الاتحاد

الاقتصادي

اقتصاديات الغرب تئنّ تحت ضربات المارد الآسيوي

ملف من إعداد - عدنان عظيمة:

عندما عمدت الحكومة الصينية قبل نحو عشر سنوات إلى تدشين خطط جديدة تهدف إلى تحقيق طفرة صناعية واقتصادية شاملة في البلاد لم يعر المحللون الغربيون هذه الأخبار ما تستحقه من اهتمام، وكانوا يظنون أن الأمر لا يعدو أن يكون أكثر من مجرّد عناوين فارغة لملء واجهات الصحف المحلية الناطقة باسم الحكومة· وما هي إلا بضع سنوات حتى بدأت الأرقام المعبرة عن سرعة النمو الاقتصادي هناك تنهال دون انقطاع إلى أن وعى الخبراء العالميين إلى أنها باتت تمثل القراءات الأولى على مقياس ريختر التي تنذر بحدوث أقوى زلزال اقتصادي على سطح الأرض· وما لبثت هذه الظواهر أن تأكدت أكثر فأكثر منذ مطلع الألفية الجديدة، حيث أصبحت المنجزات الاقتصادية والصناعية والعلمية والتكنولوجية تشكل الحديث اليومي للصحافة ووسائل الإعلام العالمية· وسرعان ما تمكن الصينيون بسبب برامجهم الاقتصادية المدروسة بعناية فائقة من تسجيل معدل قياسي ثابت في النمو وصل إلى 10 % سنوياً بما قد يعني بكل بساطة أن الناتج القومي الإجمالي للدولة يتضاعف كل عشر سنوات·
ولم تكن نظرة الغرب إلى هذه التطورات تتسم بالبراءة، بل كانت سبباً في بثّ خوف كبير من القدرة المذهلة التي يتمتع بها الصينيون للانتشار فوق الأرض وإغراق الأسواق العالمية كافة من دون استثناء بالسلع والبضائع وحتى المنتجات الخدمية المنافسة· وأصبحت الصناعات كافة في العالم أجمع تشكو مزاحمة الصناعات الصينية لها حتى في عقر دارها· وأمام هذه المعضلة العويصة، تقف دول الغرب حائرة بين إغلاق الحدود أمام هذا السيل الجارف من البضائع الصينية، وبين التقيّد بأهم مبدأ في التعاليم الرأسمالية والذي صاغه آدم سميث والذي يقول: ''دعه يعمل، دعه يمر''·



