الاتحاد

دنيا

سلطان الشامسي: علاقتي بالإبل تكثيف لارتباطي بالبادية

عالم من الجمال الخاص، مفرداته مستوحاة من بيئة عربية خالصة، ذلك كان المشهد في إحدى «العزب» الخاصة بتربية الإبل في مدينة العين، حيث تجد سلالات الإبل وقد انتشرت هنا وهناك، يرعاها عشاق هذا النوع من المطايا التي يحمل لها أهل الإمارات كثيراً من الحب والاحترام، كونها رافقتهم فترات زمنية طويلة في رحلة بقائهم على هذه الأرض، واعتمدوا عليها بشكل رئيس في كثير من نواحي حياتهم. فكانت لهم الغذاء والدواء ووسيلة التسلية والترفيه في كثير من الأوقات، بحسب سلطان حمد بالأصلي الشامسي، صاحب العزبة وأحد عشاق الهجن وعالمها الثري.

بعد مسيرة ساعتين تقريباً من أبوظبي، وصلت «الاتحاد» إلى مكان هذا التجمع الفريد لعشاق الإبل، حيث كان سلطان الشامسي، ومجموعة من أصدقائه يجلسون في الهواء الطلق يتناولون القهوة العربية مع حبات التمر، ويتبادلون الأحاديث، ومنها ما يتعلق بالإبل وعالمها وأخبار السباقات الخاصة بها، وطرق العناية بها، وسط حضور متعدد الأجيال يعكس اهتمام الجميع بالهجن باعتبارها من أهم ملامح الحياة في المجتمع الإماراتي، ويعتز بها الجميع، وبدورها في خدمة أهل الإمارات عبر الزمن.
سيوف ودروع
حول علاقة أهل البادية بالإبل، يقول الشامسي (38 سنة) إن علاقته بالإبل وعالمها ممتدة إلى سنوات الطفولة، حيث كان يذهب مع والده وأقاربه، في الشارات (السباقات) المختلفة، ويتابع كيف كان المتسابقون يعيشون أجواء جميلة خلال هذه المنافسات التي كانت تتم في جو من الحب، وكانت الرموز (الجوائز) آنذاك بسيطة غير أن قيمتها لمن كان يفوز بها، كبيرة وتشعره بالفخر بين أقرانه أنه يمتلك مطية سريعة قادرة على تحقيق الفوز والتفوق على غيرها من الإبل، أما الآن فإن الجوائز صارت بالغة القيمة وتصل إلى مئات الآلاف من الدراهم وسيارات فخمة وسيوف ودروع ذات قيمة مادية كبيرة، ويأتي أغلبها من أصحاب السمو الشيوخ تقديراً منهم لمربي الإبل وحرصهم على تكريس الاهتمام بالهجن وعالمها، لما تحمله من اعتزاز بماضي الأجداد، موضحا أن هذا التشجيع المستمر من قبل أولى الأمر للحفاظ على الهجن، شجع الجميع على الإقبال عليها سواء كهواية أو رياضة يمارسونها أو تجارة، وحتى هدايا يتبادلونها.
ويذكر الشامسي أن أولى مشاركاته في عالم سباقات الهجن كانت منذ نحو عشرين عاماً، حقق خلالها كثيراً من الإنجازات، وفاز في كثير من السباقات المحلية والخليجية، مشيراً إلى أن ذلك عادة متأصلة في الأسرة، يشاركه فيها أشقاءه كافة، موضحاً أنه متفرغ تماماً للإبل وتربيتها والإشراف على العزبة الكبيرة التي يمتلكها على مشارف مدينة العين.
استعدادات دائمة
من أبرز السباقات التي يعتز بالمشاركة فيها، مكرمة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والتي تقام كل عام في إمارة مختلفة بالدولة، «ختامي أبوظبي في الوثبة، ختامي دبي في المرموم، ختامي الشحانية في قطر». ويلفت إلى أن أبرز الجوائز التي حصل عليها عبر مشاركاته المتنوعة هو حصوله مع شقيقه على سيفين في ختامي منطقة ملاقط مدينة العين، نتيجة الأداء المبهر الذي قدمته مطايا سلطان وشقيقه سالم.
