الاتحاد

عربي ودولي

مشنقة صدام ·· 3 دقائق تصنع أسطورة!

أكــرم ألفــي:

ليلة 30 ديسمبر 2006 ، طلب الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين صحن أرز مع اللحم، ونام متأخراً بينما كان القلق يعتريه، فهو لا يعرف هل سينام على سرير السجن يوماً آخر،أم ستكون هذه ليلته الأخيرة، ربما حفظ بعضا من خبزه لعصافيره التى كان يغذيها يومياً، ربما حلم بابنته رغد وهي صغيرة يعطيها الدواء في سرير مرضها، ربما·· ولكن قطع الحارس الحلم فجراً فعرف أنها النهاية لقصة دامت 69 عاماً و243 يوماً· كانت خطواته بطيئة قلقة، صمت عن الكلام، ليسمع من قاضيه حكم الاعدام الذي سينفذ فيه بعد ساعات· فتجمعت قواه، فعليه أن يحافظ على أسطورته التى صنعها لنفسه حتى اللحظة الأخيرة·
في الجانب الآخر، استيقظت عناصر أمن شابة تربَت على كُره ''الطاغية''، ربما شرَّد وقتل آباءهم أو جيرانهم أو أصدقاء الطفولة، علا صوت قائدهم يقول لهم بصوتٍ ''فَرِحٍ'' استعدوا فنحن ذاهبون لإعدام صدام، ربما شعروا بحالة من النشوة، برهبة، ولكن الأكيد هو أن شعور الانتقام سيطر عليهم، وأخذ كل منهم على حده يفكر بكيفية الانتقام طوال الطريق·
كانت المسافة بين نطق القاضي بالحكم وقاعة الإعدام قصيرة جداً على صدام استدعى خلالها طفولته في قرية العوجة، ولم يجد لأبيه الذي توفي قبل ولادته صورة في الذاكرة، ولا لأمه التى تركته صغيراً، ربما تذكر وجه خاله يعلمه الدرس ''لا تستسلم للأعداء''· في المقابل كان الطريق طويلاً لمنفذي الإعدام الذين بدأ كل منهم يتذكر قصص الأهل والجيران عن وحشية صدام، ويستدعون كراهية الكثيرين من أبناء ''الطائفة'' لهذا الرجل ويحسدون أنفسهم لاختيارهم للمهمة ''المقدسة''·
هكذا تجمعت كافة الظروف لتخرج لنا اللقطة الأخيرة في حياة شخص ملأ الدنيا7 جدلاً، حياً وميتاً، هو صدام حسين· الذي عاش ومات بين مجد صلاح الدين الأيوبي، ومحرر العرب، وبطل القومية الأول، والقائد الملهم، وبين لعنة قتل أطفال الكرد والشيعة وصرخات آلاف الأمهات الثكالى وأرامل وأيتام حروبه خارج وداخل حدود أرض الرافدين·
دخل صدام مسرح النهاية، سارح الرأس ويرتدي ''بالطو'' أسود، وعينيه تنظر بعيدا عن ''جلاديه'' الملثمين، دخل وقد قرر أن يحفظ صورة ''البطل'' في أذهان أتباعه، فبدا غير مكترث ·· غير مرعوب، رافضا وضع القناع· فيما يضع الشاب المقنع حبل المشنقة حول رأسه، كان ينظر هو بعينيه إلى اتجاه آخر· عرف أن نقطة الضعف أن تنظر في أعين ''جلاديك''، فحافظ على هذه الفكرة حتى النهاية فلا نراه في أي لقطة عيناه تنظر إلى أي من الشباب المقنع· في المقابل كان الشباب قد أكمل المهمة، وقرر أن يردد اسم ''مقتدي الصدر'' وأبيه الذي قتله صدام كإعلان للانتقام الذي طال انتظاره فتخرج من صدام كلمة وحيدة ''هذه هية المرجلة''، ثم يتلو الشهادة وقبل إعادتها كان قد سقط ميتاً، ليرقص الشباب رقصة الفرح الأخيرة حول جثته· خرجوا بهواتفهم المحمولة حاملين ''البشارة'' لأهليهم وأصدقائهم أنهم قتلوا من تصور الكثيرين أنه لن ''يقتل'' ولو بعد حين·
رقصة التشفي
حملت هذه الصور لقطة فريدة في تاريخ الإنسانية الحديثة، لقطة التناقضات بين صدام وجلاديه، تناقضاً يحمل بين كنفيه جدلا عربياً سرمدياً حول من هو الضحية ومن الجلاد؟·
3 دقائق هي عمر شريط إعدام صدام، حملت معها 3 أسئلة كبيرة، هي: لماذا كل هذا الفرح بإعدام ميت؟، لماذا دموع الحزن في عيون عرب كثيرين؟، إلى أين نحن ذاهبون؟·
كان الفرح بين شيعة العراق مبالغاً فيه، بدأ برقصة الموت على جثة صدام، تحولت إلى عدوى جماعية انتشرت في الشوارع في مدينة الصدر والنجف وكربلاء والبصرة· بينما كان الشارع الكردي متحفظاً·