ويتحدث تقرير نشرته ''النيوزويك'' في هذا الشأن عن ظاهرة انتشار النشاطات التجارية الصينية في أوروبا خلال السنوات القليلة الماضية، فيشير المحلل الاقتصادي وليام أندرهيل إلى أن الشركات الاستثمارية الصينية وجدت في العالم القديم بيئة خصبة للتوسع والانتشار· ويختار الكاتب مثالاً من مدينة إيطالية صغيرة تدعى (براتو) ينشط فيها الصينيون بقوة، وبعد أن كان عدد المقيمين منهم هناك قبل بضع سنوات لا يتعدى بضع مئات قفز الآن إلى أكثر من عشرة آلاف· ويعمل نحو 2000 صيني من المقيمين فيها في صناعة النسيج حتى بدأ الخبراء يعتقدون أن المدينة تستعيد الآن أمجادها القديمة كمركز أوروبي رائد في هذه الصناعة مثلما كانت منذ ما بعد العصور الوسطى·
وإلى الشمال من براتو بنحو ألف كيلومتر وقريباً من قرية صغيرة تدعى (ألفكارلبي) تنشغل مجموعة من الخبراء الصينيين بتشييد مركز تجاري وسياحي تبلغ تكاليفه 10 ملايين يورو سوف يتخصص باستضافة رجال الأعمال والشركات والمجموعات التجارية السويدية التي تبحث عن الاستثمار في الصين أو نقل مصانعها إلى هناك· وتنحصر مهمة المركز باستدراج رؤوس الأموال السويدية والمشاريع الاستثمارية وتيسير الطرق والإجراءات اللازمة لتحقيق هذا الهدف· ويتولى المركز أيضاً تنظيم المشاريع الاستثمارية الصينية في السويد، بالإضافة لتنظيم عملية البحث الدائم عن أسواق جديدة لملايين السلع والمنتجات الخدمية الصينية الجاهزة للتصدير· وخلال السنوات القليلة الماضية ارتفع عدد المشاريع الاستثمارية الصينية في السويد من الصفر إلى 50 عملية كبرى· وفي آخر عام ،2006 اقتربت الصين من منافسة ألمانيا كأكبر مستثمر في السويد·
رقصة العولمة
في أحدث أخبار (رقصة العولمة) التي يشهدها العالم اليوم، يمكن للمرء أن يلاحظ كيف أن الصينيين آثروا اللعب على المسرح الأوروبي بعد أن تمكنّوا من فرض إيقاعهم الصاخب في الأسواق الأميركية· وخلال سنة 2005 انتزع الاتحاد الأوروبي موقع الولايات المتحدة كأضخم شريك تجاري للصين· ولا شك أن هذه الحقائق الماثلة في صلب الأسواق النشيطة ستكون لها نتائجها السياسية والاقتصادية المهمة على المدى القريب والمتوسط والبعيد· ويقول الخبير المالي الصيني يينج فانج الذي يعمل في لندن على اقتراض الأموال البريطانية لصالح الشركات الصينية النهمة: (لا شك أن التطورات التي حدثت مؤخراً تدعو إلى الدهشة· وعندما حاولت إقامة رابطة اقتصادية صينية في لندن قبل 10 سنوات، ظهر لي أنه ما من أحد على الإطلاق يعرف أين تقع الصين أو يرغب في استثمار شلن واحد فيها، أما الآن فإن الجميع يسعون لاقتطاع نصيب من كعكة الأسواق الصينية)· لو تمعن المرء في الإحصائيات والأرقام المتعلقة بالاستثمارات الصينية في أوروبا فقد لا يراها ضخمة جداً، وعلى سبيل المثال، ما زالت جزيرة تايوان الصغيرة لاعباً يتفوق على الصين في السوق الأوروبية، إلا أن مؤشر النمو الصيني ينطلق إلى الأعلى بسرعة عجيبة توحي بأن القضية أصبحت تبدو وكأنها سباقاً بين أرنب وسلحفاة· ووفقاً لما توصلت إليه مجموعة (إرنست أند يونج) الاستشارية فإن العدد الكلي للمشاريع الاستثمارية الصينية في أوروبا زاد بمعدل خمسة أمثال منذ عام ·2000 وتشتمل النشاطات الاستثمارية الصينية هناك على كل شيء من دون استثناء، من إقامة الشراكات مع كبريات الشركات الأوروبية، إلى إقامة مصانع الدراجات الهوائية في جمهورية التشيك، وحتى اختراق شركة الاتصالات الصينية العملاقة (تشاينا تيليكوم) للأسواق الأوروبية أو حتى (ابتلاع) شركات الاتصالات الأخرى· وأصبحت مدينة هامبورج الألمانية وحدها موطناً لأكثر من 350 شركة صينية· وتفكر العديد من هذه الشركات بالعودة إلى الوطن بسبب الطفرة الاقتصادية المتميزة والمناخ المشجّع السائد هناك· ويقول خبير الاستثمار نيجل ويلكوك: (إذا أنت احتكمت إلى منطق الأمور فسوف تلاحظ أن الاستثمارات الصينية في أوروبا تتبع مسار الاستثمارات اليابانية نفسه)· وخلال السنوات العشر الماضية، كان اليابانيون يصنفون بعد الولايات المتحدة من حيث حجم استثماراتهم في أوروبا· ويبدو الآن أن اليابانيين باتوا مجبرين على التخلي عن أهم مواقعهم في العالم القديم للصينيين·