ويؤكد الشامسي أن المشاركة في هذه السباقات يسبقها استعدادات دائمة، من خلال برنامج صحي وغذائي ورياضي، يلتزم به المضمرون وأصحاب المطايا، وقبل كل شيء يجب أن تكون الهجن من «السبوق» أي أن عمرها وصحتها العامة وهيئتها الخارجية تؤهلها للمشاركة في السباقات، موضحا أن البرنامج الغذائي يجب أن يتضمن العناصر الغذائية كافة التي تحتاجها المطية، والتي تعتمد في غذائها على أنواع معينة من العلف والبرسيم والشعير والتمر والحليب والعسل، بالإضافة إلى خلطات غذائية معينة تمد المطايا بكل ما تحتاجه أجسامها من عناصر غذائية. أما البرنامج الرياضي، يتطلب ساعتين من التدريب يومياً بمعدل ساعة صباحاً، وأخرى قبل غروب الشمس.
فحص أسبوعي
يورد الشامسي أن أسباب الأمراض عند الإبل، في الغالب مثل أسبابها عند الإنسان، كأن تصيبها حمي أو كحة أو إصابة في أحد أعضائها تستلزم راحة وعلاج، لافتاً إلى أنه يجري فحص الإبل أسبوعياً على يد طبيب بيطري، ويحرص دائما على أن تتوافر لها جميع العناصر الغذائية المتوازنة في غذائها، حتى تكون قادرة على خوض المنافسات والحصول على مراكز متقدمة.
وحول كيفية غرس حب الإبل في أولاده والأجيال الصاعدة، يشرح أنه يعمل على إحضارهم دائما إلى العزبة في أوقات فراغهم، وعطلاتهم الدراسية، ومثل ما تكون الإبل غالية لديه، يحرص على أن تكون غالية لدى أبنائه، ويكون لكل منهم الإبل الخاصة به ويعتني بها بنفسه، ويسأل عن صحتها ونتائجها في المسابقات التي تدخلها، مؤكداً أن هذا الأسلوب من أفضل الأساليب التني تصنع علاقة قوية بين الأجيال الجديدة وعالم الإبل الذي يهتم به الكبار، ويعتبرونه مكونا أساسيا في حياتهم لا يستطيعون الاستغناء عنه.
ويرى الشامسي أن الدولة تبذل جهودا كبيرة في الاهتمام بالإبل ومربيها وسباقاتها، وكل ما يتعلق بهذا العالم الجميل الذي لا يعرف قيمته إلا من نشأ في البادية، وعرف الكثير عن خصائص الإبل وسماتها والفوائد التي تعود على من يربيها ويحسن معاملتها.
وعن الساعات التي يقضيها سلطان الشامسي يومياً داخل العزبة وبين الإبل، يورد أنه يقضي ساعات النهار تقريباً كلها في المزرعة، كما أنه يقضي أوقاتا من الليل، حيث يجتمع مع أصدقائه في الهواء الطلق ويجلسون سوياً للاطمئنان على بعضهم وشرب القهوة العربية في بيئة صحراوية خالية من أي تأثيرات للحياة العصرية.
روح التحدي
من المواقف الطريفة، التي يذكرها خلال رحلته مع الإبل، هي سقوطه في عمر السابعة من على الهجن حين كان يتعلم ركوبها والتحكم فيها، حيث سأله والده، هل يستطيع قيادة الإبل بمفرده، فغلبته روح التحدي على الرغم من عمره الصغيرة، ووافق على ذلك، غير أنه لم تمض دقائق حتى سقط من على ظهر الهجن على الرمال، فكانت السقطة الأولى والأخيرة له في حياته الطويلة مع الإبل، حيث أصبح بعد ذلك من محترفي ركوب الإبل والتعامل معها بحب وقدرة على السيطرة على سلوكها وطريقتها في السير.
