الاتحاد

الاقتصادي

رئيس الدولة يوجه بإقامة حيد اصطناعي حول جزيرة الياسات

حسن القمحاوي:

بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ''حفظه الله'' بضرورة المحافظة على الحياة الحيوانية والنباتية المائية وتنميتها وبعد صدور المرسوم الأميري رقم (33) لسنة 2005 بإعلان منطقة الياسات محمية بحرية، وتنفيذا لأوامر سموه قامت دائرة أعمال رئيس الدولة بانشاء أول حيد اصطناعي لزراعة المرجان حول جزيرة الياسات·
وتضمن الحيد الاصطناعي تصنيع كتل صخرية بمواصفات خاصة تتناسب مع طبيعة البيئة البحرية أصبحت في ظل نمو الطحالب عليها بيوتا آمنة تجذب الأسماك بمختلف أنواعها·
تم تحويل جزيرة الياسات إلى محمية بحرية طبيعية، من خلال التعاون الوثيق الذي تم بين دائرة أعمال رئيس الدولة وهيئة البيئة مع الاهتمام بتطبيق كافة الأنظمة والقواعد الخاصة بحماية المحميات البحرية سواء فيما يتعلق منها بقوانين الصيد أوغيرها·
لوضع توجيهات صاحب السمو رئيس الدولة موضع التنفيذ كان السؤال المطروح هو: كيف نطور المنطقة المائية المحيطة بالجزيرة بالشكل الذي يعيد معالم الحياة البحرية إلى أعماق البحر، ويجعل من الجزيرة محمية بيئية تتناسب مع طبيعة المنطقة التي تقع فيها؟ · وبدأت معالم الإجابة تتضح بعد عدة زيارات للجزيرة حيث تبين أن الحياة البحرية هجرت قاع البحر بعد أن غابت مقوماتها من الكتل الصخرية والشعاب المرجانية·
إن فكرة إحياء الحياة البحرية في مياه الجزيرة استدعت بالضرورة توفير مقومات الحياة البحرية من خلال إقامة الحيد الاصطناعي، لذا بدأت عملية بحث واسعة عن التجارب العالمية في هذا المضمار، وتم الاتصال بعدد من الخبراء والعلماء المختصين في كافة أنحاء العالم خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا وسويسرا· والاستعانة ببعضهم ليكونوا ضمن فريق عمل متخصص لدراسة تطوير الخلطة الخرسانية المناسبة لصناعة الكتل الصخرية المراد توزيعها في أعماق البحر لتصبح ملاذات للأسماك·
بدأ تنفيذ المشروع في أغسطس من هذا العام، وانتهت المرحلة الأولى منه في أكتوبر الماضي بالتعاون بين الخبرات الأجنبية والمحلية وتحت الإشراف المباشر لمعالي المهندس مبارك بن سعد الاحبابى رئيس دائرة أعمال رئيس الدولة الذي اضطلع بدور بارز وفعال في متابعة وتوجيه العمل في مراحل المشروع المختلفة خاصة عمليات مسح المواقع وزراعة المرجان·
كان من أهم التحديات التي واجهت المشروع إيجاد الخلطة الخرسانية المناسبة لعمل الكتل الصخرية، وقد تمثلت تلك المشكلة في عنصرين: الأول التأكد من أن المواد المستخدمة صديقة للبيئة ولا تخلف أية آثار سلبية عليها، والثاني أن تساعد تلك الكتل الصخرية على تجمع العوالق البحرية عليها في أسرع وقت ممكن·
وقد برزت أيضا تساؤلات مهمة حول الحجم الأمثل لتلك الكتل الصخرية ومقاساتها المناسبة وكيفية توزيعها بحيث تتناسب مع حركة التيارات البحرية في المنطقة واختيار أنسب الأماكن التي توضع فيها·
لم يكن التوصل لإجابات دقيقة لتلك التساؤلات أمرا سهلا، بل تمخض عن أبحاث علمية شاملة قام بها الخبراء المختصون تضمنت دراسة البيئة البحرية في الجزيرة بكافة تفاصيلها، لتبدأ بناء على نتائج الأبحاث الخطوات التنفيذية لإنشاء أول حيد اصطناعي بالدولة وكانت الخطوة الأولى البدء بإقامة مصنع في جزيرة ''الياسات'' لعمل القوالب أو الكتل الصخرية·
أكد معالي رئيس دائرة أعمال رئيس الدولة أن التوصل إلى المعادلة الكيميائية الصحيحة للكتل الصخرية لم يكن أمراً سهلا، إذ تطلب إجراء تجارب متعددة لعينات مختلفة من الكتل تم إلقاؤها في البحر لعدة أيام ومراقبتها ثم إخراجها، وإجراء التعديلات المطلوبة على مكوناتها لتحقيق الأهداف المرجوة بأن تكون صديقة للبيئة من ناحية وان تسمح من ناحية أخرى بان تتكون عليها العوالق البحرية بسرعة، وأشار معاليه إلى أن تلك التجارب أسفرت عن الحصول على التركيبة الأمثل للخلطة الخرسانية التي تتناسب مع الطبيعة البحرية للجزيرة، لتبدأ بعد ذلك صناعة القوالب أو الكتل الصخرية بأحجام مختلفة توطئة لإقامة الحيد الاصطناعي بالجزيرة·
