الاتحاد

عربي ودولي

هل تحدث المعركة الرئاسيةالفرنسية في لبنان؟



الاتحاد- خاص:

قبل عام لم تكن شيئاً، الآن هي كل شيء· وحين انعقد مؤتمر الحزب الاشتراكي لاختيار مرشحه في المعركة حول الاليزيه، قالت للحضور ''سأبقى نفسي''· بادرها أحد منافسيها ''لوران فابيوس'' بالقول: ''إنكِ الملكة···''·
البعض وصفها بأنها سريعة العطب، وبكونها وحيدة بين فيلة الحزب، فأظهرت أنها قادرة على أن تقود الفيلة··
أما لماذا اختارت لبنان كأول بلد أجنبي تزوره بعد ترشيحها، فلأن هذا البلد جزء من الرؤية الاستراتيجية (والعاطفية) الفرنسية، ناهيك عن الرغبة في أن تفهم الشرق الأوسط وتغطّي الثغرات في تعاطيها مع القضايا الدولية·

ميتران قال لها: أنتِ نموذج إغريقي وتتعذبين كثيراً

هل هي امرأة أم··· امرأة سياسية؟ هذه مسألة دقيقة جداً في الاختبار الانتخابي· ثمّة مَنْ يسدي هذه النصيحة إلى ''سيجولين رويال'': إياكِ أن تكوني رجلاً، إياكِ أيضاً أن ترتدي قناع الرجل··
الأفضل أن تظل المرشحة الاشتراكية للانتخابات الفرنسية امرأة بالكامل· لا تزال جميلة· ترتدي ملابس أنيقة، وقليلاً ما تلجأ إلى بنطلون الجينز الذي يظلّ رغم كل شيء، وحسبما كانت تقول ''فرنسواز ساجان''، التي أدمنت عليه، ''محاولة أميركية لكي تصنع من المرأة رجلاً''· لكن 90 في المائة من نساء فرنسا يستخدمن الجينز، ومازلن نساء··
رغم أنها اشتراكية، أي من جماعة ''الوردة الحمراء'' التي تعني الرغبة في التغيير، فهي تفضِّل اللمسة الكلاسيكية التي تجعل المرأة أكثر توازناً، لا، لا، بل أكثر عمقاً، كما كان يقول لها مرشدها الروحي ''فرنسوا ميتران'' الذي وجد فيها تلك المثقفة الشفافة التي قد تنكسر، أو تتحطم، أو تذهب هباء في لحظة ما· وقال لها: ''لا تنزعجي من كلامي يا سيجو، إنكِ نموذج إغريقي، ولا بد أن تتعذبي كثيراً''· ربما كان ''ميتران'' يتكلم كفيلسوف· ''سيجولين'' لا تملك وجهاً رمادياً، وهي تستطيع أن تجد طريق الخلاص عندما يقف المأزق أمامها· لكنها تأثرت كثيراً برأي الرئيس الفرنسي الراحل· وهذا قد يكون وراء قرارها أن تعيش قناعاتها وأن تطوّر هذه القناعات لاعتقادها ''أنّ أفكارنا تصدأ بسرعة إن لم ''نغسلها'' بأفكار أخرى''·
الكعب العالي
إنها تنتعل الكعب العالي، ليس لأنها تشعر بأنها امرأة بلاط، أو أن روح جدّتها تتقمّصها، مع أنها تصرّ على دفء العائلة· المنزل ليس جدراناً وأسرة وأواني زجاجية، بل إنه العائلة· أنجبت من أمين عام الحزب الاشتراكي ''فرنسوا هولاند'' أربعة أولاد· تهتم بهم كثيراً رغم تنوّع مشاغلها· لم تقل إنّ فرنسا هي طفلتها الخامسة، تختار كلماتها بدقة، و''فرنسوا'' يقول إنها امرأة تتقن ترتيب خزانتها، وأفكارها أيضاً· أما لماذا انسحب هو، تاركاً المنافسة على المسرح الاشتراكي لرفيقته (لا زواج رسمياً بينهما) وكل من ''لوران فابيوس'' و''دومينيك شتراوس ـ كان''، فلأنها الأكثر قدرة على ''التفاعل مع الجماهير''، وإن كان يستدرك ضاحكاً: ''الدستور الفرنسي ينص