وموقف آخر أثار شعوره واستغرابه هو وكثير من عشاق الإبل، أنه في عام 2006 وفي سباق الوثبة بأبوظبي، أصاب الجميع الذهول بسبب السرعة الفائقة لواحدة من الإبل المشاركة وكانت تحمل اسم «نهب»، وكانت تابعة لهجن الرئاسة، وهي من سلالة محلية خالصة، حيث كان ظهور نهب مفاجأة للجميع، واستطاعت تحقيق نتائج مبهرة في السباقات كافة التي شاركت فيها، وكانت تدهش من يراها بسرعتها الفائقة ورشاقتها التي يلحظها كل من يتابعها، حيث كانت أسرع مطية في زمانها وحصدت عشرات الرموز في كثير من السباقات.
ومن الطرائف الخاصة بـ «نهب»، وتعكس الجانب الشعوري في الإبل، وأنها تحزن وتفرح وتغضب من راعيها وتعبر عن ذلك بأسلوبها، يروي الشامسي عن المرحوم سعيد بن شطيط، الملقب بـ «الشاطر» وهو أحد المضمرين المعروفين في الإمارات، إنه يوما ما ضرب نهب على وجهها، فغضبت وتأثرت نفسياً إلى حد امتناعها عن تناول الطعام لثلاثة أيام، ولم تعود إلى تناوله إلا بعد محاولات من بن شطيط للصلح معها والتقرب منها.
أنواع السلالات
من حديث المواقف الطريفة، ينتقل الشامسي إلى أنواع السلالات المحلية، مبينا أنها تتمثل في التالي شاهين، جبار، صوغان، مصيحان، ظبيان، سراب.
ويذكر أن التفرقة بينهم تتم من خلال معرفة صاحبها بها، بالإضافة إلى الشكل الخارجي لها، الذي يدل على نوعية هذه السلالة أو تلك، مبيناً أنه إذا أراد الحصول على واحدة من الهجن ذات السلاسات المحلية، يشتريها من العزب أو السباقات باعتبار السباقات بورصة مفتوحة يجتمع فيها مربو الهجن من كل مكان.
أما أسعارها تبدأ من الخمسين ألف وتصل إلى العشرة مليون درهم، ويتحكم في السعر ندرة نوعها وأدائها في السباقات.
وحول ما اكتسبه من معايشة عالم الإبل عشرات السنين، يشدد الشامسي على قيمة الصبر وحسن التعامل مع الظروف المختلفة التي يواجهها في حياته، تماماً مثل الهجن التي تستطيع التكيف مع الظروف والأحوال الجوية الصعبة.
كما اكتسب شبكة علاقات واسعة مع أقرانه من مربي الإبل في الإمارات ومنطقة الخليج العربي، وهي علاقات يعتز بها كون أصحابها جميعاً يحملون سمات راقية مثل الكرم والنفوس الطيبة وحسن التعامل مع الآخرين، وهي أبرز الصفات التي يتحلى بها أهل البادية.
وعن قيمة الهجن بالنسبة للإنسان الإماراتي، يقول الشامسي، إن الحلال «الإبل» لا يقدر بثمن لدى أهل البادية، وحين ينفقون عليها الأموال، وحين يرون الإبل صحيحاً قوياً يفرحون بذلك وكأنه أحد أبنائهم، وعندما تتعرض المطية لأي أزمة صحية تكون مرحلة صعبة لصاحبها، ولا يهدئ له بال حتى يرعاها ويشرف على علاجها حتي يتم شفاؤها بإذن الله من أي مرض أو إصابة».

اهتمام واسع

حول اهتمام الدولة بالهجن، يقول سلطان الشامسي «تقدم الدولة كافة أوجه الدعم المادي والمعنوي وتنظيم الفعاليات والمعارض والسباقات المختلفة الخاصة بالإبل على مدار العام، ومنها سباقات الهجن في ميدان الوثبة الذي يرعاه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وغيرها من السباقات المهمة التي يقبل عليها عشاق الهجن من الإمارات ومنطقة الخليج، وتصنع حالة من التواصل بين أبناء المنطقة الذين تجمعهم هواية تربية الهجن العربية الأصيلة».

اقرأ أيضا