الاتحاد

الإمارات

خوسيه ساراماجو: نوبل تلاحقني كما السكين



الاتحاد - خاص:

''لكنّ الكرة الأرضية لم تغيّر طريقة دورانها، والديموقراطية هي الخديعة الكبرى· الإنسان يتدهور تحت وطأة الأشياء''·· هذا بعض ما يقوله الكاتب البرتغالي الحائز جائزة نوبل ''خوسيه ساراماجو'' مع صدور كتابه ''وضوح'' الذي يميط فيه اللثام عن ''تلك الفضيحة المزركشة التي تدعى الديموقراطية''، ويقول إن جائزة نوبل تلاحقه كما السكين: ''أين أنت؟''· وبيده يحاول الحدّ من الغروب البشري، هو الذي كاد يبحث عن وسيلة للانتحار حين شاهد الفلسطينيين يتحطمون·
التالي عرض لمحتويات الكتاب
أقراص الضحك
''خوسيه ساراماجو'' يسألنا ما إذا كان لدينا الوقت الكافي للتأمل· لا، لا، ربما أصبح كل الوقت·· للموت·
ذاك الكاتب البرتغالي الذي حاز جائزة نوبل في الآداب عام 1998 حاول أن يقيم مقارنة ''لا مرئية'' بين كلكوتا ونيويورك، بين مواطني الأرصفة ومواطني ناطحات السحاب: في الحالتين، القلب في غيبوبة·
يسخر ''ساراماجو'' من كلمة ''الديموقراطية'' التي أضحت، في نظره، مثل الأقراص التي تعطى للضحك· في الأساس، حين نشأت الكلمة داخل الفلسفة الإغريقية كانت تعني شيئاً آخر: ''كيف يمكن أن يكون الإنسان سيد الأشياء؟''· في نهاية المطاف بات الكائن البشري يترنّح تحت وطأة الأشياء· يقول: ''ربما حدث خطأ في التفسير، لقد صنع افلاطون جمهوريته الفاضلة لتكون مستودعاً للمجانين''·
قال: إنه التقى من سنوات طويلة ''جان- بول سارتر'': ''تناولت العشاء معه في أحد مطاعم الحيّ اللاتيني· تحدّثنا عن القضايا الكبرى، كانت هناك رغبة شديدة في التفاؤل، بقيت الأطباق كما هي· لا وقت للملاعق، وتركت باريس على أمل أن الكرة الأرضية ستغيّر طريقة دورانها· انظر الآن إلى الناس· لماذا يصرّون على القبول بأن يتحوّلوا إلى تماثيل من الشمع؟''·
موت المحطمين
لاحظ ''ساراماجو'' أن هناك مؤسسات دولية أضحت محورية في هذا العالم· الأمم المتحدة هي سيرك زجاجي· في هذا المكان تُعقد الصفقات الأكثر إثارة للخجل· اللاعبون يتقيأون القرارات التي غالباً ما تتحوّل إلى نصوص هزلية· كيف يتجرّأ صاحب ''الآخر مثلي أنا'' على القول: ''شاهدت، أخيراً، الفلسطينيين وهم يموتون· كدت أبحث عن وسيلة للانتحار· كيف نقبل أن يموت المحطمون هكذا· لا أحد يعترض، هل الأبواب موصدة إلى ذلك الحد؟''·
لا يستطيع الانتفاخ ليظهر كبطل أسطوري على المسرح· يجلس القرفصاء داخل ظله: ''لا داعي لكي أخلع حذائي عندما أفكر· كان هناك كاتب هزلي من لشبونة يقول إن الأفكار تهرب من أصابع قدميه· أنا أشعر بأن الأفكار تتجمّع، كما كومة من الحطب، داخل الروح· لا أحد يقترب ويلقي عود ثقاب على ذلك الحطب· لقد ارتضينا أن نكون هكذا· حتى الدمى تذرف الدموع· ثمّة مَنْ أقفل عيوننا التي لم تعد تتكلم، ولا تزدهي· قرأت لـ''بابلو نيرودا'' ذلك القول: ''أوراق الخريف، وهي تسقط، وتذهب، تقلد دقات قلبي''· الآن أتذكر هذا الكلام· قد أكون بحاجة إلى مَنْ يرشقني بالحجارة لكي أستيقظ''·
الكاتب البرتغالي يتحدث الآن بذاتية مترامية، بل هائلة· حين حاز جائزة نوبل، قال: ''سأحاول الاستمرار في إضاءة الشموع''، على الأقل لأن هذه مهمّة الكاتب· سُرَّ كثيراً بالجائزة، ورأى أنه لا تزال توجّه أصابع تحاول أن تحدث ثقباً في ثقافة العدم التي تتولى القوى الكبرى تسويقها· إنه نادم الآن· السبب أنه لم يفعل ما فعله ''سارتر'' ويرفض الجائزة التي تلاحقني كما السكين: أين أنت؟''·
