مريم جمعة فرج (دبي) - عرفت الكاتبة البريطانية الصومالية الأصل «نظيفة محمد» كأحد الأصوات المتميزة في الرواية البريطانية بعد نشرها رواية «صبي المامبا السوداء» 2010 التي رشحت لجائزة الجاردين للرواية. وفي 2013 استحقت لقب «إحدى أفضل الروائيين البريطانيين الشباب» الذي أطلقته عليها مجلة «جرانتا» الأدبية. ومؤخرا تصدرت روايتها الثانية «بستان الأرواح الضائعة» قائمة أفضل الأعمال المنشورة حديثا. الروائية نظيفة محمد، على الرغم من الاحتفاء بها في الأوساط الثقافية البريطانية، إلا أن أعمالها تشي بنوع من التواصل المستمر بجذورها الإفريقية. وهو تواصل لا يقتصر على التاريخ فحسب، بل يتأثر إلى حد بعيد بالتمازج الثقافي الإفريقي العربي الغربي الذي تسعى إلى إبرازه. وكما تعتقد فلربما استلهمته كما تقول «من كل ما قرأته، وشاهدته من أفلام وما استمعت إليه من موسيقى مؤثرة إضافة إلى قائمة من أروع الأصوات الأدبية ومن بينها الإفريقي «أحمدو كوروما» الذي يمتزج في أعماله الموروث الحكائي الشفاهي الإفريقي بالكتابي الأوروبي، والكاتبتين الشهيرتين الأمريكية «توني موريسون» والهندية «أرونداتي روي» وكلها أعمال تمتاز بجمالياتها وعذوبة إيقاعها». في «بستان الأرواح الضائعة» لا تبتعد نظيفة محمد كثيرا لتعود إلى مرحلة الاستعمار الإيطالي للصومال أو البريطاني لعدن وأجزاء من شرق إفريقيا التي شكلت الموضوع الرئيسي لروايتها الأولى، وإنما إلى مرحلة الثمانينيات التي عايشت جزء منها في طفولتها المبكرة والتي شكلت إرهاصات الحرب الأهلية في الصومال. هنا تبدو ذكريات الكاتبة كومضة ويبدو عنوانها جذابا، فحتى أولئك الذين لا يموتون في الحرب تموت أرواحهم بسببها. الرواية بينما يلعب الرجل الدور الرئيسي في روايتها «صبي المامبا السوداء» التي تستند في بنائها القصصي على ذاكرة والد المؤلفة، تلعب المرأة الدور الرئيسي في «بستان الأرواح الضائعة». حيث بطلات الرواية نساء عاديات في ظروف غير عادية تفرضها الصراعات السياسية والعسكرية، يتعرضن للقهر بلا سبب فيضطربن، ويكتشفن أن معاملة المرأة في ذلك المكان متشابهة، وأنها لم تتغير عبر التاريخ الطويل. ومثلما يأتي على لسان إحدى الشخصيات «إننا نفس المرأة على مر العصور». غير أن القارئ يستمتع بهذه الإفادة فيما بعد اعتمادا على براعة هذه الكاتبة في تفاصيلها. إن الكاتبة لا تختلف مع شخوصها وتبدو كما لو أنها إحداها فتقدمها بشيء من الحب والفكاهة والحميمية «حقا إنهن يشبهن بعضهن ما لم تكن مريم في أواخر العشرينيات وزهرة في الأربعين من عمرها وذهب وكوثر تكملان الخمسين والمسكينة الحدباء فاطمو تتخطى السبعين. يشبهن الصور الإيضاحية التي تشاهد على صفحات الكتب المدرسية... هكذا يريدون لهن أن يكن –ساذجات، مبتسمات كالشخصيات الكرتونية دون أن تكون لهن مطالب أو احتياجات خاصة. وهاهن الآن يخرجن إلى الحياة – لا لكي يتكلمن أو ينسجن أو