الاتحاد

الإمارات

فيء الكلام

تجاوز الحدود ...

كثيراً ما يحدث في الحياة أن يتم تجاوز الحدود، أي تلك الحدود التي يضعها الإنسان لنفسه سواء روحية أو فكرية ويعمل على عدم تجاوزها، حيث دائماً ما يكون تجاوز هذه الحدود ذا مردود معاكس لواقع الفرد أوالجماعة·
لكن هل يعني الركون عند الإطار المخول لنا التحرك فيه أن نصنع مجداً، أونغير واقعاً؟
وهل ما بلغته البشرية من تطور على مدى حقب سيرة الإنسان منذ ''البدائي'' حتى يومنا هذا ليس تجاوزاً للحدود؟·
في كلا السؤالين تأتي عملية تجاوز الحدود هي القفزة نحو البريق، نحو الحلم ونحو المجهول في الوقت نفسه، حيث لا مجال لبلوغ الأحلام إلا بتحطيم القيود والسير في الفضاء المفتوح لاستنشاق الهواء النقي، الهواء الذي يدخل الرئة ويغسلها، يدخل الروح والعقل وينعشهما، حيث تشرق شمس الصباح على حبات الندى وهي تداعب أوراق شجرة اللوز·· والوردة·
وهل كل تجاوز للحدود يعني العوم في هذا البراح الشاسع من الجمال؟·
بالطبع (لا) ليس كل تجاوز للحدود هو قفز نحو الضفة المشرقة، ففي الحياة هناك حدود سلبية وأخرى إيجابية، هناك تجاوز يستدعي التضحية بأشياء كثيرة تصل إلى التضحية بالعمل وبالأسرة وبالمال وأحياناً أخرى التضحية بالروح·· وحتى بالحبيبة·
فيلم ''الريح التي تهز الشعير'' الذي يعرض في دور العرض السينمائي المحلية حالياً للمخرج ''كين لوتش'' والحائز السعفة الذهبية في مهرجان كان الأخير يتحدث (الفيلم) عن مرحلة من تاريخ النضال الأيرلندي للاستقلال عن التاج البريطاني (1920)، ويقدم بشاعة المحتل وبسالة المقاوم، وفي الآن نفسه تحولات الصراع والقيم والمفاهيم إلى مستوى الألم الذي يتجاوز فعلاً حدوده التقليدية والغرق في بحر من الدموع·
في هذا الفيلم، حيث يبلغ التصاعد الدرامي أوجه يقول البطل ''داميان'' لحبيبته: لقد تجاوزت الحدود·
وهنا يعني تجاوز داميان للحدود هو قيامه بعملية إعدام بالرصاص لأحد رفاق النضال ضد الاحتلال الإنجليزي لأيرلندا بعد أن خانهم من خلال تقديمه معلومات إلى الإنجليز عن فريق النضال ·· بالرغم من أن هذه الشخصية (الخائنة) هي من أعز أصدقاء داميان، إلا أنه لم يرأف وهو الرجل الطبيب والمثقف والذي رفض في البدء الدخول في تنظيم المقاومة الأيرلندية·· لم ينصت داميان إلى التوسلات وطلب السماح من رفيقهم، وأطلق رصاصة في قلبه أردته قتيلاً على الفور·
ولكن داميان بالرغم من اعترافه في لحظة ألم شديد بأنه تجاوز الحدود، لم يجد أمامه سوى المضي نحو الهدف وهو تحرير ايرلندا، ذلك لأن بريق الحرية ورؤية بلاده خالية من المحتل تغوي بمزيد من الإصرار على تجاوز أكثر شروط الحدود حزماً·
وهذا ما يصر عليه المخرج ''كين لوتش'' في فيلمه المتقن، حيث بعد أن تتم الهدنة ونيل أيرلندا استقلالاً غير كامل، ينقسم رفاق النضال بين مؤيد ومعارض وينضم داميان إلى الفريق المعارض الذي يرفض الاستقلال الجزئي عن التاج البريطاني وتصل الأحداث إلى مستويات خطرة ومأساوية حين تتحول معادلة الصراع لتدور في الداخل الأيرلندي، ويعتقل داميان ويكون في مواجهة شقيقه ''تيدي'' الذين كانا بالأمس يقاتلان سوياً ضد المحتل، ''تيدي'' شقيق داميان يحقق مع شقيقة، وداميان لا يعترف ولا يقدم أي معلومة، ''تيدي'' ينفذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص على شقيقه داميان وهو يبكي·
وليكن ما يكن إلا أن هذه القدرة الضخمة من ''داميان'' على تحمل مسؤولية تجاوز الحدود تستحق الانحناء احتراماً، حيث عندما خير ''داميان'' بين الخروج عن رفاقه والتنازل عن معارضته ومقاومته وبين الإعدام·· لم يتردد في أن يعلن أنه لم يتجاوز الحدود كي يعود إلى الحظيرة·

سعد جمعة
saadjumah@hotmail.com

اقرأ أيضا

محمد بن زايد: الشهداء كوكبة جديدة تنضم إلى موكب العز