الاتحاد

عربي ودولي

صفية السهيل حسابات الخاسرين




السعد عمر المنهالي:

كانت محاكمة الرئيس العراقي ''صدام حسين'' ساحة لتصفية الحسابات، فيما مثل إعدامه وما تم نقله من صور للإعدام ما هو أكثر من جني حسابات، بعضهم خرج منها خاسرا، بينما يصر البعض الآخر على الربح، ولكنهم حتى في ذلك لن يفلحوا في جني الأرباح، فأي شكل سيكون لها بعد أن أصبح المكان والزمان خاسرين؟!
بذلك الشكل جاءت دعوة النائبة عضوة مجلس النواب العراقي ''صفية طالب السهيل'' للحكومة العراقية في الحادي والثلاثين من ديسمبر الماضي عام ،2006 بفتح تحقيق حول ما حدث أثناء إعدام الرئيس العراقي ''صدام حسين'' -فجر الثلاثين من ديسمبر في أول أيام عيد الأضحى-، مؤكدة على أن ''·· ما جرى داخل الغرفة التي أعدم فيها الرئيس الأسبق، وما تردد من أصوات فيها من بعض المجاميع ظهرت على أنها هتافات ذات طابع سياسي، لاتتناسب مع حيادية المحكمة، واحترام سلطة القانون في تنفيذ الحكم الذي صدر ضد ديكتاتور آذى الشعب العراقي برمته''·
حقيقة يبدو رأي النائبة غير منطقي إلى حد كبير، إذ كيف يمكن فصل عدالة المحاكمة وقرارها -كما ذكرت لوكالة أنباء صوت العراق بقولها ''أؤكد فيه على عدالة تنفيذ الحكم ضد (الديكتاتور) صدام حسين''- عن عدالة الطريقة التي تم فيها تطبيق حكم الإعدام!!، كما تأكد غياب المنطق في إصرارها على: ·· أن أسلوب الفرح والتشفي الذي ظهر أثناء الإعدام كان أسلوبا سياسيا لا يتناسب مع المعايير العالية للعدالة التي اتبعتها المحكمة في محاكمته وتنفيذ الحكم الذي جرى بمقاييس دولية''· ويأتي ذلك في الوقت الذي تؤكد فيه المنظمات الدولية الحقوقية على عدم عدالة المحاكمة وبشاعة الطريقة التي نفذ فيها الحكم!!·
صفية·· التميمية
أولت وسائل الإعلام العربية والعالمية لدعوة النائبة العراقية ''صفية'' اهتماما بالغا، ليس لكون الدعوة بفتح التحقيق قد سبقت دعوات الآخرين، إنما لكونها صادرة من ابنة إحدى ضحايا صدام الذين لاقى اغتيالهم صدى عربيا ودوليا كبيرا وتسبب في توتر وقطع العلاقات الدبلوماسية العراقية في عام ·1994 فالسيدة ''صفية طالب سهيل التميمي'' إحدى بنات شيخ مشايخ قبائل بني تميم العراقية، ولدت نهاية الستينات -كعادة البحث في سير الشخصيات النسوية العربية تغيب التواريخ والمؤهلات- غير أنها لم تترعرع في العراق بسبب هروب والدها الشيخ ''طالب سهيل'' إلى بيروت عام ·1968
عرف عن والدها الشيخ ''طالب السهيل'' بعلاقاته العربية الواسعة التي ورثها عن عائلته بني تميم - قبيلة شيعية بدوية تعود إلى شمال الجزيرة العربية، عرفوا بعرب خراسان-، وقد استند نفوذ القبيلة على امتلاكها اغلب الأراضي المحيطة بالعاصمة العراقية، والتي ازدادت أهميتها الاقتصادية مع التوسع العمراني لبغداد منذ الستينات· بنى الشيخ ''طالب السهيل'' قصرا في ''أبي غريب''، كما بنى علاقات مميزة بالعائلة الهاشمية امتدت حتى العائلة الحاكمة في الأردن، فقد جمعته -كما ذكرت بعض المصادر- علاقات