على رئيس جمهورية واحد، لا يمكن أن تكون هي وأكون أنا أيضاً''· البعض يقول: ''قبل عام لم تكن شيئاً، الآن هي كل شيء''· كتأكيد لقوة شخصيها، قالت بعدما فازت بترشيح الحزب الذي يكتظ بالمثقفين: ''سأبقى نفسي''· للتو، قال لها ''فابيوس'' ''إنكِ الملكة···''· لم يكن يقصد اسمها ''رويال''، بل كونها حظيت بتلك النسبة الكبيرة من الناخبين، كما أنها عرضت أفكارا بشكل مميز·· لم تكن، كما وصفها البعض سريعة العطب ووحيدة بين فيلة الحزب، بل كانت واثقة من نفسها وقادرة على أن تقود الفيلة·
أريسطو وذقنه
''سيجولين'' تعرَّضت لحملة هائلة من أجل التشكيك بقدرتها على القيادة، ولكن عندما كانت في الإليزيه مستشارة تقنية، كان ''جاك آتالي''، المفكر والكاتب الذي ظل طويلاً إلى جانب الرئيس، يتحدث عن ''تلك المرأة التي تفهم في كل شيء''، وهو الذي قلما يعجبه أحد، حتى أن البعض كان يقول إن ''آتالي'' إذا لم يجد ما ينتقده في أريسطو فلسوف يقول ''لكنه لم يكن يحلق ذقنه بانتظام''·
ليست الفانتازيا السياسية هي التي جعلتها تختار لبنان كأول بلد أجنبي تزوره· الرئيس ''جاك شيراك'' عزّز شعبيته عندما أبدى اهتمامه الحار بذلك البلد الذي شارك رجل الدولة الفرنسي ''جورج كليمنصو'' في رسم حدوده (مؤتمر فرساي عام 1919)، وكان أن المفوض السامي الفرنسي الجنرال ''هنري غورو''، بطل المارن، هو مَنْ أعلن قيام دولة لبنان الكبير في أول سبتمبر ·1920 الانتداب بقي حتى عام ،1943 لكن الفرنسيين وإن كانت لهم رؤيتهم ومصالحهم، قدموا الكثير للبنان: الدستور، الإدارة، المطارات، شبكة السكك الحديدية، فضلاً عن شبكة الطرقات، والأهم من ذلك كله المدارس، والكليات، وجامعة القديس يوسف التي أنتجت الكثير من الأدمغة·
فرنسيو الشرق
لا ننسى أن الملك ''لويس التاسع'' وصف موارنة جبل لبنان بأنهم فرنسيو الشرق، مع ازدهار مثير للغة الفرنسية، كما للثقافة الفرنسية· هذا يعني أن اهتمام الرئيس ''شيراك'' بلبنان لا يعود، فقط، إلى كونه صديقاً حميماً لرئيس الحكومة الراحل ''رفيق الحريري'' (الذي كان يناديه··· جاك)، بل إلى القناعة بالدور الحضاري والإنساني للبنان، وللتأكيد، فحين أغارت الطائرات الإسرائيلية على مطار بيروت في أواخر الستينات من القرن الفائت، بادر الرئيس ''شارل ديغول'' إلى حظر إرسال الأسلحة الفرنسية إلى إسرائيل التي كانت قد ربحت حرب عام 1967 بطائرات الميراج الفرنسية، وحرب عام 1956 بطائرات سوبر ليستير الفرنسية أيضاً، ناهيك عن أن مفاعل ديمونا يحمل هذه العبارة ''صنع في فرنسا''·
في الأشهر العشرين المنصرمة بدا كما لو أن لبنان قضية فرنسية، حتى أن بعض المعلقين يقولون إن معركة رئاسة الجمهورية الفرنسية ستجري في لبنان·
العلاقات عاطفية جداً، و''سيغولين'' اختارت لبنان لتؤكد على علاقتها مع هذا البلد الذي تحدث عنه فرنسيون كثيرون بشغف· ''لامارتين''، الشاعر ورئيس الوزراء، تحدث عن ''عبقرية القمر في تلك الأودية''·
