الاتحاد

دنيا

إيناس الدغيدي تتطور فنيا ولا تتغير فكريا

الخيانة هي الحل في فيلم ما تيجي نرقص
القاهرة - إيمان إبراهيم:


لا جديد عند المخرجة السينمائية إيناس الدغيدي· نساؤها لا يفكرن إلا في الجنس، ومشاهد مرغوبة لأنها ممنوعة، وعبارات مستفزة لإثارة النقاش والجدال حول فيلمها الجديد ''ما تيجي نرقص''· وهو بالمناسبة ليس جديدا أيضا، لأنه مجـــرد ترجمة بالعامية المصرية لعنوان الفيلم الأجنبي "shall we dance" الذي أخذت منه إيناس ما يعجبها، وأعادت تفصيله بمعرفة الناقد رفيق الصبان وشريكه في كتابة السيناريو أسامة فهمي·
الفيلم الأجنبي ليس أميركيا كما يستسهل البعض توصيفه، لكنه في الأساس ياباني من تأليف واخراج ''ماسايوكي سو'' الذي أنتجه عام 1996 عندما وصل الى سن الأربعين، وأضفى عليه لمسة كوميدية ساخرة قللت من تأثير جرعة الفلسفة والتأمل التي يتسم بها أهل الشرق، كما قللت الثقل الميلودرامي لقضية ''أزمة منتصف العمر'' والتي عالجها الأدب العالمي في أعمال كثيرة كما تناولها علماء النفس في مؤلفات أكثر·
ورغم أن السينما الأميركية كانت قد قدمت في عام 1937 فيلما بنفس العنوان للنجم الاستعراضي فريد إستير والنجمة جينجر روجرز، فإن موضوعه لم يكن له أي علاقة بالفيلم الياباني الذي يتناول التغيرات التي طرأت على حياة رجل متزوج شاهد فتاة حزينة في شرفة، وتأثر بنظراتها فقرر أن يتقرب منها فدخل عالم مدرسة الرقص التي كانت الفتاة تقف في شرفتها، وهو الموضوع نفسه الذي أعجب المخرج البريطاني بيتر شيلسوم المولود بالمصادفة أيضا في نفس العام الذي ولد فيه المخرج الياباني، وربما تحت تأثير التجربة الذاتية اقتنع شيلسوم تماما بفكرة الفيلم وقدمه بنفس العنوان في السينما الأميركية عام 2004 بعد أن أجرى عدة تعديلات على السيناريو بمعرفة الكاتبة أودري ويلز، وأسند بطولة فيلمه للنجم ريتشارد جير أمام كل من جينيفر لوبيز وسوزان ساراندون·

اقتباس مخل

في مقدمة فيلمها ''ماتيجي نرقص'' أشارت إيناس الدغيدي بوضوح إلى تأثرها بالفيلمين الياباني والأميركي، وهي إشارة لاتعني أي شيء على المستوى الفني إلا تجنب المخرجة أي تحامل نقدي في حال عدم ذكرها لفيلم اقتبست قصته وعنوانه بالنص بكثير من التصرف الذي أغفل أجمل مافي الفيلمين، وركز على توليفة التوابل الحارة التي تخصصت في إنتاجها وتسويقها·
فنحن نشاهد يسرا تلعب ''بالمقلوب'' نفس الدور الذي لعبه ريتشارد جير، فهي زوجة فى منتصف العمر تعمل محاسبة في إحدى الشركات، وتبدو حياتها هادئة إلى حد الملل، ومستقرة إلى حد الجمود، وكل شيء فيها مثل خانات الأرقام التي تتعامل معها، ولا تكاد تشعر بمتعة نجاح زوجها، أو أمومتها لشاب في مرحلة المراهقة ـ كان فتاة في الفيلم الأجنبي ـ فهي تعيش حياتها كأنها آلة مبرمجة· ولكن حياتها تتغير عندما تسمع صوت موسيقى يتسلل من مكان ما في العمارة التي تعمل بها، وعندما تراقب مصدر الصوت تعرف أنها مدرسة لتعليم الرقص، وتشعر بالدهشة من المشاعر التي تبدو على وجوه رواد المدرسة· وفي لحظة تقرر الالتحاق بالمدرسة خلسة من دون أن يعلم زوجها، وتبدأ الاندماج مع الموسيقى وتشعر بحيوية روحها وجسدها، وتتأثر بلمسات مدرب الرقص (قام بدوره تامر هجرس)، وهي مشاهد قد تبدو ذات معنى على المستوى السينمائي في الغرب، لكنها عند المشاهد الشرقي تفقد البطلة الكثير من التعاطف، لأنها تشتري السعادة الجسدية بثمن أقرب إلى الخيانة الزوجية·
وبالطبع يجنح فيلم إيناس ناحية الميلودراما إذ يلحظ الزوج (عزت أبوعوف) التغيرات العجيبة التي طرأت على زوجته (يسرا) فيراقبها ويعرف أنها تتردد على مدرسة للرقص فتتوتر العلاقة بينهما وينفصلان، فيما يتعاطف معها ابنها المراهق لأنه يعيش بنفس الطريقة مع اصدقائه وصديقاته، وبعد فترة يشعر الزوج بالتعاسة فيحاول هو الآخر ان يجرب العلاج الذي تعاطته زوجته ويذهب الى مدرسة الرقص بعد أن يقتنع فى النهاية بأنه ليس مجرد ابتذال للجسد، ولكنه متعة روحية ايضا·