ذاكرة وراء الذاكرة
إنّ ''ساراماجو'' يتحدّث عن الكائنات المسطّحة· لم تعد هناك ذاكرة وراء الذاكرة، حتى اللاوعي أصيب بعطل دائم· يقول إن ''اللاوعي فقدَ قدميه'' في تجسيد حسِّي قاتل لأن الجانب اللاهوتي أو الثوري أو الميتافيزيقي أو الميتولوجي، من الشخصية يتفتت أمام وابل التفاصيل· ماذا يعلق في الذاكرة؟ ماذا يعلق في الوعي؟ مجرّد كتابة في الهواء يذهب بها الهواء·
يفضّل ألا ينتقد الأكاديمية الأسوجية لأنها بين الحين والآخر تضع أصابعها على الآلام الساخنة والمدوية، إنه يصفق لبعض الكتّاب الذين ينالون جائزة نوبل· يستغرب لأنها مُنحت لآخرين ''لكنني لا أستطيع أن أعلّق، فقد أكون على خطأ، لكنني أصرّ على أن يكون الكاتب صاحب قضية وليس مجرّد مهرج في ذلك الكرنفال الرديء والمملّ والبارد الذي يدعى العصر''·
الكاتب البرتغالي يرى أن الحرية السياسية إنما هي خرافة· لم يعد باستطاعة الإنسان أن يبني آراءه بنفسه، بل انه، ومنذ اللحظة الأولى، يوضع داخل قالب خشبي· في هذه الحال، لا يعود الخيال إياه الذي طالما تدخّل في صناعة الأزمنة· يقول ''ساراماجو'': ''بالكاد يستطيع الخيال أن يصنع، الآن، طبقاً من الهوت دوغ''· إنه يقصد، تحديداً، الخيال الذي يعمل من أجل تكثيف الوهج البشري داخلنا، الوهج الأخلاقي والخلاّق''·
صرخة في وجه التابو
''ساراماجو'' وضع، أخيراً، كتاباً بعنوان ''وضوح''، هو بمثابة صرخة في وجه التابو الغربي بوجه خاص، فهو يرى أن الديموقراطيات في البلدان الغربية ليست سوى واجهات للسلطات الاقتصادية· واجهات لها ألوانها وأعلامها التي تخدع تلك التجمعات البشرية التي تدار الكترونياً، وتحسب أنها تمارس حقها في الاختيار، فيما الذين توضع أسماؤهم على اللوائح الانتخابية هم نتاج تلك الديكتاتوريات المقنّعة التي لا تأخذ بالاعتبار أنّ المهمة الأساسية والأخلاقية لأي سلطة، هي أنسنة الإنسان، لا صناعة القردة، الديموقراطية، إذاً، فضيحة مزركشة·
اليد الخشبية للاقتصاد
هذه هي الصورة التي يظهرها ''خوسيه ساراماجو''، إذ أن ثمّة حروباً هائلة تخاض تحت حجج مختلفة، وتحت شعارات برّاقة، فيما الهدف الأساسي هو ضبط الأسواق، والحفاظ على ميكانيكية الاستهلاك أو تطويرها· هؤلاء، في نظره، هم أكلة اللحم البشري· لا يقول، كلياً، بالاقتراع بالأوراق البيضاء· ولكن هذه يمكن أن تكون وسيلة للاعتراض· كل صرخة الآن قد تكون متأخِّرة لأن العالم أخذ شكله الأخير، ولكن ألا يستحضر ''ساراماجو'' لوحة ''بابلو بيكاسو'' الشهيرة ليقول: ''القرية الكونيّة؟ إنها الغرنيكا''· تلك القرية الاسبانية التي دمّرتها الطائرات الألمانية إبان الحرب الأهلية· كل شيء محطم وممزّق، فيما رأس حصان مقطوع يطلق صهيلاً هائلاً، أو هكذا يوحى إلينا· إنه صهيل القتلى الذين يسقطون ضحية لمنطق القوة، وحيث الغروب البشري بكل معنى الكلمة·
يقول ''خوسيه ساراماجو'': ''إن كل ما أستطيع فعله هو أن أرفع يدي لأحد من ذلك الغروب، حماقة أليس كذلك؟ لن أيأس··''·

أورينت برس

اقرأ أيضا

سلطان بن زايد: زايد رمز شامخ للتسامح والعطاء الإنساني