الاتحاد

الإمارات

بدرية البشر: السرد بوح عن عالم مغلق

مفيد نجم:

خلال التحول الذي أصاب نظرية المركز والأطراف في الثقافة العربية، هناك ثمة تداخل واضح بدأ يحدث بين هذه التخوم بصورة تلاشت معه تلك التخوم لأسباب كثيرة· ففي مجال الإبداع الأدبي الروائي والشعري استطاعت التجارب التي ظهرت في المنطقة التي كانت تسمى بالأطراف أن تفرض حضورها، وتحتل موقعها المتميز في المشهد الإبداعي العربي بجدارة، ويمكن القول إن المساهمة التي قدمتها الكاتبات والشاعرات السعوديات في العقدين الماضيين تمثل علامة بالغة الدلالة في هذا التحول، إذ أفصحت كتابتهن عن غنى وتنوع وجرأة في المقاربة والطرح، ومن هذه التجارب تجربة القاصة والروائية والصحفية بدرية البشر، لاسيما في عملها الروائي الجديد (هند والعسكر)· تقتفي هذه التجربة في عالمها السردي أثر أغلب التجارب النسوية في الكتابة من حيث التداخل الذي تقيمه بين السيري الذاتي والتخيلي في السرد الحكائي، والتركيز على معاناة المرأة الشاقة في مجتمع محافظ، وعلاقتها بالفضاء الاجتماعي المعادي لها، وعلى الحضور المكثف للمرسل الذي يشكل محور السرد ومركزه إضافة إلى هيمنة فكرة المكان، وبغية التأكيد على ذلك تستخدم الكاتبة السرد بضمير المتكلم الحاضر مما يضفي على علاقة الراوي بالمتلقي نوعاً من الحميمية والحرارة من خلال إلغاء دور الراوي الوسيط في السرد الحكائي·
العنوان والاستهلال السردي
يلعب العنوان من خلال وظيفته الإيحائية والشعرية دوراً مهماً في تأويل النص وتعيين طبيعته، فهو يتألف من جملة اسمية تتضمن حدين، الحد الأول هو اسم علم مفرد والثاني اسم مذكر بصيغة الجمع وبالتالي يحدد السياق العام للتجربة التي يدور السرد الحكائي حولها، ويدل على واقع تلك التجربة للذات الأنثوية في مجتمع يتسم بصرامة التقاليد والشدة· ويظهر التعالق بين العنوان وجملة الاستهلال التي تؤسس للحكي من خلال الوصف الذي تفتتح به الراوية جملة الاستهلال لشخصية هند البطلة وهي تتقدم داخل البيت الذي يمثل فضاءً مغلقاً باتجاه النافذة لتزيح الستارة قليلاً وتسترق النظر إلى الحياة التي تتحرك في الخارج الذي يمثل فضاءً مفتوحاً· ولعل هذه العلاقة مع المكان بدلالاتها الموحية تكشف عن وضع المرأة ومعاناتها (فتحت طرف الستارة لأطل على الشارع المقابل لنافذتي· التقطت أذني صوت الأطفال يتعلقون بأيدي آبائهم وهم يخرجون من المدرسة)· لا يظهر في المشهد الخارجي أي حضور للنساء ما يوحي بفضاء العزلة القسرية المفروضة على النساء، ويكشف عن علاقة الغربة والانقطاع والمرارة التي تعيشها مع المكان على المستوى العاطفي باعتباره فضاء اجتماعياً يحدد سلفاً مكان المرأة ووظيفتها في المجتمع·
العشق والتمرد
تتوحد بطلة الرواية مع شخصية الساردة التي اكتسبت منذ طفولتها القدرة على سرد الحكايات من خلال جلسات ارتشاف القهوة الدائمة نتيجة الحصار المفروض على خروج المرأة، حتى تتحول الحكاية إلى وسيلة لقهر الوقت ومواجهة الواقع المرير، وهو ما تحاول تأكيده في هذه الرواية عبر استخدام تقنية الحكاية داخل حكاية مرات عديدة· وعلى غرار أغلب التجارب الحديثة تستبدل الكاتبة التقسيم التقليدي للرواية باستخدام الأرقام التي تحمل دلالة كمية· ويتيح استخدام التداعي الحر أو تيار الوعي لبطلة الرواية/ الساردة أن تتحرك في المكان والزمان اللذين تعمل على تحطيم وحدتهما المنطقية، بين زمن الطفولة وحكايات الرعب والخوف التي عاشتها بسبب محاولات إغوائها والتحرش الجنسي بها حتى تحول الأمر إلى كابوس، وزمن زواجها العشق والتمرد في شبابها رغم الثمن الذي دفعته، وزمن الزواج القسري من عسكري والطلاق الذي انتهت إليه، ومن ثم العمل كمسؤولة اجتماعية في مشفى وخوض تجربة حب بعدها تنتهي بسفرها خارج الوطن·
الوصف الدقيق
تهتم الروائية بالوصف الدقيق لشخصياتها وللأماكن التي تتحرك فيها، كما تهتم بفضح الثقافة الشفوية التي يقدمها الأهل والمجتمع للفتاة باستمرار مستخدمين الحكاية وسيلة لذلك بغية توليد الخوف عند الفتاة من العالم الخارجي والرجل باعتباره يمثل تهديداً دائماً لشرف المرأة· وأمام واقع كهذا لا تجد هند وسيلة للهروب من هذا الواقع والتعويض على حاجاتها العاطفية والروحية سوى قراءة الروايات بكثافة والعيش في عوالم خيال سحرية والكتابة كوسيلة تحرير· ورغم تركيز الرواية على معاناة المرأة والقهر والظلم اللذين تواجهما إلا أنها تحاول إدانة الدور الذي تلعبه المرأة/ الأم في تدجين بناتها، والتعويض على شعورهن القهر من خلال القسوة التي تمارسها مع بناتها، في حين يبدو الأب أكثر تفهماً ورقة وعطفاً عليهن وكذلك حبيبها الأخير الذي ترحل من أجله· والحقيقة أن الرواية تحاول رصد تحولات الواقع الاجتماعي بعد الفورة النفطية وصولاً إلى بروز ظاهرة التطرف والعنف في المجتمع السعودي وآثاره الخطيرة على المجتمع والحياة دون أن تنسى التقسيم الذي يمارسه المجتمع على أساس الهوية الجنسية للفرد، بحيث يكون هناك عالمان مختلفان كلياً عالم الرجال الواسع الذي يتأرجحون فيه كيفما يشاؤون كما تقول البطلة، وعالم المرأة الذي يحتل الأدوار الخلفية حتى في قلوب الرجال وفي البيت وفي خلفية الغرف· ولعل الجرأة التي تميز الرواية في تمثلها لمعاناة المرأة وتعبيرها عن تناقضات الواقع حتى على مستوى الوعي والممارسة عند النساء هو ما يضفي على الرواية صدقها وموضوعيتها بعيداً عن التحزب الجنسي وتلعب شاعرية اللغة السردية وكثافتها دوراً مهماً في تنمية حركة السرد وتطويره وخلق إيقاع متوتر وسريع·

اقرأ أيضا

سلطان القاسمي لأعضاء «الاستشاري»: خدمة المجتمع أولوية