أحمد السعداوي (أبوظبي)

حل ضيفاً على جريدة «الاتحاد» صباح أمس، الفنان الإماراتي جاسم عبيد الزعابي، صاحب شخصية «الدبدوب» ذات القيمة الكبرى في الثقافة الشعبية الحديثة لأطفال الإمارات حيث كانت هذه الشخصية ولا تزال من وسائل وأساليب التثقيف والتوعية والترفيه المدهشة التي دخلت بيوت الكثيرين من أهل الإمارات عبر شاشات التلفزيون والعروض المسرحية التي قدمها جاسم عبيد، باعتباره واحداً من الرعيل الأول لفناني الإمارات أصحاب الخبرات المتنوعة من خلال عمله بالإخراج والتصوير والتمثيل والكتابة، وغيرها من فنون الإذاعة والتلفزيون والمسرح، غير أن شخصية «الدبدوب»، كانت الأكثر التصاقاً بجاسم عبيد خلال مسيرته الطويلة بما تتميز به من روح الفكاهة والمرح التي تبثها في كل مكان، وهو ما لمسناه خلال إجراء الحوار معه، واستقباله من قبل حمد الكعبي رئيس التحرير وإبراهيم العسم مدير التحرير وسعد جمعة رئيس قسم الثقافة والمنوعات.

الأصفر والأزرق
وقد تحدث جاسم عبيد عن بدايته في عالم الفن التي بدأت في الربع الأخير من القرن الماضي، وتحديداً خلال أكتوبر 1975 في تلفزيون أبوظبي، مبيناً أن شخصية «الدبدوب»، كان يقدمها في البداية الفنان علي التميمي المعروف بـ«أبوخرخاش»، ولكن ظروف مرض ابنته المفاجئ، حالت دون تقديمه هذه الشخصية التي طالما تابعها جاسم عبيد وحلم بأن يقدمها، فكانت تلك البداية لتقديمها على المسرح والالتقاء بالجمهور بمعية هذا اللون من الفنون الذي يحمل الفائدة والترفيه لكل من يشاهده. ولفت إلى أن شخصية «الدبدوب»، في الأصل مستوحاة من أحد البرامج اليابانية، ولكن تمت إضافات وتعديلات عليها، منها إضافة اللونين الأصفر والأزرق إلى لونها البني التقليدي، لتكون أكثر جاذبية للصغار، وهو ما نجح فيه لتبقى هذه الشخصية المدهشة مرافقة لأجيال متعاقبة في المجتمع الإماراتي منذ عام 1975 وحتى الآن، حيث تجري الاستعانة بها في تقديم ورش عمل وفقرات تثقيفية هادفة للأطفال في المناسبات المختلفة، لافتاً إلى أن «بدلة» الدبدوب التي يرتديها الآن عمرها أكثر من 37 عاماً، حيث استعان بها عام 1983، بعد أن أدخل آخر تعديل عليها.

روح الدعابة
ومن الأسرار التي لا يعرفها الكثيرون عن شخصية «الدبدوب»، وفق جاسم عبيد، أنه وبعد مرور أربع سنوات على ظهور هذه الشخصية لم يكن يعرف أحد شخصية الفنان الذي يقوم بتأديتها، إلى أن صرح هو بذلك في حوارات صحفية عدة، وحينها بدأ الناس يتعرفون على جاسم عبيد ودوره مع «الدبدوب»، ويناقشونه في أنواع الرسائل التوعوية التي يوجهها للأطفال في المناسبات المختلفة بالدولة، وفي العروض الفنية التي تقام ضمن الفعاليات والمناشط المقامة في الإمارات. وكان «الدبدوب» قاسماً مشتركاً بين أكثرها، ولا تتم فعالية إلا وتتم الاستعانة به وبروح الدعابة التي يمنحها للمكان، ومن ثم القدرة على توصيل رسائل التثقيف والتوعية بأسلوب السهل الممتنع، والعمل على غرس مبادئ الفضيلة، كحب الوطن وخدمته، والأمانة والصدق، والمحافظة على التراث والهوية الوطنية.
إلى ذلك اعتبر جاسم عبيد عمله في التمثيل منحة كبيرة حصل عليها، وجعلته يسهم بشكل كبير في تنشئة أجيال، ومشاركة فنانين كبار في تقديم أعمال راقية، وتطورت علاقته بالتمثيل لاحقاً إلى أن صار مخرجاً للعديد من المسلسلات والأعمال الفنية الناجحة في تاريخ التلفزيون الإماراتي والخليجي، ومنها مسلسل درامي محلي اسمه «السياحة في الوطن» والذي كان يركز على الأماكن التراثية والسياحية، ثم ساعد في إخراج مسلسلات درامية اجتماعية، ومنها «حمود وعبود» و«الحيري في السوق»، كما شارك ممثلاً في مسلسل «أمثال شعبية» وفي عديد من الأعمال المحلية.

