الاتحاد

دنيا

المقطع الأخير من أمل قديم



افعلي ما يحلو لكِ··· سرّحي البصر أينما شئتِ··· تأملي في الرائحين والغادين··· جهّزي من الأجندات ما يكفي لإشعال آلاف القرى··· استعرضي ما عنَّ لكِ من الأقمار والشموس التي سبقتكِ··· اقرئي جردة أخواتكِ و ما اجترحته أياديهن البيضاء على بلاد، وتجاهلي ما فعلته أياديهن السوداء في بلاد أخرى··· لن يتصدى لكِ أحد، ولن يفند أكاذيبكِ أو يردَّ دعواك بشر··· كل ما سنفعله جميعاً هو: أن نسألك الرأفة بنا والرحمة بهذه الكرة الأرضية التي تعب رأسها من الدوران بينما رؤوس من يديرون حروبها لا تتعب أبداً·
كوني ما شئت؛ لكن، لا تكوني سبباً آخر يضاف إلى قائمة أحزاننا العاملة ··· بالله عليك، سرّحيها من العمل، أقيليها، ضميها إلى الأحزان العاطلة عن العمل ··· ولا بأس عليك، فهذه المرة، لن تكون البطالة مشكلةً ولا سبَّة··· فأَنْ لا تعمل شيئاً، أفضل ألف مرة من أن تعمل عملاً قبيحاً وسيئاً و··· قاتلاً ·
أنت لا تخضعين لاحتمالات الضياع، لأنك دائماً تأتين··· في الموعد تماماً، لا تقدّمين ولا تؤخّرين··· لا تمنعك من المجيء كارثة· لا يغرقك فيضان· لا يزهق روحك إعصار· لا يصيبك جوع ولا نصَب· لا تمرضين بالحمى· لا يفتك بك سرطان الموت المتفشي بين عباد الله المساكين· لا عرَضَ من أعراض هذه الفانية يمكن أن يؤثر فيك··· لا تنطبق عليك قوانين الحجز أمام المعابر أو الحواجز المنصوبة في طول وطني وعَرضه، تنتهك في سفور معلنٍ أرضه وعِرضه· لهذا، أرجوك أن تكوني وسيلتي إلى الأهل والإخوة··· فهلاّ ذهبتِ إليهم، هلاّ تجولتِ بين الأزقة، و توغلت في تلك البيوت العتيقة التي شبَّ فيها الحب، وعاش فيها الدفء على قهوة الأمهات· هلاّ عبرتِ متاريس الخطر لـ··· تذكِّريهم بما نَسوا !
أرجوك، اذهبي، امرقي من بينهم، تسلَّلي خفية عن أعين الجند وقبّلي حزن الأمهات··· تقمصي نجمة من النجوم التي يضعها الأساتذة على دفاتر الصغار عندما يؤدون واجباتهم المدرسية على أحسن ما يكون، وارسمي لهم بعض الفرح·
تقمصي شجرة زيتون نجَتْ من معاول السفاحين وظلت وحدها صابرة في الحقول، أو أغنية صياد قديم على شاطئ غزة رأى بأم عينيه دموع الحق وهي تنوح، أو علَماً اختلطت فيه الألوان ولم يبق غير الأحمر لكثرة ما شرب من الدماء···!
افعلي أي شيء، تقمصي أي رمز يعينك على الوصول··· فقط··· اذهبي·
تأكدي أنني لا أريد أن أسلبك ماهيتك وجوهرك، ولكنني أريدك أن تكوني - لمرة واحدة - صديقةً لشعبي!
مرَّة واحدة فقط، كوني صديقة للفقراء والجياع والمرضى والمحرومين و الغلابا ولا تكوني ضدهم!
مرة وحسب، كوني لهم ولا تكوني عليهم، أعينيهم ولا تعيني عليهم··· وعندما ينام الناس وتشهدي أوجاعهم المنثورة في أرجاء الكون، وتشاهدي افكارهم وخيالاتهم الهائمة في فضائه، لا تكوني شاهدة فقط، لا تكوني مستودعاً عفناً للأحزان الليلية التي تنفلت من عقلنة النهار وتدور على حلِّ شعرها في آخر الليل·
لا تكوني فقط حاوية تلم أوساخ العام الذي فات وفوَّت علينا كل فرصة لتحقيق أي حلم من أحلامنا!
أستحلفك بالله أن تعتذري لكل الذين غدرتْ أختُكِ بهم··· وأن تأخذي أشواقي وآمالي، وتذهبي إلى كل المحزونين لتمسحي على جراحهم، وتكفكفي دموعهم، وتوزعي عليهم الزاد والأمان والسلام·
لا تنسي أحداً في الدنيا، لكن أوصيك خيراً بـ (فلسطين ولبنان والعراق)، لا بأس في أن تحيطيها ببعض العناية المميزة، وأن تنحازي لها قليلاً وأنت توزعين حصة الفرح التي جلبتِها معكِ، لعل حظَّها معك يكون أفضل مما كان مع أختكِ التي لم تمنَّ عليها بـ قطرة فرح·
حطّي على أي شجرة هرمة في لبنان أو فلسطين وغنّي للإخوة الأعداء مواويلنا المنسية، وأغنيات ظريف الطول الذي لم يعد ظريفاً أبداً بفضل ما تجترحه عبقرية الشقاق من مبررات، أو ترنَّمي بـ الروزنا التي امتلأت بالحزن ولم يعد متسع لِلْهَنا فيها ·
دوري في حنايا العراق الجريح، اطرقي الأبواب بيتاً بيتاً، جوبي الشوارع شارعاً شارعاً، وأذرعيها شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، ثم لملمي الدموع من عيون محزونيها وازرعي على ثغرها البسمة التي غابت، فالبسمة لا مذهب لها ولا دين ولا عِرْق ·
تخطي حواجز سجننا الكبير، وغني للقابعين خلفه ألحان الأمل، واجمعي من قلوبهم صرخات الإرادة، ونوايا العزيمة الصادقة، وانْعَفيها في ذرى الجبال وبطون الأودية التي يقطن فيها الأخوة ويأكلون من عشبها وقمحها وزادها··· ثم يرمونها بحجر !
يا 2007: لا تخيبي آمالنا··· لا تفعلي مثل السنوات التي سبقتكِ··· فنحن في كل عام، نسرّح أبصارنا في السماء، ونبتهل أن تحملي لنا الخير والأمن والهناء··· وتمضي الأيام وتكرّ السنوات··· لا الأحزان التي نقيم فيها تغادرنا، ولا السنوات بالأمل المرجو تعود·

شـهيرة أحمـد

اقرأ أيضا