قصص فرعية

هذا الخط الرئيسي للدراما تتخلله قصص فرعية لم يستطع كاتبا السيناريو والمخرجة توظيفها لتعميق إحساس إنساني أو ثقافي أو روحاني عند البطلة، لكن الفيلم تطرف في الحديث عن الحرية بلا قيود، حتى أنه قدم نماذج من الشواذ، كما قدم مشاهد لبنات محجبات يذهبن إلى مدرسة الرقص، وأظهر مدى تخلف أهالي هؤلاء المحجبات من خلال التركيز على شقيق إحدى الفتيات وإظهاره بمنطق المتخلف الهمجي الظالم الذي يبلغ أجهزة الأمن ضد مديرة المدرسة (الفنانة ليلى شعير) بعد أن يتهمها بإدارة المكان للأعمال المنافية للآداب·
وقد حاول الفيلم أن يمرر الجمل من ثقب إبرة عندما أظهر تعاطفه مع مديرة المدرسة بعد مشاهد قليلة من الحوار الذي دار بينها وبين اثنين من الشباب ''المثليين'' وسألتهما عن مقدار راحتهما مع بعضهما ونصحتهما بأن يعيشا كما يريدان من دون أي اعتبار للمجتمع من حولهما ما دامت مثل هذه العلاقات ترضيهما·
إذا تركنا مضمون الفيلم، والتفريعات التي تكررها المخرجة في معظم أفلامها لإثارة الأزمات، والظهور بمظهر الداعية للحرية في مواجهة سلوكيات مجتمع الرجال الذي يقهر المرأة ويسرق حقوقها، نقول بإنصاف إن إيناس الدغيدي تتطور من فيلم إلى فيلم، وان خبرتها الطويلة بعد 21 سنة إخراج افتتحتها بفيلم ''عفواً أيها القانون'' قد صارت أكثر نضجا مما شاهدناه في أفلامها الأخرى مثل ''زمن الممنوع''، و''قضية سميحة بدران''، و''لحم رخيص، و''استاكوزا''، و''مذكرات مراهقة''، و''دانتيلا'' وغيرها· كما ينبغي الإشادة بالمستوى الذي قدمه المصور محسن أحمد الذي تألق في تقديم صورة سلسة ومليئة بالتفاصيل ذات المعنى سواء في المشاهد الجماعية التي تطلبت المزيد من الحركة في صالة الرقص الضيقة، أو المشاهد الفردية التي تضمنت تعبيرات دقيقة بحركات الوجه أجادت يسرا التعبير عنها، فيما جاء الأداء نمطيا عند بقية الممثلين باستثناء هالة صدقي التي اجتهدت في إضفاء جو من المرح على الشخصية التي قدمتها، ولم يعبها إلا الوقوع في فخ المبالغة أحيانا وكأنها لا تخاطب جمهور الصالة بقدر ما ترسل رسالة ذات مغزى الى نجوم الكوميديا ومنتجي هذه النوعية من الأفلام·

اقرأ أيضا