وعمل الأوروبيون كل ما في وسعهم للحد من مستوى اختراق الصينيين لسوقهم الموحدة إلا أنهم لم يفلحوا في وقف هذا التيار الهادر من البضائع المتدفقة· وقبل أربع سنوات فحسب، كانت بريطانيا وحدها قد أقامت مكتباً في بكين لاصطياد المستثمرين الصينيين· ويعد هذا التوجّه البديل الأفضل لفكرة الحدّ من دخول المنتجات الصينية إلى أوروبا على اعتبار أن الاستثمار الصيني فيها سوف يؤدي إلى تشغيل المزيد من الأيدي العاملة المحلية· واليوم أصبحت لكل دول الاتحاد الأوروبي مكاتبها ومراكزها في الصين، وهي مكلفة بمهمة محددة تتمثل في استدراج المستثمرين الصينيين إلى أوروبا· وأشار رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي الذي قاد مؤخراً وفداً يتألف من 700 خبير إلى بكين إلى أنه يسعى لتحويل إيطاليا إلى (بوابة مفتوحة على الشرق)، ولا شك أنه يقصد بذلك الصين والهند وروسيا، وهي البلدان التي نجحت في إطلاق خطط طموحة لزيادة معدل النمو الاقتصادي·
وفي لندن التي تعد الملاذ المفضل للاستثمارات الصينية في أوروبا، يتداول مسؤولو المدينة أحاديث عن إقامة (حي تجاري صيني)، واقترحوا له مكاناً يقع إلى الشرق من السوق المالي المركزي للعاصمة البريطانية· وفي النمسا تعتزم الحكومة دفع مبلغ 100 مليون يورو لتأسيس (حديقة التكنولوجيا الصينية) في إحدى ضواحي العاصمة فيينا·
وقد يبدو واضحاً من خلال ما تقدم أن هذه الطفرة الاستثمارية ثنائية الجانب· وفهم الصينيون أن هناك أبواباً مفتوحة أمام استثماراتهم المربحة في أوروبا ودول العالم الأخرى، وأن عليهم أن يفتحوا بدورهم الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية في بلادهم· وخلال السنوات الخمس الماضية، حرصت الحكومة الصينية على ابتعاث خبرائها إلى ما وراء البحار من أجل بناء أسس قوية لعلامات تجارية جديدة ذات طابع عالمي، وتكفل هؤلاء بدراسة أسرار وخفايا التكنولوجيات القادرة على اكتساح الأسواق العالمية حتى يتمكنوا من استغلالها في إنتاج سلع وبضائع لا يمكن لأي مجتمع عالمي أن يتخلى عنها· وتذكر إحصائيات عام 2005 أن حجم الاستثمارات الصينية في الخارج ارتفع بمعدل 25% عما كان عليه في عام ·2004 وتذكر تقارير خبيرة أن وزارة التجارة الصينية ابتدعت ما يسمى بقائمة المنتجات الخاصة بالتسويق في كل دولة من دول العالم· وأدرجت أوروبا على رأس القائمة كأهم سوق في العالم لترويج عدد لا يحصى من المنتجات الصينية· وعندما قام رئيس الوزراء الصيني ون جايباو بزيارة إلى أوروبا في شهر نوفمبر الماضي، حرص على اصطحاب عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين والمديرين التنفيذيين لمجموعة من أكبر المصانع بمن فيهم مدير شركة (باو ستيل) التي تعد احدى أضخم شركات إنتاج السيارات في الصين ومدير شركة (كنوك) التي تحقق نمواً وتوسعاً سريعاً في الاستثمارات العالمية في مجال النفط والغاز· وبالطبع، لم يذهب هؤلاء إلى هناك لمجرّد النزهة بل لعقد الشراكات الضخمة والعمل على فتح المزيد من الأبواب أمام تدفق البضائع الصينية·
