلية· نحنُ ننتقل الآن من المجتمع النُّخبوي المركزي والبيروقراطي إلى المجتمع التداولي الذي يتألف من حقول وقطاعات منتجة وفاعلة تتبادل التأثيرات ويغني بعضها بعضاً· وكل فاعل فيه يمارس حيويته الفكرية، بقدر ما يفكِّر بطريقة مختلفة من موقعه وزاويته في النظر· وكل فاعل قادر على التشخيص وتقديم الاقتراحات بقدر ما له من الخبرة والمعرفة· وكل حقل منتج هو مساهم في عملية البناء على قدر إسهامه في المناقشات والمداولات، وكل فكرة حية، أكان مصدرها ميدان العمل أم المجتمع العلمي، إنما تحتاج إلى الصرف والتحويل وإعادة الإنتاج على سبيل الإبداع لكي تتحوَّل إلى حلِّ ناجح أو إجراء فعّال أو عمل تنموي مثمر في مجال من المجالات·
إلى أي مدى هناك حاجة عالمية للإصلاح؟
ـ أعتقدُ أن الإصلاح لم يعد شأناً وطنياً، وإنما صار له أبعاده الإقليمية والعالمية، كما تشهد الندوات والمؤتمرات في التنمية والمعلومة أو في التربية والإدارة أو في الأمن والطبابة· ما من ندوة هامة تعقد اليوم، في أي بلد عربي، إلا وتكون على نطاق عربي وإقليمي أو دولي وعالمي، إذ يشارك فيها، مع العرب، أوروبيون أو أمريكيون أو صينيون أو يابانيون أو أتراك أو أفارقة أو أُناس من أمريكا اللاتينية·
وهل هذا بدوره يتطلَّب قدرا من الانفتاح على الآخرين بل على نماذج إصلاحية باتت عالمية في عطائها وأدائها؟
ـ هذا مؤكَّد، علينا أن نسأل: منْ يُصلح منْ؟ ومنْ يُغير منْ؟ فالأولى بالنخب التي تدَّعي تغيير الناس وإصلاحهم أن تستدعي الآخرين، وأن تنصت إليهم، لكي تتعلَّم وتتبادل معهم علَّ ذلك يسهم في تغييرها وإصلاحها· ما نحتاجُ إليه هو (فاعل قادر)، حيثما كان، على التفكير والابتكار بطرح الأفكار واقتراح الحلول، مثل هذا الفاعل قريب من الأنموذج الذي يجسده مانديلا، الذي غادر الحكم بعد انتهاء ولايته مع تمسك شعبه به، أو أنموذج قريب من مهاتير محمد، والى أنموذج عبد الله بدوي، خليفة مهاتير محمد، أو أردوغان، ولا أنسى بيل غيتس الذي من الظلم أن نقارنه بالمثقفين العرب، وأخيرا نحن بحاجة إلى أنموذج آخر هو كارلوس غصن اللبناني الفرنسي متعدد الجنسية والإقامة والمهمة، والذي يدير بنجاح شركة رينو ونيسان·

اقرأ أيضا

النمسا تنظم انتخابات برلمانية مبكرة سبتمبر المقبل