الاتحاد

الاقتصادي

أفريقيا خزان إمدادات النفط للصين

يبدو أن المشاكل الأخيرة التي أدخلت الصين في مسألة سياسية، جعلت حكومة بكين في إعادة التفكير في البحث عن بدائل لموارد النفط بديلا عن إيران التي أدخلتها في شبه مساءلة سياسية من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وبدا واضحا خلال الأشهر القليلة الماضية أن الصين بدأت تتبع استراتيجية واضحة المعالم للتقليل من اعتمادها الكلي على نفط الشرق الأوسط، تتمثل في شراء النفط الأفريقي، ومن ثم حلّت أنجولا الأفريقية مشكلة الموارد النفطية، لتصبح الممول النفطي الرئيسي للصين، إلا أنه وبعد مرور ثمانية أعوام منذ بدء التوغل الصيني في حقول النفط الأفريقية، تم فرض عقوبات اقتصادية على بعض دول القارة الأفريقية، كالعقوبات الاقتصادية التي فُرضت على السودان عام ،1997 الأمر الذي أدى الى استيراد الصين حاليا لحوالي 30 في المائة من حاجاتها النفطية من أفريقيا، وحوالي 47 في المائة من دول الشرق الأوسط· وعملت الصين في العقد الماضي على تشكيل وتبني سياسة خارجية حول توفير احتياجاتها النفطية بضمان طويل الأجل، ومنخفض التكاليف من النفط والمواد الخام الأخرى، والتي هي بحاجة إليها لدعم تنميتها الاقتصادية، وتبنّت مؤخرا استراتيجية المساعدات النفطية التي أسفرت عن تدفق النفط الأفريقي مقابل تكفل الصين بإنجاز مشاريع البنية التحتية الأساسية كبناء المستشفيات، وإنشاء شبكة للسكك الحديدية، والملاعب الرياضية، والصفقات المُعفاة من الديون· وهذا لا يُكسِب الصين عددا متنوعا من المصادر الطبيعية فحسب، بل يكسبها كذلك أصدقاء جددا وأصواتا مساندة هي بحاجة لها في بعض المحافل والمنظمات الدولية، كمنظمة الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية·
ويضيف الوجود الصيني وتدخله في النفط الأفريقي، بالإضافة الى عدد من شركات النفط الهندية والماليزية، أبعادا جديدة للتأثير والنفوذ السياسي الصيني على القارة الأفريقية، بالإضافة الى وضع نهاية لهيمنة شركات النفط الغربية، كشركة إكسون موبيل، وشركة شيفرون، وشركة رويال داتش شِل·
الجدير ذكره ان ثلاث شركات نفط صينية، وهي شركة الصين الوطنية للبتروكيماويات ''سينوبيك''، وشركة الصين الوطنية للبترول، وشركة الصين الوطنية للعمليات البحرية "CNOOC"، تمتلك مصالح اقتصادية نفطية في حوالي عشرين دولة أفريقية، بدءا من ليبيا في الشمال، ونيجيريا في الغرب، وأنجولا في الجنوب، وإثيوبيا في الشرق·
وفي عام ،2005 استثمرت شركات النفط الصينية ما يزيد عن 175 مليون دولار في البلدان الأفريقية على عمليات التنقيب عن النفط، ومشاريع البنية التحتية الأساسية· واستنادا الى الإحصائيات الصينية، نجحت شركة الصين الوطنية للعمليات البحرية (CNOOC) في مضاعفة حجم استثمارات الصين في أفريقيا عندما أعلنت في وقت سابق من العام الماضي، عن شرائها لحصة لم تقل عن 45 في المائة من حقل أكبو بقيمة 2,7 مليار دولار أميركي· تبعتها شركة الصين الوطنية للبتروكيماويات (سينوبيك) باستثمار مبلغ 725 مليون دولار أميركي في عمليات التنقيب عن النفط في المياه العميقة قُبالة سواحل أنغولا·
وليست الصين الدولة الوحيدة التي تدرك الإمكانيات الهائلة للنفط الأفريقي، الذي يضمن انخفاض كلفة عمليات التنقيب، والبحث عن بدائل جديدة لمواجهة الحروب الأهلية والحدودية الأفريقية وإخماد نار الثورات الداخلية، والانقلابات العسكرية، وحركات التمرد· من ناحية أخرى، أثار الوجود الصيني المتنامي في القارة الأفريقية الذعر وسط الحكومات الغربية، وشركات النفط لأسباب التنافس التجاري، حيث إن ذلك يزيد من حجم الصعوبات والعراقيل التي تواجهها الحكومات الغربية في تعاملها مع الدول الأفريقية المارقة كالسودان، والدول التي يكثر بها الاستبداد والفساد كغينيا· ومن ناحيتها، أبدت الصين استعدادها الكامل للتعامل مع حكام تلك البلدان، الأمر الذي يؤدي الى إضعاف المقدرة الغربية على فرض ضغوط اقتصادية كحظر بيع الأسلحة· إلا أن دوغلاس ياتيس، خريج كلية العلاقات الدولية والدبلوماسية في باريس، علق على هذا بقوله: ''باستثناء السودان، فإن الشركات الصينية تحذو حذو شركات النفط الغربية·''
وفي السودان، نجد أن العقوبات الاقتصادية الأميركية، وارتفاع تكاليف الاستثمار جراء الحروب الأهلية المستمرة في دارفور من العوامل الرادعة لشركات النفط الغربية· أما الصين، فقد اشترت، في عام ،2005 نصف صادرات النفط السوداني، الذي لا يشكل سوى 5 في المائة فقط من حاجات الصين النفطية· ويقول كريس ألدين، محلل السياسة الخارجية بكلية لندن الاقتصادية، إن ''الحكومات الغربية ترحب بالتنافس الخارجي على مصادرها، وهي لا تنغلق على نفسها، بل رحبت بالصينيين، واليابانيين، والروس''·
من ناحية أخرى، تم توجيه انتقادات حول عملية تصدير العمالة الصينية لأفريقيا بهدف بناء خطوط الأنابيب النفطية، والمصافي، واتهمت الصين بتسببها في القضاء على أية فرصة أفريقية لخلق وظائف محلية جديدة للأفريقيين· لكن البعض يرى أن وصول التجار الصينيين، وتدفق الواردات الصينية الرخيصة من شأنه أن يفيد السكان المحليين في أفريقيا بطريقة لم تفلح معها إيرادات النفط الأجنبية·
وإضافة الى كوْن أفريقيا من المصادر الهامة للطاقة بالنسبة للصين، إلا أنها أيضا تمثل للصينيين سوقا جديدة لانخفاض تكلفة السلع الاستهلاكية (بما في ذلك الأسلحة)· ويقول ألدين: لاشك في أن الاستثمار في النفط الأفريقي يُعَدّ خطوة ناجحة تخطوها الدبلوماسية، فهي تمنحها مكاسب اقتصادية واستراتيجية على حد سواء·

اقرأ أيضا

تسارع حاد للاقتصاد الروسي في أبريل