وتلعب بعض الظروف دورها في النشاط الاقتصادي لدولة ما، فإنجلترا مثلاً تستفيد عن بقية دول الاتحاد الأوروبي من اللغة الإنجليزية السائدة فيها، على اعتبار أنها اللغة العالمية التي تنطق بها صناعة الاستثمارات المالية، مما يجعل هذه الاستثمارات تصبّ في السوق المالية لمدينة لندن قبل غيرها· وخلال السنوات الخمس الماضية، اختارت ست شركات صينية إدراج اسمائها في بورصة لندن للأسهم، فيما اختارت 42 شركة أخرى ممارسة نشاطاتها في أسواق استثمارية أكثر تواضعاً· ومن جهة أخرى، أثبت الصينيون أيضاً أنهم قادرين على استحضار لوازم اللعبة الاستثمارية كافة في أثناء ممارستهم لهذا النشاط الحساس· ومن ذلك مثلاً أنهم يعرفون كيف ينظمون الندوات والمؤتمرات الهادفة إلى إلقاء الضوء على مناحي القوة والقصور في تنفيذ خططهم: وكانوا يثبتون في كل مرة أنهم يحسنون اختيار الشخصيات العالمية والمحلية الخبيرة التي تدعى إلى هذه الندوات· ومما يدل على تكامل الخطة التي تنتهجها الصين لتثبيت قدميها في الأسواق العالمية أنها تحرص على ابتعاث ألوف الطلاب إلى الجامعات والمعاهد التكنولوجية الغربية·
الثورة التكنولوجية الثانية وسياسة تحطيم الأسعار
قد لا يبدو من قبيل الصدف أن يولي الصينيون احتراماً خاصاً لحيوانهم الأسطوري ذي الأنياب البارزة والشبيه بأفعى طويلة ذات جلد مزخرف بألوان زاهية ويدعى ''التنّين''· فربما يعبّرون من خلال هذه التركيبة المخيفة عن أنهم قادرين على إصابة العالم بحالة من الرعب الحقيقي عندما يطلقون العقال لثورتهم العلمية والتكنولوجية· وبالطبع فإن الثورة العملية التي بدأت بوادرها بالظهور في الصين، تختلف في أهدافها ومراميها عن الثورة الثقافية الثانية التي أطلقها مؤسس الصين الحديثة ماوتسي تونج· ولا عجب إذاً أن نرى جيوف داير المحلل العلمي والتكنولوجي في صحيفة ''فاينانشيال تايمز'' وهو يتحدث عن هذه الثورة فيصف المراكز العلمية الصينية بأنها (مختبرات التنّين) Dragon Labs للإشارة إلى ضخامة الطموحات التي يرمي الصينيون إلى تحقيقها من بحوثهم· ويشير جيوف إلى انتشار مخاوف حقيقية لدى الغربيين من أن تكون هذه المختبرات سبباً في خسارتهم للمزيد من المواقع التنافسية في الأسواق العالمية· وتتردد أحاديث الآن عن أن الصينيين يتبنون أساليب تكنولوجية جديدة تماماً لا يعرف الغرب عنها شيئاً وهي صالحة للاستخدام في فروع العمل والإنتاج كافة بما فيها التطبيقات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات·
ويكمن أحد أهم عناصر تفوق الصينيين في قدرتهم المذهلة على استحضار المعلومات الإحصائية الدقيقة التي أثارت كثيراً من مخاوف حكومات وشعوب العالم بأسره· ولا تتوقف الشركات العاملة هناك عن الحديث عما يسمى (السعر الصيني) وكيف تمكن الصينيون من تحطيم الأسعار العالمية المتعارف عليها للسلع والخدمات كلها، من الجوارب وحتى أنصاف الموصلات· ويمكن لهذه الميزة بحد ذاتها أن تحكم سلفاً على نتائج الصراعات الدائرة في الأسواق العالمية، فإذا كنت قادراً على إنتاج سلعة معينة بتكلفة معينة، فسوف يتعين عليك أن تطرحها في الأسواق بسعر أعلى من ذلك حتى تحقق هامش الربح المطلوب، ولكن لو كان الصينيون قادرين على صناعة السلعة ذاتها بتكلفة أقل بكثير، فسوف يتمكنون من طرحها في الأسواق بأقل من سعر التكلفة للسلعة التي تصنعها، وبهذا يسدّون أمامك الطريق إلى السوق· ولو كانت هذه الحقيقة تتعلق بنوع معين فحسب من السلع لهان الأمر، إلا أنه يتعلق بكل أنواع السلع على الإطلاق ومن دون استثناء· ويمكن للمرء أن يتصور الحجم الحقيقي للعوائد المترتبة على نجاح الصينيين في تبنّي ثقافة تخفيض تكاليف الإنتاج من خلال الإشارة إلى أن عدد أجهزة الموبايل التي يستخدمها الصينيون يبلغ الآن 440 مليوناً أو ما يساوي 40% من عدد ما يستخدم منها في العالم أجمع· وهذا يعني أيضاً أن الصين بحد ذاتها تعد احدى أضخم الأسواق العالمية من دون منازع·