إن الإجابة يسطرها ''جيمس سكوت'' في كتابه الهام ''المقاومة بالحيلة''، فبعد عرض لكيفية قيام الجماعات المقموعة بالمقاومة عبر ''الخطاب المستتر'' في مواجهة السلطة القمعية، يقول ''إن الفرد الذي يشعر أنه قد أهين، قد ينمي في داخله استيهامات شخصية تتعلق بالثأر والمجابهة، ولكن حين تكون الإهانة مجرد تنويع على الإهانات التى توجه منهجياً إلى عرق بأكمله، أو إلى شريحة من الناس، فإن الاستيهامات تصبح عند ذلك نتاج ثقافة جماعية، فتأخذ أشكال الثأر العنيف''
إن حالة القمع والكبت التى تعرض لها الشيعة في ظل نظام صدام حسين لا يمكن لأي شخص موضوعي أن ينكرها، فقد ظل الكثيرون ينسجون في خيالهم -بينما كان صدام على رأس النظام- أشكالاً للانتقام، خرجت في لحظة الإعدام على شكل الرقص والتشفي والعنف الكلامي ضد الرئيس السابق· في المقابل، فإن الأكراد الذين تمتعوا سنوات بالحكم الذاتي وبنوع من الحرية طويلاً لم يروا ضرورة لكل مظاهر الفرح·
''التشفي'' كان هو التعبير الجماعي عن الخطاب المستتر طويلاً بين مجموعات من العراقيين ظل حبيس الخوف لسنوات طويلة، تراكم ليظهر في يوم الإعدام على الرغم من معرفة الجميع أن صدام في حكم الميت بعد اعتقاله· وكان عمق ''التشفي'' في أن يتم ''التضحية'' بصدام في عيد الأضحى ليصبح ''العيد عيدان'' كما قال كثيرون·
في المقابل، كانت هناك جموع من الشباب العربي يعيش لحظة حزن حقيقية بعد مشاهدته صور الإعدام في يوم العيد، هنا تجمعت الذاكرة الجماعية المغايرة، ذاكرة الحالمين بالبطل· فقد تربى الوعي العربي خلال أكثر من 50 عاماً على فكرة أن البطل القادم من بين صفحات التاريخ هو الوحيد القادر على إجلاء ''الغمة''· وقام صدام لحظة الإعدام باستحضار كافة مكونات صورة هذا ''البطل''، الذي لا يتردد وهو يواجه الموت على يد ''أعدائه''·
إنتاج الأسطورة
كانت ساحة العراق خلال السنوات الثلاث الماضية هي ساحة للصراعات الدينية والطائفية والقومية ''المستترة'' في العالم العربي، لقد استدعى الاحتلال الأميركي لـ ''أرض السواد'' كافة أشباح الخوف واللايقين لدى الشباب العربي· وفي ظل غياب أي نموذج لهؤلاء بعيداً عن شبح الزرقاوي، حولت المحاكمة الطويلة صدام إلى بطل، أو بالأحرى إعادة إنتاج الأسطورة في عالم يعشق ويعيش على الأساطير· وكلل الأسطورة بتاج ''مشهد الإعدام''·
هنا استنفر شباب عربي للدفاع عن صدام ليستعيدوا ذاكرة الأبطال الأسطوريين الذين قتلوا في المعركة، ونافيا عن الشخص كل التاريخ السابق من القمع والاضطهاد والظلم والقتل بدماء باردة· ففي عصر الأزمة يجب صناعة ''البطل الأسطورة''، وصنعت الأحداث من صدام هذا النموذج·
ولكن يبقى إلى أين نحن ذاهبون؟ ·· يبدو لي أننا ذاهبون إلى طريق مظلم مثل كافة الطرق التى سرنا فيها طوال سنوات طويلة، نسير بين طريق الانتقام وطريق الرغبة والحلم بالبطل الخارج من الرماد مثل العنقاء· فبين هذا وذاك غاب من اللحظة الراهنة ''العقل النقدي الجمعي'' في العالم العربي، عقل يحاسب نفسه ويعيد كتابة التاريخ، وهو يدرك أنه على أرض صلبة· عقل لا يرغب في الانتقام والتشفي أو يبحث عن السراب في جنازات ''أبطال من ورق''· إن إعادة السيطرة للشارع والعقل العربي الجمعي لن يخرج إلى حيز الفعل اليوم أو غداً، بل ربما قد يتأخر كثيراً في ظل هيمنة الخطاب ''الفضائي'' الانفعالي و''قبضة'' السلطة التى تحول دون أي فعل عاقل·

اقرأ أيضا

المحافظون القوميون يحتفظون بالأغلبية البرلمانية في بولندا