الاتحاد

الإمارات

مرعي الحليان·· عودة مخفورة بالشعر



إبراهيم الملا:

'' آه يا عيوني
يا اللي ما ترفّ
إلاّ على طيور البلد ''
كتب ''أحمد راشد ثاني'' هذا المقطع الشعري العامي أواخر الثمانينات، وصدّره كحالة شعرية محلقة في الوهج، تصدير أقرب لصهيل حارق، ومخيلة حاضنة لكل المارقين الجدد، الذين ''توجوا الرمل بالحدوس''، هذا التصدير أتى أيضا كمحاولة لتأسيس خروقات شافية ومضيئة في شعر المكان، وفي مبدعيه القلائل والمزدحمين ـ في ذلك الوقت ـ بهامش منعزل، ومكتنز بكثافته وشعره المتخلص من ضجيج التهويمات والمزايدات، شعر الحياة، وقصيدة اللغة الحارة والصادمة، وابتكارات اللهجة التي أراد لها ''أحمد'' أن تقيم في الحداثة مثل وتد هلامي، شفاف، وبرئ من الطعن والتنكيل والمحاكمة، ومن كل الاعتبارات الشوفينية التي عزلت ''الشعر الفصيح'' من عمق تحققه في التراث، وعزلت ''الشعر العامي'' من طيشه اللذيذ، وانفتاحه على قول مختلف، وكلام متشكل من ماء الروح، ومنفلت في عرائها الأقصى·
هذا المقطع الشعري لأحمد راشد ورد أيضا في مقدمة ''البيان'' الشعري الذي خصه ''مرعي الحليان'' لنشرة ''النوارس'' والتي اختارت في بداية التسعينات أن تطلق صرختها في السواحل، وتخبط بأجنحتها في الهجير· دون انتباه سوى للصحبة الأثيرة، والفرادة المسنودة بأصوات شبيهة وعزلات رحبة ومتماهية·
أصدر مرعي الحليان نشرة ''أشلاء الأرانب القزحية'' مع أصدقاء الحالة وندماء الوقت ( الراحل /على العندل، وعبدالله ماجد العويس) '' وكانت أسماء مستعارة وغرائبية مثل ( م· الأيلي، وشويحطوين الأزرق، وكامل غريب) هي الأسماء التي دوّخت ''القصيدة المطمئنة'' آنذاك، وأوغلت في ترويع البداهات والعاديات الشعرية، خرجت هذه النشرة بأسمائها الملغزة وعبثياتها الملعونة كي توسع شروخها في المدى، وترج الليل ببرق الداخل وشواظ الكتابة المحترقة·
بعد الفورة المتأججة والمتلاحقة لهذه النشرات ( سلسلة ''رماد'' و '' أشلاء الأرانب'' و ''النوارس'' و ''رؤى'' ) غاب اسم ''مرعي الحليان'' من المشهد الشعري الإماراتي، وهو الغياب الذي طوى معه أسماء وبشارات أخرى لم تسعفها الظروف والقناعات على المضي نحو تلك الجروف اللغوية البعيدة والساحرة·
وبعد تطواف وشتات وتبدلات صاخبة بين الصحافة والمسرح والتلفزيون، تمثيلا وإخراجا وتجسيدا للقصص والأجواء الشعبية العامرة مفرداتها بالظلال والتلاوين، وبعد جنوح مرهف نحو الكتابة الدرامية، ظل غياب ''الحليان'' نائيا ومحترسا من ''قصيدة النثر''، وهو الغياب الذي كرّس لفراق طويل وأسئلة ذاتية حول جدوى الشعر، وحول الرغبة في ''تحنيط'' المراحل، وإلحاقها بالفورات الأولى والمتمردة، وبتلك اللغة الصاعقة والمتوحشة، والمتجاوزة لأحكام نقدية مثل النضج والبلاغة والنحت اللغوي والتصويري·
هنا قصائد جديدة كتبها ''مرعي الحليان'' مؤخرا، وهي قصائد لا تبدو أنها خارجة من صدأ وصمت شعري طويل، ذلك لأنها مخفورة بصور وأخيلة وتراكيب لا يمكن أن تصدر عن غياب كلي ومطلق، ولا عن نفور من ''الحالة الشعرية'' ومناكفة الوجد الداخلي المحروس بذاكرات وأطياف وروافد، شعر حي ومتواصل، شعر حركة وانفعال وتلامس، هكذا يكتب مرعي الحليان جديده، وعلينا أن ننصت ـ وبحب ـ لرنين الكتابة وهي تتطوح بالأخيلة !و في هذه المساحة تنشر له ''الاتحاد'' القصائد الثلاث التالية:
üüü
ورطة على الرف
لوحة مغرية في برواز الفراغ
قلب بلا فارس، وفارس خانته الخيانة
وأفكار لا تغريها المعارك·
محارب من عهد قديم يضحك دائما
لعارضات الأزياء
ويلعن ميقات مولده
هوى صريعا بجانب الحقل
احرق المرافئ كلها
أذاب الملح
أي فراغ تركه ذلك الانفجار المفاجئ