وفي مجال البحوث العلمية، يعمل العلماء الصينيون في المختبرات الحديثة على ابتداع أجيال جديدة من الأجهزة والأدوات التكنولوجية لم يتمكن أحد من رؤيتها من قبل وتحت شعار (جهاز تم ابتكاره في الصين) بدلاً من (جهاز مصنوع في الصين)· ولم يتردد الرئيس الصيني هيو جينتاو عن رفع شعار (الابتكار المستقل) عندما أطلق هذه السياسة الطموحة· وذكرت إحصائيات حديثة صادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن الصين تفوقت العام الماضي على اليابان لأول مرة من حيث القيمة الإجمالية للمبالغ المالية التي يتم إنفاقها على قطاع البحث والتطوير، وأصبحت تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في هذا المجال· كما أن قطاع البحث والتطوير تضاعف من حيث الحجم والإمكانات خلال السنوات القليلة الماضية· وخلال العام الماضي تفوقت الصين على ألمانيا من حيث عدد براءات الاختراع المسجلة رسمياً لدى الدولة واحتلت المرتبة الخامسة عالمياً في هذا المجال·
وتنفق كل من: اليابان، وكوريا الجنوبية مبالغ طائلة على تطوير الجامعات والمعاهد التكنولوجية على اعتبار أن القدرة على الابتكار والتطوير تكمن فيها، إلا أن الصين تفوقت عليهما في مقدار ما ترصده من أموال لهذه الغاية· وتزايد عدد طلاب الجامعات والمعاهد العليا في الصين العام الماضي 2006 بمعدل أربعة أمثال ما كان عليه في عام 1998 حتى بلغ 16 مليوناً· وتخرّج الجامعات الأميركية 137 ألف مهندس سنوياً مقابل 352 ألفاً يتخرجون في الصين·
ويبلغ عدد الصينيين المرشحين لنيل شهادة دكتوراه الفلسفة في العلوم في جامعات الولايات المتحدة ربع العدد الإجمالي للطلاب الأجانب المسجلين رسمياً لنيلها· وهذا العدد يزداد باضطراد وتزداد معه رغبة حملة شهادة الدكتوراه في العودة إلى بلدهم الأصلي بدلاً من البقاء في بلاد الاغتراب بسبب المغريات الكثيرة التي تنتظرهم هناك· وقالت مصادر حكومية إن أكثر من 170 ألف مهندس من الذين درسوا في بلاد الاغتراب عادوا إلى بلادهم خلال السنوات القليلة الماضية، وأن أكثر من 30 ألفاً منهم عادوا العام الماضي·
من جهة أخرى، تتسابق كبريات الشركات العالمية العاملة في مجال البحوث العلمية والتكنولوجية على افتتاح فروع لها في الصين مدفوعة بانخفاض تكاليف استخدام العلماء الصينيين المحليين للمساعدة في إنجاز البحوث· ويبلغ متوسط راتب العالم الصيني 20% من راتب عالم في أميركا أو دول الاتحاد الأروربي· وقدرت مصادر إحصائية عدد مراكز البحوث الأجنبية في الصين بما بين 250 و300 مركز· وبعد أن تبنّت كل من: اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان التكنولوجيا المبنية على المعرفة، فقد سارعت الصين إلى تبني هذه السياسة ذاتها·
عقبات وعراقيل
ويشير داير إلى أن لهذا الزحف التكنولوجي والعلمي السريع وجهه الآخر· فالصين تواجه كثيراً من العقبات القائمة بين ما ترفعه من شعارات طموحة وما تحققه على أرض الواقع· ومن ذلك مثلاً أن قدرة الصينيين على الابتكار ما زالت متواضعة، ويمكن القول: إن وضع الخطط الابتكارية شيء، وتنفيذها في المصانع شيء آخر· ولا شك أن الفارق بين ما يطمح إليه الصينيون من احتكام على قدرة استثنائية للسيطرة على الأسواق العالمية وما يمكنهم تحقيقه بالفعل، يعتمد بشكل كبير على قدرتهم على إزالة هذه العوائق·
ومن المآخذ الأخرى على الخطة الصينية أن حل المشكلات التي يعانيها الصينيون لا تكمن في أدوات البحث والتطوير بل في النظام التعليمي برمته· ويتفق كثير من مدرسي الجامعات على أن هناك اهتماماً كبيراً بالدراسات النظرية في الجامعات والمعاهد مقابل اهتمام غير كاف بحل المشكلات العالقة وتعليم الطلاب أساليب العمل بطريقة الفريق· ويقدر تقرير نشره مركز ماكينزي للدراسات أن 10% فقط من المهندسين الصينيين المتخرجين في الجامعات والمعاهد يحتكمون على المعارف العملية واللغوية التي تؤهلهم للعمل مع الشركات متعدة الجنسيات العاملة في بلادهم· وحذر تقرير ماكينزي الشركات العالمية الكبرى من أنها قد تقع في فخّ العوز الشديد للكفاءات والعقول الخبيرة عندما تمارس نشاطاتها في الصين· وفيما سجلت كل من: اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان نجاحاً كبيراً في مجال تعليم المهندسين الجدد على الخبرة العملية في الميادين التي تعلموها، إلا أن الصين ما زالت تبحث عن حلول ناجعة لهذه المشكلة المعقدة·



