الاتحاد

الإمارات

عثمان وقيع الله.. تاريخ التحولات الفنية

الخرطوم- فيصل محمد صالح:

غيب الموت في الرابع من يناير الحالي الفنان التشكيلي والخطاط السوداني الرائد عثمان وقيع الله أحد أعمدة حركة الحداثة الفنية في السودان، عن 82 عاماً، بعد رحلة طويلة مع الفن والإبداع بكل ضروبه من رسم وشعر وتشكيل وموسيقى، إلا أنه أكثر ما يعرف بريادته للاتجاهات الحديثة في الخط العربي وباعتباره واحداً من ثلاثة يعرفون بأنهم آباء مدرسة ''الحروفية السودانية'' التشكيلية التي ضمته إلى جانب الفنانين إبراهيم الصلحي وأحمد محمد شبرين· كما يحفظ له تاريخ حركة التشكيل في العالم العربي مكان الريادة ضمن تيار الحروفية العربية·
ولد عثمان وقيع الله ببلدة رفاعة بأواسط السودان عام ،1925 درس في مدرسة التصميم بكلية غردون بالخرطوم (1942 ــ 1946)، ثم ابتعث إلى بريطانيا ليدرس فنون الكرافيك والتصميم بكلية كامبرويل للفنون بلندن، وتلقى كورسات بكلية سيتي آند تميلدز للفنون بلندن، ومعهد كورتو لتاريخ الفنون بلندن (1946 ـ 1949)، ومعهد الخطوط الجميلة بالقاهرة، وكلية الفنون التطبيقية بالقاهرة (1950 ـ 1951)· وقد حاز إجازة خطاط من أستاذه الخطاط المصري سيد إبراهيم·
فنون الخط العربي
يعتبر عثمان وقيع الله هو مؤسس كلية الفنون الجميلة بالخرطوم عام 1949 مع زميله شفيق شوقي، وقد عمل بتدريس فنون الخط العربي واللاتيني بالكلية حتى عام ·1954 كما أنه عضو مؤسس لاتحاد الفنون الجميلة السوداني (1951)، وعضو مؤسس لرابطة الأدباء السودانيين (1950)، ومؤسس أول مرسم حر للفنانين السودانيين (1954 ـ 1964)، وهو الرائد الأول لمدرسة الخرطوم الفنية· يقول عنه صديقه الكاتب عثمان محمد الحسن: ''لقد حاول الكثيرون الوقوف مع خواطره ومناقشة آرائه ودراساته في الخط العربي، فاكتشفوا منذ الوهلة الأولى جديته وأصالته وإمكانياته ومقدراته، مستشهدين بما قاله: (في لوحاتي ترى الصدى وتسمع الحرف)· لقد خلقت هذه المدرسة القديمة كل المزايا والقدوة للمحدثين، كما أجمع بعض المحللين الذين أسموها (الحركة الذهنية)، داخل الحضارة العربية المعاصرة، لذلك اعتبر عثمان وقيع الله قائد العودة إلى الخط العربي وقدراته الجمالية الأصيلة، مستغلاً ملكاته البحثية الدؤوبة في تاريخه·''
وركز على القرآن الكريم الذي قال عنه إنه شغله الشاغل· وانهمك في قراءته وحفظه وخطه· وكان الخط بالنسبة له أساس للزخرفة ذات المعنى، وقد أشاد كثيرون بتجربته وضرورة الاهتمام بها ودراستها، وتجويده الخط العربي بنوعيه (الكوفي والنسخ) الذي مكنه من نسخ مصحفين وكثير من القصص والأشعار في اللوحات التي زخرت بالآيات الكريمة وبأشعار القدماء والمحدثين·
مجمع الفنون الجميلة
وزاد الفنان عثمان على ذلك بأن ادخل في لوحاته أشعار السودان الفصيحة والعامية، كذلك قام بترجمة (رباعيات الخيام)، وقام بتلحينها على أنغام الأغاني السودانية الشعبية المعروفة·
ولم ينس أن يركز خلال ممارساته الفنية على الشعراء السودانيين الثلاثة الذين يعتبرهم قدوته، وهم التيجاني يوسف بشير ومحمد المهدي مجذوب وإدريس جماع· وثلاثتهم جاؤوا من بيئات وخلفيات صوفية مثله· وكانت تجمعه صداقة قوية بالشاعر الراحل صلاح احمد إبراهيم كما عمل رسومات معظم دواوينه وكذلك رسومات دواوين أخرى·
نقل كل ذلك للمنافسات في المعارض الدولية والإقليمية في قاعات شهيرة مع فناني إفريقيا والعالم·
وعثمان وقيع الله كان أول من ادخل خط مانشيتات الصحف على الصحافة السودانية، وكانت أولى تلك الصحف مجلة (السودان الجديد)، كما كان أول من ادخل رسم الكاريكاتير في نفس المجلة·
ونتيجة لاهتماماته الفنية والإبداعية المتعددة أسماه أصدقاؤه (مجمع الفنون الجميلة)، وله خمسة دواوين لم تنشر بعد من الشعر الوجداني والإنساني والإسلامي الجميل، كما يصفها هو· وعندما رأى ضرورة مخاطبة عامة الناس باللغة التي يفهمونها اتجه الى التعبير باللغة العامية السودانية·
معارض متعددة
اشترك عثمان في معارض فنية كثيرة ومتعددة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وأميركا أشهرها نظمها المتحف البريطاني في لندن، ومنها معرض تنقل لعام كامل حول بريطانيا في الجولة المعروفة باسم ''سبع قصص عن الفن الحديث في إفريقيا''· كما اشترك في معارض أخرى برعاية الرويال أكاديمي، الأكاديمية الملكية، منها معرض إفريقيا العالمي لعام 1995 الذي بدأ بلندن ثم انتقل إلى السويد· عانى عثمان وقيع الله من أمراض الشيخوخة في بريطانيا فعاد العام الماضي ليستقر بموطنه في مدينة رفاعة بوسط السودان، ونجح أصدقاؤه بمساعدة إحدى الشركات السودانية في نقل أعماله الفنية في حاوية ضخمة لتستقر بمنزل أحد أصدقائه بأمدرمان في حالة معرضة للتلف والضياع· وقد استغاث صديقه الدكتور الهادي أحمد الشيخ بالصحافة والسلطات للعمل على إنقاذ هذا التراث وإقامة متحف ومعرض دائم لأعمال الفنان عثمان وقيع الله، ونشرت الصحف السودانية رداً من الوزير عبدالباسط سبدرات أعلن فيه موافقة الدولة على المشروع، لكن كتبت الأقدار أن لا يشهد وقيع الله في حياته شيئاً من هذا العمل الذي لم يتحرك خطوة واحدة حتى الآن·

اقرأ أيضا