تضمن المشروع في مرحلته الأولى التى بدأت في 26 أغسطس 2006 صناعة 350 كتلة صخرية كروية، تم توزيعها على مواقع تم تحديدها وتجهيزها مسبقاً، وتم استخدام سبعة مقاسات من القوالب لإنتاج تلك الكتل التي صممت أحجام فراغاتها وأشكالها وأسطحها طبقاً لمواصفات خاصة تساعد على استقرار الحياة البحرية ونموها·
في الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي وخلال خمسة أيام تم اختيار أربعة مواقع بناء على نتائج المسح الذي تم لقاع البحر في الجزيرة، ووضع في كل موقع ما بين 50 إلى 120 كتلة بطريقة علمية حددت سلفاً بحيث لا تؤثر على المجمعات الموجودة في تلك المواقع·
ولم تتوقف حدود المرحلة الأولى للمشروع عند هذا الحد، بل امتدت لتؤشر إلى تقدم علمي وعملي مذهل في مجال زراعة المرجان في الكتل الصخرية، بعد أن لاحظ فريق العمل تأثر بعض الشعاب المرجانية من عوامل بحرية وبيئية سابقة لمشروع الحيد الاصطناعي حيث بدأ شبح الموت في التسلل إلى تلك الشعاب، ولما كان الهدف من الحيد الاصطناعي إعادة الحياة إلى أعماق البحر فقد كانت فكرة صاحب السمو رئيس الدولة بزراعة المرجان بذلك الأسلوب فكرة رائدة يجري بحثها وتنفيذها للمرة الأولى في الدولة·
ثم بدأت المرحلة الثانية من المشروع وكان هدفها ''إجراء مسح وتقييم للمواقع''، وبالتزامن مع العمل في المرحلة الأولى قامت فرق الغطس بالغوص عدة مرات في مواقع مختلفة حول الجزيرة بهدف التعرف على البيئة البحرية وتركيبتها والتيارات المائية وجودة المياه، وكان البحث مركزا على تحديد أنواع المرجان والتوصل إلى المصادر المحتملة للأنواع المصابة باستزراعها وإكثارها·
وحيث إن زراعة المرجان عملية دقيقة وحساسة وتتم بالكامل تحت الماء، فقد تمت الاستعانة بخبير في زراعة المرجان لتدريب الفريق العامل في المشروع، بالإضافة إلى جلب معدات خاصة واتخاذ جميع التدابير والاحتياطات اللازمة للحصول على أفضل النتائج·
اشتملت عملية الزراعة على التقاط المرجان المصاب من قاع البحر وتجزئته إلى قطع صغيرة ثم معالجته وزراعته في بيئة مماثلة لتلك التي أُخذ منها، من حيث العمق والتعرض للضوء ودرجة حرارة الماء، وتم حتى الآن زراعة حوالي (350) شريحة من أنواع مختلفة من المرجان في سابقة تعد الأولى في العالم من حيث تميز النوعية وارتفاع نسبة النجاح التي تم تحقيقها، لقد أضافت زراعة المرجان على الكتل الصخرية الشكل البيئي البحري الطبيعي بنسبة كبيرة، مما أدى إلى اجتذاب الأسماك بأنواعها المختلفة إليها·
وبعد نجاح مرحلة زراعة المرجان بدأت مرحلة المراقبة، فبعد توزيع مزارع المرجان على مواقع مختلفة، قام فريق العمل بمراقبة نمو المرجان بصفة مستمرة طبقاً لاستراتيجية مرسومة، وعلى فترات زمنية محددة، وذلك باستخدام وسائل علمية حديثة، وتمخضت جهود المراقبة عن نتائج باهرة، حيث تبين أن كثيراً من الشرائح المرجانية أظهرت خلال فترة 5 - 10 أيام مؤشرات جيدة للنمو، إضافة إلى وجود أعداد هائلة من مختلف أنواع الأسماك حول الكتل الصخرية المكونة للحيد الاصطناعي مع تزايد أعدادها بصفة مستمرة·
لقد حقق هذا المشروع - باعتباره مشروعا رائدا - نجاحاً باهراً بكل المقاييس ، وتعتبر نتائجه حتى الآن مشجعة جداً، ومن المؤمل أن تؤتي الرعاية المستمرة للمشروع وتطويره بناء على النتائج التى تم احرازها على أرض الواقع كلها بتوفير معلومات في غاية الأهمية عن زراعة المرجان، وبناء على تلك النتائج المشجعة فقد تقرر زيادة الكتل الصخرية إلى 1500 كتلة على عدة مراحل يتم تنفيذها خلال فترة زمنية محددة، ومن المؤمل أن يوفر هذا الحيد بيئة مناسبة لتكاثر ونمو الشعاب المرجانية وازدهار الحياة البحرية بصورة ملحوظة·
لم تكن هنالك أسماك في العديد من المناطق البحرية بالجزيرة قبل إقامة المشروع، ولكن لوحظ بعد فترة من وضع الكتل الصخرية تكاثر الأسماك داخل تلك الكتل ومن حولها بصورة ملفتة للنظر، وتم توثيق هذا التطور الهام بتصويره فوتوغرافيا وبواسطة الفيديو·
بعد النجاح في صناعة الكتل وزراعة الشعاب المرجانية بدأ فريق العمل في المشروع في إقامة خط إنتاج جديد للقوالب والكتل الصخرية بأشكال وأحجام مختلفة لتلبية الطلب المستهدف لتنفيذ المشروع على مستوى الجزيرة بأكملها، مع مراعاة أن بعض الأسماك مثل الهامور تحتاج إلى قوالب كبيرة بينما يحتاج الروبيان إلى قوالب خاصة ذات أشكال ومواصفات معينة·

اقرأ أيضا