اصطياد الطرائد المريضة

يقول تقرير في مجلة ''نيوزويك'': إن الصينيين كانوا في بعض الحالات يتحينون الفرص للانقضاض على الشركات العالمية الكبرى التي تمر بظروف صعبة· ويمكن القول الآن: إن مصير شركة روفر الإنجليزية لصناعة السيارات بات الآن في أيدي خبراء شركة (نانجينج أوتوموبيل كوربوريشن) الصينية التي تشارك بقوة في تشييد هرم صناعة السيارات في الصين· وخلال العام عام ،2005 تمكنت مجموعة (كوانجيانج جروب) التي تعد أكبر منتج للدراجات الهوائية والنارية من وضع يدها على شركة (بينيللي) الإيطالية المتخصصة بإنتاج ألواح التزلج والدراجات النارية والتي تتمتع بشهرة عالمية منذ تأسيسها قبل 95 عاماً· ولكل هذه الأحداث قصة واحدة تتعلق بقدرة خارقة لدى الصينيين للانقضاض على الشركات التي تعاني الإفلاس أو الخسائر· وربما كان الشيء الأكثر مدعاة للدهشة هو أن الالتزام بسياسة التهام الشركات الأوروبية المريضة لا يقتصر على الشركات الصينية الكبرى بل امتدت عدواه حتى إلى الشركات المتوسطة والصغيرة· ويعلق الخبير الصيني لي نيو الذي يعمل في مكتب تابع لشركة صينية تنتج الأدوات الطبية في لندن على ذلك بقوله: (كلما زاد عدد المكاتب الممثلة للشركات الصينية في أوروبا كلما زادت قدراتها على اكتشاف أسواق جديدة)·

