الأحد 27 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

هونج كونج.. والمصير المحسوم

18 أكتوبر 2014 00:20
انتشرت أغنية قديمة في هونج كونج عندما كانت الحرب العالمية الثانية توشك على وضع أوزراها تقول كلمتها «السمكة ستعود إلى المحيط. . . الكلب سيأتي يومه. . . ومئات السنوات تنقضي. . . والمجد سيذوي». والأغنية كانت تتنبأ بنهاية الحكم البريطاني في هونج كونج ولكن العودة إلى الصين لم تحدث على الفور بعد وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة في أعقاب الحرب، لأن رئيس الحزب الشيوعي في ذاك الوقت «ماو تسي تونج» لم يكن يرغب في ذلك. وربما اعتقد «ماو» أن التورط في قتال مع دولة غربية كبيرة ليست خصماً كان من الممكن أن يعرقل إحكام سيطرته على السلطة. وعلى الرغم من هذا، فبدءاً من تأسيس جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر عام 1949 وما بعد ذلك، أدركت بكين ولندن أن إبقاء بريطانيا على الحكم الاستعماري في هونج كونج لم يتسبب إلا في معاناة للصين. وإدراك القضية على هذا النحو صبغ كل شيء بصبغته. فقد أدى هذا إلى التلكؤ في إقامة مؤسسات ديمقراطية أثناء الحكم الاستعماري، ثم إلى نشر الديمقراطية في هونج كونج لاحقاً حفاظاً على ماء وجه بريطانيا. وأدى أيضاً إلى شكوك صينية دائمة وعميقة تجاه هذه الديمقراطية. وتمخض كل هذا عن تسوية تمثلت في المنهج التدريجي الذي أدى إلى عرقلة حكم المدينة. وازداد اقتصاد هونج كونج رخاء ولكن حكومتها في حالة صعبة وقد تكون غير قادرة على حل مشكلاتها المحلية. وبدأت التعقيدات بعد عام 1949، عندما قررت بريطانيا أن تتجنب إقامة مؤسسات ديمقراطية في هونج كونج خشية أن ترى الصين في هذا إقامة لكيان منفصل أو حتى مسعى لاستقلال الجزيرة. وكانت بريطانيا تعتقد أنه في أول تلميح إلى نشاط ديمقراطي، ستطالب الصين باستعادة الجزيرة سريعاً مما قد يحرج بريطانيا للغاية بما يحمله ذلك من انعكاسات على ممتلكاتها الاستعمارية الأخرى. وفي نهاية المطاف استفاد الطرفان من استبعاد النشاط السياسي وأصبح ينظر إلى هونج كونج باعتبارها إدارة مدنية محترفة بعيدة عن السياسة، والقناعة بحكم القانون ستفي بالغرض للحفاظ على الهدوء. ولكن كل شيء تغير مع اقتراب موعد انتهاء التعاقد البريطاني في سنة 1997 وكانت مدته 99 عاماً. وقد ضغط البريطانيون على الصين من أجل استصدار قرار بشأن مستقبل هونج كونج، واتفق الجانبان على إعلان مشترك في عام 1984 قرر عودة هونج كونج فعلياً إلى الصين في عام 1997. وبعبارة أخرى وافقت ديمقراطية ليبرالية على التنازل عن أرض كانت تتحرك فيها بحرية مطلقة ضد إرادتها لصالح نظام تعتبره سلطوياً. وكانت هذه دعوة لأن يستيقظ سكان الجزيرة الذين ظلوا حتى الآن هادئين لينتبهوا إلى أن مسؤولية الحفاظ الكامل على هوية هونج كونج وطريقة الحياة فيها تقع على عاتقهم هم وحدهم. ومن المؤكد أن أكثرية شعب هونج كونج كانون يشعرون بأنهم صينيون، وأن مشروعية الاستعمار قد تلاشت. وفي وقت التوقيع على الإعلان المشترك أرادت الصين أن تحل بسلاسة محل بريطانيا. فالدمج المباشر لم يكن في مصلحة الصين لأنه يضر بمكانة الجزيرة في الاقتصاد الدولي. وقد تبنت الصين مفهوم «بلد واحد ونظامان». وتم الحفاظ على الحريات السياسية والاقتصادية لهونج كونج لمدة 50 عاماً. وأشاعت القيادة الصينية شعار «شعب هونج كونج يحكم هونج كونج» في انتقاد لا يكاد يخفى لبريطانيا الاستعمارية التي ظلت على مدار 150 عاماً ترسل كبار الموظفين المدنيين وضباط الجيش من لندن. وعرض الزعيم الصيني في ذلك الوقت «دينج زياو بينج» على هونج كونج صفقة كبيرة ولم يطلب في مقابلها إلا أن يكون زعماء البلاد في المستقبل وطنيين ويحبون الصين. واستهدف الإعلان المشترك وضع بناء كامل لمستقبل هونج كونج، ودار جدل طويل في سنوات من المفاوضات سبقت الإعلان بشأن أي الوسائل وأي المؤسسات ومن خلال أي المسؤولين يمكن حكم الجزيرة. ولم ترد الصين أن تحدد شيئاً في هذا الشأن. ولكن هونج كونج كانت تريد أن تعرف أي نوع من الحكم ستتمتع به وكان الدبلوماسيون والسياسيون البريطانيون يدركون أن عدم الحديث عن طريقة الحكم في الإعلان المشترك قد يجعل البرلمان البريطاني لا يصدق على المعاهدة. وبعد مفاوضات شديدة السرية فيما يبدو عشية التوقيع على الإعلان المشترك قبلت الصين على مضض الصيغة التالية: «يشكل المجلس التشريعي لإقليم هونج كونج الإداري الخاص عن طريق الانتخابات. وتلتزم السلطات التنفيذية بالقانون وتُحاسب أمام الهيئة التشريعية». وفي غضون شهور، ندمت القيادة الصينية على هذا التنازل ولم تكل عن مطالبة بريطانيا بالتراجع عن دعم أي تجديد ديمقراطي. ولكن الأوان كان قد فات. وشكل الوعد بإصلاح ديمقراطي لهونج كونج على الأقل فيما تبقى من فترة الحكم البريطاني لب الجدل البرلماني في لندن. ورأت بكين أن هذا محاولة معلنة من بريطانيا لضمان نفوذ دائم في هونج كونج باستخدام مسؤولين ليبراليين منتخبين كمطية لذلك. وبسبب الخيارات التي اتخذها الجانبان قبل الإعلان المشترك ومنذ ذلك الحين هناك شيء واحد تجد الصين صعوبة في تحقيقه وهو إعادة الاندماج الكامل والمرْضي لهونج كونج. وكان يجب أن تمثل عودة هونج كونج إلى الصين عام 1997 صعود الصين من جديد وثقتها في نفسها، كما كان من المفترض أن يؤكد شعار «بلد واحد ونظامان» هذا الأمر، لكن لم يحدث شيء من ذلك تقريباً. وكشف عدم ثقة بكين وميلها إلى إلقاء تبعة مشاكلها على الأجانب. وعندما نزل المحتجون إلى الشوارع يوم 26 سبتمبر الماضي كان رد فعل الحكومة غير ملائم. وكان السبب في هذا هو النهج التدريجي المتبع لفترة طويلة. وقد يتلاشى المحتجون اليوم ولكن الاستياء قد يستمر. ومن يستطيعون أن يغادروا هونج كونج سيأخذون أموالهم ومواهبهم معهم إلى الخارج. والقادة الصينيون سيقودون شعبا يتزايد غضبا في مدينة يخشى أن تتم التضحية فيها بمجدها وثرواتها. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفيس»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©