طفولة بين الملك حسين· اعتقل الشيخ ''طالب'' إبان حكم عبد الكريم قاسم عام 1959 من قبل المخابرات العراقية للاشتباه بعلاقاته مع الملحق العسكري المصري، وكان لا يزال في التاسعة والعشرين عندما أطلق سراحه ليختار حياة المنفى بين عمان وبيروت وهناك اشتغل بالتجارة وتربية الخيول، حتى عاد إلى العراق إثر عفو عام أصدره الرئيس ''عبد الرحمن عارف'' عام ،1968 ولكنه عاد من جديد للهرب بعد اتهامه بمؤامرة على النظام، وكان ''صدام حسين'' آنذاك نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة·
اقترن ''طالب السهيل'' بالسيدة ''منيرفا بدر الدين'' ذات الأصول اللبنانية، وهي والدة بناته الست اشهرهن ''صفية وسارة ونورا''، اللاتي تلقين تعليمهن المبكر في الأردن، وعلى ما يبدو أن العائلة كانت ترتحل مع الوالد الذي ظل مطاردا من المخابرات العراقية، لاسيما بعد أن تأكد لصدام حسين في منتصف يوليو عام 1993 تدبيره مؤامرة انقلابية، والتي تم بسببها اعتقال وقتل ما يقال أكثر عن ثلاثة آلاف عراقي من شركائه وأصدقائه وأقاربه، إلى أن تم اغتياله في الثاني عشر من أبريل عام ،1994 في شقته بـ''عين التينة'' بالعاصمة اللبنانية، على يد أربعة عراقيين من الدبلوماسيين في السفارة العراقية هناك، أكدوا تورط سفارتهم في العملية مما أدى إلى قطع العلاقات اللبنانية العراقية·
الإصبع البنفسجي
حملت ''صفية'' الابنة المفجوعة إرث والدها المعارض، وانطلقت معارضة لنظام الحكم في بغداد في كل عواصم العالم التي استقبلت مؤتمرات المعارضة العراقية، وتحت اسم الناشطة في حقوق الإنسان أصبحت من المعروفات على الساحة الدولية الداعية لتغيير نظام صدام حسين، ساعدها في ذلك زوجها الكردي ''بختيار أمين'' الذي يحمل الجنسية السويدية ويعمل مديرا تنفيذيا لـ''التحالف الدولي من اجل العدالة'' وهي منظمة دولية تهتم بشؤون الديمقراطية والعدالة ومؤسسات الديمقراطية، وتضم 275 تنظيما غير حكومي يمثل 120 دولة معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان·
استطاعت ''صفية'' أن تظهر في العديد من المؤتمرات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان في جنيف ولندن وباريس وواشنطن، وذلك قبل أن تنتقل مع زوجها إلى العراق مع سقوط نظام ''صدام حسين'' ليعين نائبا للعضو الكردي ''محمود عثمان'' في مجلس الحكم· ويبدو أن أهدافها لم تنته بعد سقوط نظام ''صدام''، فبالرغم من وصول زوجها لمنصب وكيل ثم وزير لحقوق الإنسان في الحكومة العراقية، إلا أنها لم تنكر طموحها السياسي، لاسيما أنها إحدى المرشحات لشغل مقعد ''عقيلة الهاشمي'' -التي اغتيلت- في مجلس الحكم العراقي، ولكنها استبعدت مما دفعها إلى اتهامه بتجاهل تاريخها النضالي ضد الحكم السابق·