بنية تحتية
لتكنولوجيا المعلومات

في إطار خطة متقنة لتشييد بنية تحتية قوية للصناعات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات تنفذها الصين هذه الأيام، أعلنت الحكومة عن جملة متنوعة من المعايير والضوابط الجديدة التي ترمي من ورائها إلى دعم الشركات الصينية العاملة في صناعة أنصاف الموصلات· وتبحث بكين الآن في تنفيذ فكرة ترمي إلى إعفاء الشركات الصينية المنتجة للرقاقات المصغرة من الضرائب·
وبعد أن أصبحت الصين إحدى أضخم أسواق الدارات التكاملية في العالم خلال السنوات الأخيرة فلقد رأى خبراؤها أن تطوير الإنتاج الوطني من أنصاف النواقل يمثل حجر الأساس في سياسات التنمية الصناعية· وتشتمل سياسة تشجيع الشركات المتخصصة بإنتاج الرقاقات على دعمها مالياً وتخصيص مبالغ مالية لمساعدتها على إجراء البحوث· ويقول يانج زيومينج من الإدارة الاستشارية للحكومة: (لن يكون هناك أي تراجع في المستقبل عن تقديم الدعم لصناعة الدارات التكاملية)· وقدم يانج مؤخراً تفاصيل مهمة حول السياسة التي ينتظر إقرارها في هذا الشأن عندما أشار إلى أن الدولة سوف تأخذ في الحسبان كل الآراء والاتجاهات التي تصبّ في مصلحة تعزيز وتقوية هذه الصناعة الحساسة·

منافسة في صناعة السيارات

ربما يكمن سرّ نجاح الخطة التنموية الصينية في أن الصينيين فهموا أن التطور يشبه حركة الرياح التي تملأ كل الثقوب عندما تهبّ بقوة· وإذا هم أرادوا أن يسجلوا النجاح العريض والوجود القوي في كل السواق العالمية، فإن عليهم أن يحرصوا على أن يكون التطور الصناعي شاملاً لمناحي الإنتاج كافة· وتعد صناعة السيارات من أهم الميادين التنافسية التي يعتزم الصينيون الخوض فيها· وتتسابق العديد من مصانع السيارات الصينية مع الزمن لتنفيذ فكرة إنتاج سيارات رخيصة وعملية بحيث تبيع منها عشرات الملايين كل عام قبل نهاية العقد الجاري· ومن ذلك مثلاً أن شركة (جريت وول موتور) الصينية العملاقة لتصنيع السيارات تقوم الآن بحملة تسويقية واسعة النطاق في ألمانيا للترويج لطرح سيارتها ''هوفر'' المجهزة للسير على الطرق الوعرة في الأسواق الألمانية اعتباراً من عام 2008 بسعر يقل عن 20 ألف يورو·
وتسعى شركات صناعة السيارات الصينية لتدارك الفشل الذي سجلته خلال السنوات القليلة الماضية عندما تعثّرت سيارة الاستخدامات الرياضية ذات الدفع الرباعي (لاند ويند) أو (ريح الأرض) التي تنتجها شركة (جيانجلينج) خلال عام 2005 في اختبار التصادم الذي أجرته لها جمعية (أداك)، وهي أكبر جمعية لاختبار صلاحية السيارات في ألمانيا، مما جاء بمثابة أسوأ دعاية لهذه السيارة بصفة خاصة وللسيارات الصينية عموماً· وذكرت شركة (جريت وول) الخاصة، ومقرها في إقليم هيبي بالصين، أن السيارة هوفر طرحت في الأسواق الصينية في الربيع الماضي وعرضت نسختها التصورية للمرة الأولى في أوروبا خلال معرض بولونيا بإيطاليا عام ·2005 وكانت الشركة قدمت مؤخراً سيارة ''هوفر سيدان'' للرئيس الكوبي فيدل كاسترو كهدية· ويبلغ طول قاعدة استناد العجلات في السيارة ''هوفر'' 2,7 متر وهي تشبه السيارة هوندا (سي أر-في) وتعمل بمحرك تبلغ سعته 2,4 لتر ويمكنه تحرير 123 حصاناً من الطاقة الميكانيكية·
