يذهبن إلى العمل في المصنع، بل ليهرولن بمشقة، في الطريق إلى احتفال أجبرن على حضوره». كل هذا وسط مشهد تملؤه الفوضى والارتباك وغبار الطريق في إحدى القرى. الشخصيات الرئيسية وشيئا فشيئا، تتضح لك ملامح شخصياتها الرئيسية الثلاث. «كوثر» الأرملة التي تعيش في مأوى للعجزة ولا يقتلها فقط التفكير في زوجها الذي يموت فجأة لأسباب طبيعية، وإنما فقدها لابنتها في موجة من العنف. وها هي كوثر أثناء وصولها إلى ساحة الاحتفال ترى بعينها الفتاة «ديكو» وهي تتعرض للضرب أمام الآخرين على يد «فيلسان» المسؤولة عن الأمن، فتسعى إلى تخليصها ومساعدتها وما إن تفعل حتى تخضع الاثنتان للتحقيق في مركز للشرطة. وبينما تتوق نفس «كوثر» في تلك الأثناء إلى الراحة، توقن في النهاية أن راحتها لن تكون إلا في القبر، ربما تحت ظلال الأشجار، حينها ستشعر بالسعادة تسري في عظامها. المهم في هذه الرواية أن المؤلفة تفرد لكل شخصية فيها المساحة الكافية للتعبير عن نفسها. وحينما تجد «ديكو» الفرصة سانحة لذلك لا تتوانى عن القول بأنها على الرغم من أنه ليس من السهل عليها أن تحصل على فردتي حذاء بالطرق العادية، إلا أن الأمر كان يستحق ما قامت به من شغب. والآن وبعدما قطعت «أميلا» مسافة طويلة من أجل الوصول إلى هذا المكان، فهي تصر على الحصول على حذاء كغيرها من المشاركين في الرقص! هل تحرم منه كما حرمت من أمها التي تركتها بعد ولادتها مباشرة في مخيم للاجئين لكي تتربى على أيدي بائعات الهوى. أما «فيلسان» فهي ضابطة الجيش المتحمسة التي لا تتوانى عن استعراض القوة أمام زملائها من الرجال. وكما يبدو فإن المواجهة بين هؤلاء النسوة هي المحور الرئيسي للأحداث، ومن خلاله تكتشف أن الرابط الأقوى بينهن هو أنهن يقدمن تشكيلة واسعة من التجارب. وهي كذلك دعوة لتأمل شخصيات نظيفة محمد من داخلها وليس كما تبدو. فما أن تضع الحرب بين النسوة الثلاث أوزارها، حتى تكتشف كل واحدة منهن امرأة أخرى مهزومة في داخل غريمتها. على سبيل المثال «فيلسان»، القادمة من مدينة مقديشو، وهي جميلة في حوالي الثلاثين من عمرها غير متزوجة، تباهي بأنها «تنتمي إلى ثالث أكبر جيش في إفريقيا... تعبر في موكب الحراسة وينظر إليها الجنود باحترام. هذه المرأة حياتها كلها ظلت تتمحور حول الرجال، بدءا بوالدها وحتى استاذ العلوم السياسية في الجامعة، ورغم أن رأيهم فيها هو ما يهمها، إلا أنها تشعر في داخلها بأنها ما تزال صغيرة في نظرهم». ومما يبعث على الشفقة تجاهها هو الذكريات المؤلمة التي تؤرقها. لقد تخلت عنها أمها وهي طفلة، لمجرد أن أباها قد أجبرها على ذلك. كما واجهت التحدي في علاقتها الشخصية بالرجال الذين أحبتهم، ولاشك في أن ما صدر عنها من عنف تجاه الأخريات لم يكن مقصودا. وفي النهاية فإن محور «بستان الأرواح الضائعة» هو الخلاص. وعندما تبوح شخوصها بأسرارها فإن أرواحهن تنشد الانعتاق سواء كان فرديا أم جماعيا.