دخلت ''صفية طالب السهيل'' البرلمان العراقي بعد أن رفعت شعار حقوق المرأة والديموقراطية أثناء الانتخابات البرلمانية التي جرت في العراق عام ،2005 واستطاعت أن تتصدر صورها الصحف بعد حضورها لخطاب الاتحاد للرئيس الأميركي ''جورج بوش'' وثنائه عليها، ومن ثم رفعها لإصبعها الذي تلون بالبنفسجي بعد إدلائها في أول انتخابات برلمانية عراقية، واستدلاله بما قالته له بأن ''العراق كان محتلا لـ35 عاما من قبل صدام حسين، هذا كان الاحتلال الحقيقي، وأنا أشكر الشعب الأميركي الذي دفع الثمن وأوجه شكرا خاصا إلي الجنود''·
السياسية الساخطة
ساعدت هذه الصورة على رفع أسهم ''صفية التميمي'' عالميا، غير أنها كانت بحاجة إلى دعامة داخلية، فبالرغم عن أنها تعد من مشايخ قبيلة بني تميم، إلا أن توجهها العلماني وعلاقتها بالأميركان، وتحالفها مع الحزب الديموقراطي الكردستاني -كونها زوجة أحد قياديه-، حد إلى درجة كبيرة من حضورها السياسي على الساحة العراقية العامة، خاصة بعد أن ضاع عليها ولمرتين تعيينات ذات شأن كبير في الحكومة العراقية، أولها منصب وكيل لوزارة الخارجية، ومن ثم سفيرة للعراق في القاهرة، إضافة إلى اعتراضها على قيام هوشار زيباري وزير الخارجية العراقي بارسال ''عوض فخري'' في مهمة دبلوماسية، متجاهلا دوره وقت كان سفيرا للعراق في بيروت وقت مقتل والدها، وهي أحداث تبعتها سجالات بين بعض أقطاب الحكم العراقي وبينها في وسائل الإعلام·
لذا كان لتصريحاتها ضد السياسيين العراقيين دور كبير في إبراز صورتها، لاسيما عندما صرحت في أبريل العام الماضي 2006 لصحيفة الشرق الأوسط بقولها ''اشعر بالخجل كوني أمثل العراقيين ولا أستطيع مساعدتهم''، ونعتها لرجال السياسة العراقيين بأنهم مصائب زادت على المصائب العراقية اليومية، وقالت ''إن العراق يمضي نحو الهاوية، بينما السياسيون لم يقدموا أي حل لإنقاذ البلد ولا احد منا على قدر تحمل المسؤولية لمساعدة الشعب في معاناته، سواء كانت هذه المعاناة عندما كان العراقيون تحت حكم نظام صدام الديكتاتوري، أو بعد تحريرهم من هذا النظام''، بل إنها لم تتردد في تحميل الإدارة الأميركية والعراقية ما تعانيه البلاد من مآس بقولها، ''كلنا مسؤولون عما يعيشه العراق والعراقيون من أزمات ومشاكل، والمسؤولية الأولى يتحملها بول بريمر -الحاكم المدني الاميركي السابق-، عندما هدم كل شيء وترك البلد أمام جحافل الإرهابيين من غير أن يقدم أي حل، وها نحن نحصد نتائج سياسته الخاطئة، كما تتحمله الإدارتان الاميركية والبريطانية والقوى السياسية العراقية''!
حتى أنها شككت بتوصيات تقرير بيكر-هاملتون، في إحداث التغيرات الحقيقية التي يتطلع إليها العراقيون في الأمن والاستقرار والمشاركة في اتخاذ القرار، وإن كان هذا الموقف وما سبقه يؤكد امتعاض النائبة ''صفية التميمي'' من المشروع الأميركي في بلادها، فهل ستتغير قناعتها التي قالتها للرئيس الأميركي بأن ''العراق كان محتلا لـ35 عاما من قبل صدام حسين، ذلك كان الاحتلال الحقيقي··'' باعتبار أنه بإعدام المحتل القديم صدام حسين سيتحرر العراق، أم أن علينا أن نشهد مقاصل كثيرة حتى يعبر العراق زمن الخسارة ويتحرر؟!

اقرأ أيضا

ضبط أسلحة مهربة في المهرة