حسابات دقيقة


أصبحت كثير من القطاعات الإنتاجية الصينية غير قادرة على تلبية الطلب العالمي المتزايد على بعض السلع الأساسية، وتعدّ صناعة استخلاص المعادن من الخامات الأرضية مثالاً على ذلك· فلقد أعلنت الحكومة الصينية مؤخراً عن فرض تخفيض كبير في تصدير المنتجات الفولاذية وبقية المعادن بهدف الحاجة إليها في المشاريع التنموية من جهة، ومن أجل الحدّ من توسيع قاعدة الصناعات التي تتطلب هدر كميات ضخمة من الطاقة واستهلاك الكثير من الموارد الطبيعية· وقالت وزارة المالية الصينية: إنها آثرت وضع القيود على تصدير بعض المعادن ذات الإنتاج القليل عالمياً مثل التنغستن الذي يستخدم في صناعة أسلاك مصابيح الإضاءة، من خلال فرض الضرائب الباهظة على عمليات تصديرها· وبالرغم من هذه الإجراءات إلا أن المحللين توقعوا أن تزداد صادرات الصين من الفولاذ· ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن الصين تستهلك ثلث الإنتاج العالمي من الفولاذ، وهذا بحد ذاته يمكن أن يكون مقياساً واضحاً لضخامة مشاريع التنمية الاقتصادية والعمرانية· ومع هذا، فإن الصين أصبحت خلال السنوات القليلة الماضية من كبريات الدول المصدرة للفولاذ على المستوى العالمي· ففي عام 2005 ارتفع حجم الصادرات الصينية من الفولاذ بمعدل 44% عما كان عليه في عام ،2004 ثم ارتفع بحدة وبنسبة بلغت 92% خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2006 ليبلغ 32,8 مليون طن·



مؤشرات


خلال الصيف الماضي أعلنت مصادر رسمية في الحكومة الصينية عن أن مخزون الدولة من العملات الأجنبية تخطى حاجز الألف مليار دولار (تريليون دولار)، وجاء في البيان أن هذا المخزون يزداد بمعدل 3 مليارات دولار شهرياً· ومن المؤشرات الأخرى التي تدل على سرعة النمو الاقتصادي والتجاري التي تحققها الصين أنها أعلنت في بداية العام الماضي رسمياً عن وقف قبول أنواع المساعدات كافة التي كانت تتلقاها من بعض الدول، بالإضافة إلى الوكالات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة· وسرّبت بعض الصحف تقارير مؤكدة تشير إلى أن الصين كانت خلال السنوات القليلة التي سبقت الإعلان عن هذا القرار تعيد توجيه المساعدات الغذائية التي تتلقاها من المصادر العالمية لتقدمها كمساعدات صينية إلى دول فقيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا·

اقرأ أيضا

أصول «المركزي» ترتفع لأعلى مستوياتها إلى 432.6 مليار درهم