«أشحفان»
ويلفت عبيد إلى أن أول مشاركة له في مسلسل اجتماعي كانت في ثمانينيات القرن الماضي، حين قام بدور صيدلي، مشيراً إلى أن المخرج سعيد النعيمي مسؤول الدراما في تلفزيون أبوظبي، أحد الأشخاص الذين دعموه وأعطوه الثقة، ما دفعه لأن يستكمل بقوة طريق فن التمثيل بمختلف جوانبه، كما أنه لا ينسى دور كل من اثنين من كبار مخرجي التلفزيون، وهما محفوظ المغازي من مصر، وأحمد المنقوش من الإمارات، اللذين شجعاه كثيراً على خوض مجال الإخراج، لينتقل بعدها لتعلم فنون المونتاج ليصبح ملماً بالكثير من نواحي العمل الفني التلفزيوني، ما أهله لإخراج العديد من البرامج الناجحة والهادفة في تلفزيون أبوظبي خلال فترة الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي.
ومن المواقف التي لا ينساها جاسم عبيد في تاريخه الفني، أن الفنان الإماراتي سلطان الشاعر، أسند إليه دور «ضرير» في مسلسل «أشحفان» في بداياته الفنية، وعليه أن يؤدي ذلك من دون نظارة، فكان الأمر صعباً عليه في أول الأمر ولكن اعتماداً على المعايشة الجيدة للدور وعبر المراقبة المستمرة لبعض المكفوفين استطاع تقديم الشخصية بحرفية عالية، وهو ما اتضح عبر إشادة مخرج العمل بأدائه طوال حلقات المسلسل، فكان ذلك درساً له بأن المواقف والمسؤوليات الصعبة تخرج أفضل ما في الإنسان من مواهب كامنة، منوهاً بأن سلطان الشاعر كان يهتم بأدق تفاصيل العمل، ويمنح الإيجابية لكل من يعمل معه.

أبناء «الدبدوب»
وعن علاقة أبنائه بشخصية «الدبدوب»، قال جاسم عبيد إنهم «يستأنسون» حين يشاهدون والدهم يؤدي هذه الشخصية ويشعرون بالفخر بما يقدمه من برامج مفيدة وممتعة يقبل عليها الصغار والكبار، مشيراً إلى أن الوالدة -رحمها الله- كانت أيضاً محل تقدير وحب كل الناس حين يعرفون أنها أم صاحب هذه الشخصية المحبوبة لدى الجميع. أما في السنوات الأخيرة، فقد قدم جاسم عبيد 3 مؤلفات تحمل الكثير من الفوائد والرسائل الإيجابية للمجتمع، وهي كتاب «سيرة وعبر»، ويتناول فيه مراحل مهمة من حياته بدءاً من عمله بالغوص في طفولته مع الوالد ثم رحلته في عالم الفن، وكتاب «أبناؤنا على دروب الخير»، ويتحدث عن الأطفال والمراهقين وتربيتهم وكيفية التعامل معهم من قبل أولياء الأمور، وكتاب «في حب الوطن» الذي جمع فيه مقالات متنوعة تحمل رسائل كثيرة في حب الوطن لتوصيلها إلى أفراد المجتمع كافة.
ورداً على سؤال حول طبيعة المرحلة الحالية، أوضح أنه لا يتابع برامج التلفزيون كونها لم تعد مثل السابق في المضمون، منوهاً بأن كثيراً من البرامج والمواد الإعلامية المذاعة على وسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية، تمر من دون رقابة، وبالتالي قد تحمل رسائل ضارة، وهو ما يجب علينا تلافيه، والعمل على تقديم محتوى يناسبنا ويتوافق مع عاداتنا وتقاليدنا، ويفيد الصغار ويكرس القيم والسلوكيات النبيلة لديهم.
وأشار جاسم عبيد إلى أنه لا يزال يقدم محاضرات وورش عمل في كثير من المناسبات الاجتماعية في الدولة، ويركز فيها على موضوعات متعلقة بقضايا المجتمع الإماراتي، والظواهر السائدة فيه وتشجيع الأجيال الجديدة على القراءة والتطوع وغيرها من الأنشطة الهادفة، وإكساب أولياء الأمور قواعد وأسساً تثقيفية وتعليمية ليغرسوها في نفوس أبنائهم.

«الدبدوب» بأسلوب جديد
كشف جاسم عبيد أنه يعد حالياً لعمل فني يعود من خلاله إلى تقديم شخصية «الدبدوب» بأسلوب جديد، يظهر فيه بشخصيته الحقيقية جنباً إلى جنب مع «الدبدوب»، وسيكون محتوى العمل توجيهياً وتثقيفياً بأسلوب جذاب يستفيد منه الصغير والكبير، ويترك بصمة في المجتمع استكمالاً لمسيرته الفنية الهادفة الممتدة لعشرات السنين.

مواقف ضاحكة
خلال الحوار، نشر جاسم عبيد روح الدعابة عبر كثير من التعليقات الضاحكة، ومنها مخاطبته لمصور «الاتحاد» بالتقليل من عدد الصور الملتقطة حتى لا ينفد «الفيلم» الخاص بالتصوير، في إشارة لما كانت عليه أساليب التصوير القديمة قبل ظهور عصر الكاميرات الرقمية التي تعطي عدداً لانهائياً من الصور.