كدت انزلق على لوح أغنياته
هاهو مرة أخرى أمامي
يطيل النظر
يطوح بي من ذيلي
ويطوح بي··
الصفعة الأولى لن تهلكني ولا الماء البارد
جسدي مل الوقوف والجلوس والاتكاء والانحناء
ثقيلة هي السلاسل
وهذا الكرسي اللعين
أخبرتني عنه روايات الخارجين عن مدارات المجرة
وتقارير الجن
وسكان الكهوف الأولى
وما نطق من حجر··
فارس من عهد قديم احتل حديقتنا
في حضرته تنجذب الاتجاهات
وأنا غارق في ذلك البئر الزمني
ومفتاح الأسئلة بيدي··
أنا سيده وآمره وناهيه
بإمكاني إطاحته من عرشه
وبإمكاني إثارة الشغب··
بلا أجندة، بلا مخطوطات
وبإمكاني الانصراف عنه·
كأن السؤال انفجر الآن أو البارحة
الفضيحة الكبرى لا تخصني··
هي لبدو
توسدوا الدفاتر القديمة
ناموا ثم ماتوا وتركوا لي ما تركوا
أمامي السهم المباغت
أمارس آخر فعل معه في الاحتمال··
كي لا اعترف بالأسماء
ولا الذين ورثوني أسرار مولدي
وهتك عرض الضوء
والنبوءات التي توالت
ما أيقنت
وما كسبت·
ما أمت وما أحييت
ما أهدرت
وما أسلفت
اسأل عنه الآن
وأتمثل الرعاع
كي لا تخونني المباغتة··
وكي لا تباغتني الاستجابات·
مغامر في حصن دكته العوامل مجتمعة
صبيا حاسر الرأس
يأتي كل صباح من ذلك الشاطئ
يعض الكلمات من أطرافها
يتلصص على الأعراف
وعقائد الحارة القديمة·
نظيف من الدنس
في صوته فتنة
في ملمسه ماء
تهابه الظنون
ترسم ملامحه الفراشات
في خلده انه الأوحد ولا شيء سواه·
تمثال تميته الرياح وتحييه
فارس من غمار الموالي··
سيّد حاله
ومفتاح فكرته الأولى··
يزرع على ظهر الموج المالح سنبلات
ويسميها بأسماء الأولين
لا تذكر شيئا مما قد كان بالأمس
هكذا صرخت موجة أوجعها الغرس
في وجهه·
محارب قديم تاه في ممرات المعارض والمهرجانات
يبحث عن موائد غنية بدسم الحروب الحقيقية
يبحث عن سيف أثري
يزين به ساحة في مكان قصي
لم يصلها بعد··
سهم هوى بالقرب مني لقنني درسا في الموت
واتهمني بما كانوا قد تركوا قبل أن يموتوا هناك
فوق تلال الدفاتر القديمة··
(وحدي··· )
ليل على النافذة
وأنا أراقب ابتداء الحركة
بيني وبينه برزخ وتفاحة
وأزيز طائرات في الشمال
جهات العالم تقترب ولا زناد
لا مفر من المكوث طويلا
هنا هي المفاجأة
لا أحب هذه المواعيد
أريده أن يطرق الباب ويستأذن للخروج هادئا
لا حكايا عندي ولا حتى شبه غناء
يبس هذا القلب
وجف الغضب على حافة الفنجان
هذه الأيام لا تؤسس لمثلها
حينما فتحت النافذة
تحرك الليل··رقص رقصة البداية
أغلقت النافذة
التصق الليل بها··
لا حكاية عندي لك
أنا وحدي، مهجور
تركت الغناء عند حافة النهر الذي شاهدته أول مرة·
توسلت طويلا أن يهبني نافذتي
بكيت
كتبت قصيدة على ورقة وأرسلتها
انتظرت طويلا أن يأتي ساع البريد
في الصباح··
لم يغادر الليل النافذة··
مثل بقية الأصدقاء الذين ناموا قرب خيمتي
نومهم الأبدي في بطاقة هويتي·
üüü
(الذين أرادوا قتلي··)
أنا من باغته السهم
هربت تحت وسادة
بقرب رماد السنين
اعرف انه هنا
قررت الحفر في المرايا··
حاصرتني الجدران··
ها أنا اجلس كتلميذ أدبته الحارة كلها··
ابكي·· اسأل··
كيف سرقتني اللحظة الممتدة بين سحب السماء؟
كيف اقترفت هذا الذنب طيلة الليالي العاصفة؟
سهم هوى من الجهات

üüü

اطل ومر وأفل·
تجاهلتني أحصنة كثيرة في العراء
وحروب فيها حب وشيء من انهزامات
وأقوال مأثورة حفظتها عن ظهر الدنيا
أمنتها حارس مدرستنا العجوز
وصورة صلاح الدين وتصورات جمعتها في المخيلة عن أنبياء أتقياء
ملأت بها حقيبة كبيرة ووسدتها رأس الوقت··
انظر إليها وتنظر إلي
ابحث عن مفك للألغاز
وقطرة عشق لقلب افقدني محضياته··

اقرأ أيضا

لجنة مؤقتة تناقش سياسة «شؤون الوطني الاتحادي»