ربما كانت الزيارة لقطع الطريق على الرئيس ''جاك شيراك'' الذي قال المعلقون إنه قد يرشح نفسه للرئاسة من خلال الملف اللبناني الذي لا تريد باريس أن يظل هكذا عند باب المجهول· ولكن أليس ما فعله وزير الداخلية ''نيكولا ساركوزي'' عندما أعلن ترشيح نفسه للرئاسة هو قطع للطريق أمام الرئيس، كون الاثنين ينتميان إلى حزب واحد هو ''الاتحاد من أجل الحركة الشعبية''·
خطوة ''ساركوزي'' أثارت الذهول داخل الإليزيه، لم ينتظر ما سيقوله الرئيس بل إنه اعتمد أسلوب الضربة الاستباقية قبل أن يعلن الرئيس في الشهر المقبل ترشيحه، فلا يعود هناك من سبيل (معنوي) للمنافسة·
على كل، الجميع يعرفون أن ذلك السياسي من أصل هنغاري، بشخصيته الفائقة الذكاء وبفاعليته على الأرض، يتصرّف كما لو أنه بطل إحدى مسرحيات ''وليم شكسبير''· يظهر، ويضرب، في الوقت المناسب، ودون أن ينجح الرئيس ''شيراك'' في تسويق رئيس وزرائه المثقف، والمرهف، بل والفيلسوف ''دومينيك دو فيلبان''، إذ أنّ فرنسا تريد رجلاً براغماتياً، وحاسماً، ولا يمتّ بصلة إلى الرومانسية التي لم تعد تصلح لهذا العصر·
''ساركوزي'' فعل ما فعله ''جاك شيراك'' عندما ترشّح للمرة الأولى· أبلغ إحدى الصحف المناطقية بذلك· لم يتحدث لا إلى ''اللوموند'' ولا إلى ''الفيغارو''، الصوت الآن من بعيد قد يكون أكثر تأثيراً· الخطوة التالية كانت حديثاً مطولاً على إحدى القنوات التلفزيونية· تكلم موسوعياً، وكرجل له تصوّره المحدد لموقف فرنسا من كل الملفات الساخنة، من دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إلى القضية العراقية، والقضية الفلسطينية، واللافت أن اهتمامه كان محدوداً بلبنان، هو الذي أكد سابقاً، على العلاقة الوثيقة بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل·
ثقافة الشرق الأوسط
''سيغولين'' التي أظهرت أكثر من مرة أن معرفتها بالقضايا الدولية ضئيلة، تريد تثقيف نفسها ميدانياً، ومن خلال ذلك الشرق الأوسط الذي هو مسرح مكشوف، وأحياناً معقد، لكل الأزمات، والرغبات، الاستراتيجية في هذا العالم· الجولة أفادتها كثيراً· ناقشت، واستوضحت، كما أنها استعانت ببعض الخبراء لمناقشتهم حول مسائل مختلفة، إذ لا يكفي أن تكون تعرف فرنسا· ''ساركوزي'' قال: ''كيف نفهم فرنسا دون أن نفهم العالم؟''·
في العرف الفرنسي، رئيس الجمهورية هو الذي يختار وزير الخارجية، وحتى عندما يكون حزب الأكثرية في الجمعية الوطنية غير الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس· يتم التفاهم حول الشخصية التي ستشغل تلك الحقيبة لأن صوغ السياسة الخارجية عملية يشارك فيها، دستورياً، رئيس الجمهورية··
إذاً، باستطاعة ''سيغولين رويال'' التحديق ملياً في أدمغة الرجال· فرنسا تزخر بالأدمغة الديبلوماسية، وإن كانت قد شهدت ظهور وزراء لم ينجحوا في مهماتهم لأن فرنسا تبحث عن دور لها بين الأدغال·· وزير خارجية بارع يحلّ مشكلتها· هل هذه هي المشكلة الوحيدة·
أورينت برس

اقرأ أيضا

ترامب يخطط للطعن في قرار وقف بناء أجزاء من جدار المكسيك